الاثنين، 5 سبتمبر، 2016

درس في تعلّم الكتابة


        أرسل إليّ أحدهم ما أسماه دراسة عن المحصنات الشرعية أو بين التحصين الشرعي والانفتاح الثقافي، وهو بزعمه بحث يستحق النشر وقد عرضه على عدد كبير من الباحثين والمفكّرين أوبعضهم مفكّر فأثنوا على الموضوع ولم ينبسوا ببنت شفة حول طريقة الكتابة. وتعجبت كيف زعم أنه كاتب وهو بحاجة إلى كثير من الصقل والتدريب والتصويب والتعليم . أرسلت إليه ثلاث صفحات وقلت له هذه بعض ملاحظاتي ، فقال لي أزعجتك ، قلت لا ولكن من أجل أن يكون الأمر عملياً فلا بد أن نلتقي ولكني أيضاً لم أرد أن أحدث له شرخاً نفسياً أو صدمة نفسية.
        ذكّرني هذا الموقف بالشيخ إبراهيم سرسيق حين كان يشرف على الصفحة الإسلامية بصحيفة المدينة المنورة حيث قال لي أنا لا أنشر كثيراً مما يردني حتى لا يشعر هؤلاء الشباب بأنني إذا نشرت لهم أنهم أصبحوا كُتّاباً كباراً ، وهنا تأتي فائدة سلّة المهملات ..التي يشكو منها كثير من الكُتّاب المبتدئين : يقولون أو يزعمون كتبت موضوعاً رائعاً ولكنه لم يُنشر هؤلاء المحررون يرمون كلَّ شيء في سلة المهملات.
        أقول ليكن هناك سلة مهملات ولكن ليكن مع ذلك قلب رحيم عطوف شفوق، إذا وجد بادرة موهبة حاول أن يأخذ بيد الكاتب والذي يريد أن يصبح كاتباً يجب أن لا يتوقف عند أول مقالة تُرمى في سلة المهملات، عليه أن يحاول الكرة بعد الكرّة ويبحث عمّن يقرأ له بإخلاص...فكم صوّب لي الدكتو أحمد الخراط يحفظه الله من مقالات ومن هذه المقالات (موازيننا وموازينهم في سقوط الحضارات) فقل لي بصراحة : مازن المقالة ضعيفة وإن كنتَ تردُّ على العلمانيين أو المتغربين يجب أن تكون صاحب حجة قوية. وراجعت المقالة وبحثت عن أدلة أقوى وأرقام وإحصائيات حتى أصبحت مناسبة حسبما قال لي الدكتور الخراط نفسه.
        وتعلمت في الكتابة من تلاميذي فمن الطرائف أن أحد تلاميذي كان على مستوى عال ومارس الكتابة الصحفية وحتى الخطابة فكتبت مقالة عن أوكرانيا ذات يوم وبعثتها إليه بالفاكس( وقد كان من يملك الفاكس عددهم محدود تلك الأيام) فأعادها لي مليئة بالخطوط الحمراء وملاحظات بأن المقدمة طويلة والخاتمة ضعيفة وفي الوسط إطناب أو استطرادات لا داعي لها ولا علاقة لها بالموضوع ، فلم أستطع إصلاحها فلم أعاود الكتابة في الموضوع.
        أما أول تجربة لي في الكتابة ونُشرت فهي خاطرة كتبتها وكنت أعمل مترجماً في جريدة المدينة فدخل إلى غرفة رئيس التحرير الأستاذ سباعي عثمان رحمه الله فأطلعته على ما خربشت فقال لي اكتب اسمك على الورقة فرأيتها منشورة بعد يومين، وتجرأت فكتبتُ خاطرة أخرى ونشرها وهنا قررت أن أكتب مقالة طويلة فكانت (عندما تصبح القيم فريسة للمادة) واستغرقت نصف صفحة تقريباً ونشرت وكتب الأستاذ سباعي العنوان بخط يده. لا شك أنني فرحت بذلك فكتبت إلى  مجلة المجتمع وكانت الملة الإسلامية الوحيدة أوائل السبعينيات وكانت سلسلة (مشاهدات عائد من أمريكا) حتى إنهم في المقالة الثالثة كتبوا (الأستاذ قبل اسمي) فحسبتها كثيرة علي، ولكني قرأت مقالة للأستاذ أحمد محمد جمال يستشهد بما كتبت فقال لي أبي رحمه الله هذه شهادة غالية من كاتب كبير.

        أحمد الله أنني لم أوهمه بأنه كاتب بل قلت له لنلتقي ونكمل الملاحظات وكنت صادقاً معه ويصدق هنا القول (صديقُكَ من صَدَقك لا من صدَّقك) 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق