الجمعة، 20 مايو، 2016

الرحلة إلى أكسفورد (2) حلم تحقق رغم أنف المثبطين والمحبطين



      هذا الحلم تم إجهاضه مرتين الأولى على يد الدكتور عبد الله الرحيلي عميد المعهد العالي للدعوة الإسلامية، والدكتور (معالي) عبد الله التركي مدير الجامعة حينذاك (عام 1409هـ)، والثانية على يد الدكتور محمد سالم بن شديّد العوفي عميد الكلية فيما بعد. أما في المرة الأولى فقد عانى المعهد العالي للدعوة الإسلامية من استبداد ودكتاتورية عميده عبد الله الرحيلي الذي كان حبيباً للدكتور عبد الله التركي، ومن عيوب بعض المسؤولين لدينا أنهم يعطون شخصاً ثقة لا يستحقها أو إنهم يرون فيه صفات تعجبهم أو إنهم يحققون لهم أغراضا معينة أو ربما لتشابه بينهما في أسلوب الإدارة والعمل. ومن العجيب أن التركي كان يستطيع تجاوز النظام حيث عين الدكتور عبد الله الرحيلي عميداً للمعهد حتى قبل أن يحصل على الدكتوراه ثم لمّا حصل عليها مدد له، ثم جدد له التمديد حتى إذا فاحت رائحة الظلم وكثرت الشكاوى منه وبخاصة شكوى الشيخ أبو زيد القارئ الحافظ في المدينة المنورة، والقضية التي وقفت فيها في وجه عبد الله الرحيلي ولم أغادر المعهد كما شاء وكما كان يستطيع أن يفرض على من يخالفوه أو من لا يحبهم أو من لم يدخلوا مزاجه. هنا اضطر التركي أن يستغني عن الرحيلي ولكنه كلف بالإدارة تلميذاَ للرحيلي ومريداً له هو مصطفى حلبي، فكان الحُكْمُ اسماً لمصطفى وفعلاً لعبد الله الرحيلي، أو ربما هكذا كان المفروض ليرى الناس أن الجامعة لا تقبل الظلم والواقع غير ذلك.
      وقصة السفر إلى أكسفورد أنني عرفت عن منحة يقدمها مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية تسمى المنحة الزائرة لمن يريد أن يقوم ببحث يستغرق سنة كاملة أو أقل ويقبلون بثلاثة أشهر ويعطى الباحث ألفي جنيه استرليني فقط ومكتب في المركز للقيام بالبحث. وكنت وقتها شرعت في بحث الدكتوراه حول برنارد لويس فتقدمت بذلك الموضوع كما أشفعت بالطلب بعض إنجازاتي العلمية التي تشجعهم على قبولي باحثاً زائراً أو زميلاً زائراً، وتم اختصار قائمة المرشحين إلى عدد محدد ثم وقع الاختيار علي كأحد الباحثين (اثنين). وكنت وقتها قد انتقلت إلى الرياض نقلاً تعسفياً أو نقلاً ظالماً أو نقلاً اعتباطياً، أو نقلاً إسكاتياً فالمؤسسات العلمية عندنا وغير العلمية لا تطيق أن يكون فيها معارض لرئيسه. وهذا ما قاله لي رئيس قسم التاريخ بالجامعة الإسلامية حينما رغبت الانتقال إليهم :عليك أن تطيع رئيسك حتى لو طلب منك أن تعمل أي شيء. وفي أثناء وجودي في الرياض تقدمت إلى التركي أرغب في موافقته على سفري إلى أكسفورد، فلم يرد –وهي طريقة معروفة في تجاهل الموظف حتى يسكت أو يفهم أن طلبه غير مقبول، ولحرصي الشديد على الإفادة من المنحة كنت مستعداً أن أطلب إجازة بدون راتب ثلاثة أشهر أو أربعة شريطة أن أجد من ينفق على أولادي بنصف الراتب الذي لم يتجاوز السبعة آلاف. وبدأت مسلسل البحث عن ممول لهذه الرحلة العلمية البحثية. فذهبت إلى الندوة العالمية للشباب الإسلامي وقابلت بعض المسؤولين فلم يكن لديهم المال لمثل هذا النشاط. تقول الجامعة الموقرة: ولماذا تذهب إلى أكسفورد؟ عليك بالقرار في مكانك. وما بقي إلاّ أن يذكرني بالآية الكريمة (وقرن في بيوتكن) فعلى المحاضر أو المعيد القرار في جامعته وهو ما أسمتيه ذات مرة معاطن الإبل (يدرس الواحد المرحلة الجامعية والماجستير ويدرس الدكتوراه ويدرّس في الجامعة نفسها ثم يموت في تلك الجامعة أو يتقاعد ويموت أو يكون ميتاً فيموت).
     ومن الندوة العالمية للشباب الإسلامي توجهت إلى مؤسسة إقرأ التي يطلق عليها (خيرية) وقابلني سكرتير الدكتور محمد عبده يماني رئيسها، وبعد محاولات مستميتة أن أقنعه بأهمية الذهاب إلى أكسفورد فلم يستجب وحتى لم يسمح لي بمقابلة الرئيس المبجل ثم قال لي يمكن أن نعطيك توصية بالتوقيع الجليل للرئيس إلى مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، فقلت له مشكور مشكور أما التوصية فلا حاجة إليها لأني أعرف كيف أصل إلى مركز الملك فيصل ولو كان عندهم ميزانية لمثل هذا الأمر لما ترددوا في مساعدتي. فعدت أجر أذيال الخييبة (ما أصل هذا المثل) فأنا كنت أجر الخيبة كلها، والخيبة لمن لم يفهموا ومنعوني من الذهاب. ولكني أتذكر عبارة لأبي رحمه الله أن الأوان لم يحن لذهابي إلى أكسفورد وكما كان يضيف: (إذا آن الأوان شفي المبتلى) رحمه الله رحمة واسعة. وقد علمت فيما بعد أن عبد الله التركي رشح واحداً من طرفه للبحث في موضوع له علاقة بالمياه في الجزيرة العربية ولا علاقة له من قريب أو بعيد بالدراسات الإسلامية.
      أما الفرصة الثانية فكانت بعد سنتين وبعد أن عدت إلى المدينة المنورة من الرياض بعد أداء المحكومية أو العقوبة وهي قضاء سنة كاملة في الرياض مشرداً، وبعد أن جمعني لقاء بوكيل الجامعة وصديق عبد الله الرحيلي صالح سعود آل علي قال لي فيه الآن تعود إلى المدينة المنورة وقد تأدبت، وسكت ولكن في لقاء الحوار الوطني الثاني قلت له يا دكتور يوماً ما قلت لي إنني أمضيت سنة في الرياض فتأدبت ولم أرد عليك بأنني مؤدب قبل أن ألتحق بجامعتكم، وما كان يليق بمسؤول مثلك أن يقول مثل هذا الكلام فهذه زلة لسان خطيرة، وعلى من يتولى مثل مركزك أن يعرف كيف يخاطب الناس، والعجيب أنه أنكر بشدة وكأن المنصب يعمي ويصم وينسي. وظننت أن الأمور قد تحسنت وأنني عندما عدت إلى المدينة ووقعت تعهداً أن أكون ملتزماً بالآداب والأخلاق وطاعة الرؤساء، وجاءت الفرصة للتقدم لبرنامج الزمالة الزائرة في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، وفعلاً تم قبولي بعد أن أكد علي مدير المركز على أن أحصل على إذن الجامعة، وبالفعل كتبت إلى عميد الكلية (تحول المعهد إلى كلية) الدكتور محمد سالم بن شديّد العوفي (لماذا حفظت اسمه كاملاً، وأقول أحياناً نحفظ الأشياء التي لا نحب أو نحفظها لأننا نحبها كثيراً) وكتب لي على الخطاب نفسه وبخط مائل أو على سطر مائل نحن بحاجتك للتدريس ويمكن النظر في القادم، ونسي أن يقول العام القادم أو الأعوام القادمة. ولم أذهب وإنما كلّفت بتدريس اللغة الإنجليزية. وضاعت الفرصة ثانية.
     أما هذه المرة فقد سبق أن تقدمت لمنحة المجلس الثقافي البريطاني للحصول على منحة ما بعد الدكتوراه لأجراء بحث حول جهود الحكومة البريطانية في دعم دراسات الشرق الأوسط، وحصلت بسبب هذا الموضوع على دعوة من جامعة إكستر ولكني لم أستطع إنجاز البحث في حينها لأسباب كثيرة أنني أردت أن أستجم وقتاً طويلاً فقد قضيت كثيراً من عمري في العمل والبحث. والثاني أني وصلت إلى الجامعة في آخر شهر أبريل عام 2007 وكان الطلاب يستعدون للامتحانات، وثالثاً على الرغم من ترحيبهم المبدئي لكن كان هناك اختلافات واضحة بيننا تمنع الانسجام. وتقدمت قبل أشهر إلى جامعة الملك سعود بترشيح نفسي لهذه المنحة وسارت الإجراءات من عميد الكلية إلى وكيل الجامعة إلى مدير الجامعة فوزير التعليم العالي وقبلت في هذه المنحة. وراسلت عدة جامعات منها جامعة إكستر وبخاصة البروفيسور تيم نبلاك المتخصص في دراسات العالم العربي وبخاصة السعودية والخليج Tim Niblock وتلكأ في الإجابة أو تأخر ربما لقناعته بأن في الوقت سعة، وكاتبت معهد المكتوم للدراسات الإسلامية بمدينة دندي باسكتلندا ولكنهم ردوا في البداية بالترحيب ثم تأخروا في تعبئة النماذج التي بعثها المجلس البريطاني، وكتبت إلى مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية فكانت استجابتهم رائعة وسريعة وإيجابية. فاتكلت على الله وقلت الخيرة فيما اختاره الله، فقد اختار الله لي أن أعيش في أكسفورد وفي ربوع جامعة من أعرق الجامعات في العالم، وبعد عشرين سنة تقريباً من الموقف السيئ لكل من الرحيلي والعوفي. وقد بدأت منذ وصولي في الاطلاع على المادة العلمية الخاصة بالبحث وكانت شهران من أجمل ما قضيت خارج المملكة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق