الأحد، 8 مايو، 2016

(الكرتون ) الغازي!!

(*)
        سررت كثيراً باللقاء الذي أجرته صحيفة (المدينة المنورة) مع صاحب أول شركة إنتاج أفلام كرتون إسلامية الأستاذ أسامة أحمد خليفة في عددها الصادر يوم 2 جمادى الآخرة 1414هـ الذي أوضح فيه سبب اهتمامه بهذا المجال؛ وهو أن أفلام الرسوم المتحركة التي تعرض على أطفالنا في العالم الإسلامي اليوم هي في غالبيتها العظمى من إنتاج الولايات المتحدة واليابان وأوروبا، وأن هذه الأفلام في معظمها غير مناسب لبيئتنا وثقافتنا لإسلامية، بل هي في بعض الأحيان تعتبر معاول هدم للقيم والأخلاق.
        ويضيف الأستاذ أسامة وتلافياً لهذه المفاسد العقدية والأخلاقية قامت شركة عربية إسلامية بتأسيس أول استوديو لإنتاج أفلام الكرتون إسلامية في العالم. وتناول الأستاذ أسامة بعض الصعوبات التي واجهها لتأسيس هذه الشركة والتكاليف الباهظة لإنتاج الأفلام. وضرب المثال بما عرضته بعض الشركات العالمية من أسعار لتأجير استديوهاتها لإنتاج الأفلام كما أشار الأستاذ أسامة إلى الصعوبة في الحصول على النصوص التي يمكن تحويلها إلى أفلام الرسوم المتحركة.
        إن قضية برامج الأطفال من القضايا الخطيرة جداً التي يجب أن يلتفت إليها الكتاب والمفكرون ويجب أن تأخذ حيزاً أكبر من اهتماماتنا. وهذا ما أكده الدكتور تركي العيار في مقالته التي نشرت في جريدة الشرق الأوسط (عدد 5465 بعنوان (الهيمنة الثقافية)،ومما جاء في المقال قول الكاتب: "إن أخطر مظاهر الهيمنة الثقافية هو ما يكون موجهاً للأطفال سواء عن طريق أفلام الرسوم المتحركة مثل توم وجيري وباباي وبنك بانثر..الخ أو عن طريق المجلات الهزلية (Comics) مثل ميكي ماوس وسوبرمان والوطواط .." وأوضح الدكتور العيار أن خطورة هذه الأفلام والمجلات تكمن في أن الأطفال في هذه السن لا يملكون القدرة على التمييز بين الحقائق الواقعية والخيال، ولا يدركون الأهداف والمقاصد التي تحملها هذه البرامج والمجلات. أما النتائج فهي أن ينشأ جيل كامل شديد الإعجاب الثقافات والحضارات الوافدة، فيضعف انتماؤه لمجتمعه ويكثر انتقاده وتذمره من القيم الثقافية المحلية.
        وقدم الكاتب بعض الأسباب التي تجعل العالم الإسلامي يخضع لهذا الغزو الكرتوني فمنها ارتفاع تكلفة إنتاج هذه الأفلام وعدم إدراك دول العالم النامي (المتخلف) مما جعل الدول الغازية تقوم بتقديم هذه الأفلام بالمال أو بأسعار مخفضة حتى تقتل الجهود لإنتاج أفلام أو مجلات محلية. ومن الأسباب أيضاً ندرة الكتاب ومخرجي قصص الأطفال. وقد أشار الأستاذ أسٍامة إلى بعض هذه المعوقات حيث طلبت شركة ديزني أربعين مليون دولا أجرة لاستديوهاتها لإنتاج فليم مدته خمسة وستون دقيقة.
        ولا بد أن نذكر ما قاله الأستاذ العيار حول هذا الغزو ومن الأساليب التي تلجأ إليها الدول الغربية لترسيخ قيمها ومبادئها في العقول الطرية لأطفال المجتمعات غير الصناعية هي إصدار مجلات هزلية تحمل نفس أسماء أبطال أفلام الكرتون مثل توم وجيري وبنك بانثر وغيرها، فالطفل عندما يشاهد هذه الأفلام في التلفزيون ثم يقرأ عنها في المجلات الهزلية فقد ترسخ لديه المشاهد والقصص ولا يستبعد أن تترك أثرها عليه في هذه المرحلة الهامة من حياته في تنشئته وتعلمه وسلوكه.
        وناقش العيار الزعم بأن مشاهدة هذه الأفلام والمجلات يساعد على التبادل الثقافي بأن هذه أكذوبة كبرى، فهل يشاهد أطفال المجتمعات الغربية الصناعية فيلماً واحداً من الدول النامية؟ والتبادل الثقافي لا بد أن يكون من الطرفين. وختم الأستاذ العيار مقالته بهذه المناشدة المخلصة:" إنني أجدها فرصة في هذا المقام لأنبه لمخاطر الهيمنة الثقافية آملاً في ننهض جميعاً من غفوتنا وقبل فوات الأوان لنوحد جهودنا لمواجهتها وبطرق مدروسة ومنظمة فالهوة المفتوحة كبيرة، ويجب أن أذكر البعض بأن انبهارهم وإعجابهم بالدول الغربية يجب أن لا ينسيهم دورهم الحقيقي في المحافظة على أنفسهم ومجتمعهم."
        فهل أدركنا بعد هذا خطورة أفلام الأطفال ومنطق الغزاة في إغراق أسواقنا وتلفزيوناتنا بأفلام الأطفال ليمنعونا من التقدم في هذا المجلة الحيوي.
        فتحية للأٍستاذ أسامة خليفة، ولكل من ساعده في هذا المشروع الحيوي الخطير، وشكراً للدكتور تركي العيّار فقد جاء مقاله دقيقاً وموضوعياً ويحمل دعوة صادقة لمواجهة هذا الغزو الخطير، وعلينا كأفراد أن نحرص على حماية أطفالنا من أفلام الكرتون الأجنبية وأن نسعى لدى المسؤولين عن اختيار البرامج أن يخففوا من الأفلام التي تحمل القيم والعقائد الغربية عنّا.




*  نشرت هذه المقالة في صحيفة المدينة المنورة بتاريخ 6 جمادى الآخرة 1414هـ (9/11/1993م)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق