الاثنين، 22 أغسطس 2016

هل هذا هو ثمن الحرية؟


مجلة صحيفة الإندبندنت يوم السبت 22 يوليو 2006م
تقرير بقلم جاك ميناشي Jacque Menasche وتصوير ستيفن ديوبونت Stephen Dupont
·       أفغانستان بعد خمس سنوات من الغزو يزود إنتاجها من الهروين ب 90% من استهلاك العالم
·       هناك أربعون ألف مدمن في كابل وحده
في منتصف كابل وفي زقاق خلف متجر مركزي مدمّر والزقاق أصبح مرحاضاً نعم بالفعل أصبح مرحاضاً يوجد صبي صغير عمره سبع سنوات يبيع مناديل ورق وردية اللون والمطر يهطل منذ مدة والقطع الممزقة تصنع علامات في الطين مثل الأوراق الملونة التي تنثر على العرسان وننزل من خلال نفق من الدمار لنجد أنفسنا في ساحة ما كان منزلاً يصل حجمه إلى حجم حلبة للملاكمة. والآن هناك مخلفات ومخلفات بشرية ومسامير صدئة ولم يبق سوى السقف وثمة ألواح معوجّة وانهيارها يجعل المكان أشبه بالكهف.
        ويقول نجيب الله الطبيب النفسي الذي يعمل مع مكتب الأمم المتحدة لمجموعة المخدرات والجريمة "هناك الناس المدمنون" وهو مثل الشاعر الروماني لعالم المخدرات السفلي وفي الكهف يتسلل ضوء الصباح من خلال شق مثلث يظهر رجلين مقرفصين في شبه الظلمة. ولا تشابه بينهما أحدهما بشرته سوداء ومتهالك والثاني بشرته أفتح ومظهره يشبه الغربيين ، ولكنهما في الحقيقة أخوان ويبدو أنهما لم يعترضا على وجودنا  وباشرا عملهما مباشرة أولهما حسين وهو الأصغر يحمل علبة طعام قطط فوق سيجارة مشتعلة ليغلي الهيروين ومعه عصير ليمون وهنا يبدأ رضا بارتشاف السائل في حقنتين ويضعهما على دفتر وبعد ذلك يبدأ الأخوان في التعاقب على حقن بعضهما البعض وأخيراً يدعان الحقن تتدلى من ذراعيهما الممتدة ويمكثان على تلك الحال وأعينهما مغلقة ويتجمدان في تناظر مخيف.
من الوقاحة أن نضفي الروعة على هذا المنظر البائس الحقير فهو كهف المدمر وأعقاب السجائر والمخلفات والقاذوروات والروائح البشرية الكريهة والأظافر المتسخة ولكن هناك مودة أخوية في الطريقة التي يشتركان فيها في طقوس تعاطي المخدرات وفي banter الناعم بينهما والموجودة حقيقة حيث إنه بعد عشر دقائق ينطلقان في الممر ويصلحان هنداميهما ويربتان على بعضهما البعض وعلى ظهريهما
        وفي هذه الأثناء وعلى ارتفاع مائة قدم فوق الرؤوس تحلق طائرات الهيلوكوبتر ويظهر أنهما جزء من العملية الدفينة لجورج بوش الذي ينزل في القصر القريب في أول زيارة له لأفغانستان وفي اللحظة نفسها نحن هنا في الزقاق في الجانب المظلم من الجزء القديم المدمّر من المدينة حيث بالإمكان تعاطي الأفيون والحشيش والمخدر البلوري مقابل بنسات قلية ما يكفي من الهيروين لتبقى متأثراً طوال اليوم
        ومنذ عدة أيام وكل من قابلت قد كان ثملاً أو متعاطياً لنوع من المخدرات ، لقد اعتدت الأمر : الصوت ارتيب الناعس والعيون الذابلة والاستجابات البطيئة المتعثرة لأسئلتي ويقف المدمنون في صف لمواجهة التحقيق.
         في البداية لم يكن حسين سوى شخص آخر وأعرف من خلال نجيب الله أنه في الواحدة والعشررين من العمر نشأ في إيران وقد عاد هو وأخوه إلى أفغانستان منذ سنة وعندئذ سألت ولماذا بدأ تعاطي الأفيون، فيقول إنه عاش قصة حب ويوضح نجيب الله أه أحب فتاة وبعد ذلك عندما فقد الفتاة وسألت: هل تركته الفتاة و..وبدلاً من انتظار الترجمة يكشف حسين ذراعه الذي يظهر وشماً يمثل صورة الفتاة ويقول نجيب الله هذه صورة الفتاة وتظهر الصورة مثل رسم طفل ويقول نجيب الله إن الكتابة تحت الصورة تقول : "نحن غرباء في أرض غريبة"، وسألت حسين عن اسم الفتاة فقال بهدوء "باري" وبعد لحظة يقول نجيب الله إنه فقد الفتاة قبل ست سنوات حين قامت بالانتحار..
فتساءلت قتلت نفسها؟
نعم قال ببساطة لم يجب والد الفتاة أن تتزوجني فقامت بالانتحار ولأنهما فصلاها عنّي ، انتحرت وبدأ هو في استخدام الهيروين. وقال رضا أخي حسين لقد كان عمرها أربعة عشر عاماً.
        وهنا بدأ جمهور من الناس يدخل الزقاق وقام الطبيب بإخراجنا من المكان..ويقول نجيب الله هذا استخدام الحرمان وفي هذا المجتمع الأبوي حيث تحافظ النساء على أنفسهن للزواج المرتب وغالباً ما يكون الحب الحقيقي محتقراً ولكنه ليس غريباً ويقول رضا إنه يريد ان يتوقف وكذلك أخوه ويقوم الطبيب بكتابة عنوان مستشفى الصحة العقلية حيث يعمل ويعطيها إليهما قائلاً : إن شاء الله فيما بعد ويسير كل منا في طريق.
        وكان وقت الصلاة وارتفع صوت المؤذن ونسير باتجاه الشاطئ وبعد التحرير عام 2001 رأيت النساء ينشرن غسيلهن الملون في الفرع الضحل من الماء ولكن الأمر لم يعد كما كان. وفوق الحمامات العامة مباشرة خارج المسجد يرمون الفضلات في الماء مباشرة ، ومع كل خطوة هناك أصوات تكسير الزجاج تحت الأقدام. ونحن نسير فوق آلاف الحقن وحقول ألغام المتناثرة في الطين بعضها ملقى علىى جانبها وبعضها مغروس في المخلفات مثل السهام.
        ويقول نجيب الله " ليس هذا من الأخلاق الحسنة ولكن هذا ما أتت به الحرية ، ففي ثقافتنا لم يكن مسموحاً باستخدام المخدرات في الشارع ولكن الآن يستطيعون فعل ذلك، يستطيعون أن يدخنوا وأن يشربوا: هذه حرية سلبية.
        وفي الثاني عشر من نوفمبر 2001م في اليوم الذي سقط فيه حكم طالبان اشتركت قافلة مع تحالف شمالي باكتساح الجنوب اتجاه كابل خلال هندوكوش المكسوة بالثلوج ووادي نانشير في موكت انتصار  مطلقة صرخة في العاصمة مع وجود أطفال يلعبون بطائرات ورقية ولحى تُحلق ودور سينيما يعاد فتحها وسوق مليء بالصحون الفضائية المصنوعة يدوياً، وبعد خمس سنوات من حكم متوحش نزلت عليهم الحرية من السماء مثل البرق وذابت طالبان في الصحراء مثل الأشباح
        ولكن لمن هذا النصر؟ فبعد أربع سنوات ونصف لا تزال أفغانستان إحدى أفقر الأماكن على الأرض: فخمية وسبعون بالمائة أميون ومعدل سنة سن الوفاة هو 42 والآن بدلاً من طالبان هناك دولة مخدرات تغذي الإدمان العالمي والعمليات الإنتحارية ومرض نقص المناعة (الإيدز) وفي واحدة من تجارة المخدرات  من السخريات المتوحشة للغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2001م فإن الأموال التي تأتي من تجارة المخدرات هي التي تموّل طالبات والمنظمات الإرهابية التي سعت العمليات العسكرية لتدميرها. وهذا هو العام الخامس من عملية "تحمل الحرية" وهذا ما تفعله أفغانستان.
        بعض البنات لا يخرجن من بيوتههن إلى المدارس خوفاً على حياتهن وازدحم البرلمان بقادة المجاهدين فالحرية في هذه الأجزاء تعني الحرية لزراعة الأفيون فأفغانستان تقدم 90% من الهريوين في العالم ويشكل الهيروين 50% من دخل الدولة، والأمر الذي لا مفر منه أيضاً أن المنتج أصبح مستهلِكا.
        واليوم انتشر في أفغانستان حوالي مليوم مستخدم للمخدرات منهم أربعون ألف مدمن في كابل وحدها، وبلغت نسبة الارتفاع مائة في المائة خلال العامين الماضيين وغالباً فإن معظم مستخدمي الحقن الوريدية يشتركون في استخدام الحق نفسها، وهناك برامج قليلة لإعادة التأهيل ونظراً لأن الإسلام يحرّم المخدرات فإن المدمنين عادة منبوذين ومهجورين من قبل أسرهم.
        ويبدو أن قرار رضا وحسين في الصباح التالي أن يتوقفا عن المخدرات قرار حقيقي وحوالي الساعة العاشرة استقلا حافلة صغيرة إلى مستشفى نجيب الله للالتحاق ببرنامج تشجيع التوقف وهي خدات يلتحق بها المشاركون فيها بالمستشفى عدة ساعات يومياً
        ويعدّ مستشفى الأمراض العقلية على طريق دار الأمان هو المستشفى الحكومي الوحيد لإعادة التأهيل في البلاد. فهناك مليوم مريض مقابل عشرين سريراً فقط ولا وجود للكهرباء أو الماء ويعالج في المستشفى المصابو بانفصام الشخصية والحشاشون فإن الأطباء النفسيون وعمال الخدمة الاجتماعية يتحركون بين مباني المستشفى
        ويقول نجيب الله لدي نكتة (طرفة) : في أحد الأيام يزور وزير الصحة أحد مستشفيات الأمراض العقلية ويرى رجلاً في باحة المستشفى ويسأله : من أنت؟ فيرد عليه أنا مريض هنا، ولكن من أنت؟ فيقول أنا وزير الصحة، فيقول له الرجل لا تهتم بالأمر لقد كانت لدي المشكلة نفسها عندما جئت إلى هنا ، سوف تتعافى خلال ستة أشهر.
ونجيب الله هو واحد من خمسين طبيب نفسي في أفغانستان ويتقاضى حوالي 25 جنيه استرليني شهرياً وهو الراتب نفسه الذي يتقاضاه الممرض والفراش. إن التنافس شديد على المال بين ضحايا حقول الألغام والطرق والمدارس والتطعيم ضد الأمراض والطعام. وهناك تأكيد على الطرق الأكثر حرصا على صرف الأموال للوقاية الأولية وللتعليم والإعلانات والمطويات لوقف الناس قبل ان يبدؤوا والنتيجة إذا كنت مدمنا وكان حظك السيء أن تعيش هنا فإن حظوظ سيئة.
        وخلال الأيام التالية يبدأ الأخويو بتغيير أسلوب استخدامهم ويتحولان من الحقن إلى التدخين وعندما قابلناهما في الكهف بعد يومين كانا قد ارتديا ملابس نظيفة وحلقا ذقنيهما كان رضا يظهر عادياً محترماً ويظهر ابتسامته كبيرة أما حين تبدو كشخص آخر صاحب مظهر قوي.
وأُدخل الأخوان في اليوم التالي للعلاج بمادة كيميائية ويتكون العنبر من غرفتين مصوغة جدرانهما بالأصفر وأرضيتهما بالإسمنت المسلح الرمادي وهناك عشرة أسرة مصنوعة من الحديد حيث يمر المدمنون بمراحل مختلفة من الإنسحاب ويشع نجيب الله حسين ورضا في غرفتين منفصلتين حتى لا يقومات بالتآمر في الليل ويتسلقا الجدار ولكن يأأتي اليوم التالي وهما لا يزالان في مكانيهم يحتلان سريريو في غرفة واحدة وفي ذراع كل واحد منهما يتدلى أنبوب المحلول المعلق في حامل صدئ.
وبعد أسابيع من زيارة بوش يعثر الإخوان على حبوب منومّة فيتعاطيان جرعة كبيرة تؤدي بهما إلى المستشفى ليعمل لهما غسيل معدة ثم يعودان إلى حجرة العلاج بالديفوكس ولكنهما يصران أن لا عودة للمخدرات والحقن وأن قرارهما لا عودة فيه أبدا.
        

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق