الأربعاء، 4 مايو، 2016

في رثاء الشيخ محمود شاكر رحمه الله: يُنزع العلم انتزاعاً


                 

        قبل مدة توفي الشيخ عبد الحميد كشك رحمه
الله فكان الذي نقل خبر وفاته وكالة الأنباء الفرنسية بعد وفاته بأيام ، ومنها تناقلت الصحف المحلية عندنا هذا الخبر. تعجبت أين وكالات الأنباء العربية الكثيرة فكل بلد عربي له وكالة أنباء وله مراسلون صحافيون وإذاعيون وتلفازيون؟ والشيخ كشك  لم يكن بالعالم العادي فقد كان رحمه الله صاحب تأثير كبير جداً بل إننا نستطيع أن نقول إن خطب  الشيخ عبد الحميد كشك قد دخلت كل بيت . وقد كانت أشرطته تباع في كل مكان حتى إن محلات بيع أشرطة الأغاني أخذت تبيع أشرطة الشيخ كشك.
      ذكرت هذا لأنني قبل يومين قرأت خبر وفاة الشيخ محمود شاكر ( أبو فهر) رحمه الله تعالى من خلال خبر نشرته وكالة أنباء رويتر البريطانية. فإذا كان الشيخ كشك عالماً شرعياً وخطيباً ذا أسلوب مميز في الخطابة تميز بالهجوم والانتقاد مما جعله يمنع من الخطابة وقد يكون مبرراً في عدم الاهتمام بخبر وفاته حتى اهتمت به ابتداءً وكالة الأنباء الفرنسية فلماذا لم تهتم وكالة الأنباء العربية الإسلامية بخبر وفاة هذا العالِم الذي لم يمنع من الكتابة ولم يكن له موقف سياسي؟
          والشيخ محمود شاكر عالم كبير جاهد بقوة في الدفاع عن الإسلام وعن اللغة العربية . فقد كانت معاركه كما قال هو نفسه في ميدان من " أخطر ميادين هذا الصراع ، وهو ميدان "الثقافة " و"الأدب" و" الفكر" جميعاً". وأوضح أن سبب خطورة هذا الصراع أن " الذين تولوا كبر هذا الصراع، والذين ورثوهم من خلفهم، إنما هم رجال منّا، من بني جلدتنا، من أنفسنا، ينطقون بلساننا، وينظرون بأعيننا، ويسيرون بيننا آمنين، بميثاق الأخوة في الأرض، أو في الدين أو في اللغة، أو في الجنس." وقد قال رحمه الله عن موقفه من هذه الهجمة على الإسلام واللغة العربية والثقافة الإسلامية بأنها صراع بين حضارتين ( هل أخذ برنارد لويس أو صموئيل هاتنقتون هذه الفكرة من شيخنا رحمه الله؟) فقد قال رحمه الله: "وأشرت في مواضع كثيرة إلى أن هذا الصراع صراع بين حضارتين مختلفتين في جذورهما أشد اختلاف: حضارة طال عليها الزمن فغفت غفوة آمن مستريح لا يفزّعه شيء، وحضارة واتاها الزمن فهبت يقظة متلفتة جريئة، لا تأمن أحداً ولا تطمئن إليه …" أليس هذا هو موقف الغرب من الإسلام وهو ما قاله نيكسون في آخر كتاباته (ما وراء السلام) وما قاله هاتنقتون في كتابه (صدام الحضارات(  
    أما رسالة محمود شاكر التي أمضى تسعين عاماً تقريباً وهو يبذل لها كل ما يملك من جهد وطاقة في حمـل مسؤوليتها، فكأني به كما قال الصديق رضي الله عنه (الله الله أن يؤتى الإسلام وأنا حي) فقد جعل نفسه مسؤولاً عن الدفاع عن الإسلام وأمة الإسلام. وهذا ما قاله الشيخ رحمه الله: " فصار حقاً علي واجباً أن لا أتلجلج ، أو أحجم ، أو أجمجم، أو أداري، ما دمت قد نصبت نفسي للدفاع عن أمتي ما استطعت إلى ذلك سبيلا."

وتعددت ميادين نشاطات الشيخ محمود شاكر فهو في مقدمة كتابه عن المتنبي جعل المقدمة بعنوان رسالة في الطريق إلى ثقافتنا  تناول فيها الاستشراق وإفساد الذائقة الأدبية وتناول أهداف هذا الاستشراق فقد أطلق على المستشرقين (حملة هموم الشمال المسيحي). ومن عجيب أن لا تتواصل البحوث الأكاديمية للقضايا التي أثارها الشيخ محمود شاكر في هذا الكتاب مع أنها تحتاج إلى عشرات الرسائل العلمية وتحتاج إلى كثير من الكتابات لتوضيحها. ومن تلك القضايا على سبيل المثال  الصلة العجيـبة بين المستشـارين الغربيين ومحمد علي باشا (الكبير) وكيف أنهم كانوا يزينون له كثيراً من الأعمال ومن ذلك الابتعاث إلى الدول الغربية وبخاصة فرنسا وجعل المبتعثين تحت إشراف مسؤول فرنسي اسمه جونار. وقد مضت أكثر من مئتي سنة وما زالت البعثات تذهب إلى هناك ويتلقف المبتعثين عشرات الجونارات وإن لم يكونوا يمارسون عمل الإشراف الذي كان يقوم به جونار فقد تولى المهمة المشرفون على الرسائل العلمية الذين يستطيعون أن يكسبوا محبة تلاميذهم مما  يخالف مسألة الولاء والبراء فيقع الطلاب في كثير من الأخطاء الفكرية والعقدية بسبب الإعجاب الذي قد يصل إلى درجة كبيرة من المحبة.
       ومن القضايا التي أثارها محمود شاكر رحمه الله في كتابه هذا ما فعله محمد علي للحد أو للقضاء على تأثير العلماء في المجتمع المصري وأصبح دور العلماء يكاد يكون هامشياً في معظم البلاد العربية الإسلامية .
        رحم الله الشيخ محمود شاكر (أبو فهر) فليس المقام مقام إطالة في الحديث عن مزاياه فسوف يتحدث عنه من عرفوه معرفة شخصية، ولكنني تتلمذت على عدد من كتبه ووجدته صاحب أسلوب عال في الكتابة يشعرك بعظمة هذه اللغة ومقدار اعتزازه رحمه الله بها. كما يكتب بالروح الإسلامية المليئة إيماناً بهذا الدين العظيم وأن البشرية بحاجة ماسة إلى هذا الدين.
       رحم الله الشيخ محمود شاكر رحمة واسعة وتقبله في الصالحين من عباده و إنّا لله و إنّا إليه راجعون.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق