الأربعاء، 9 مارس 2016

الذين صنعوا ويصنعون صورتنا في الغرب - أعلام الاستشراق


لا يختلف الاستشراق عن غيره من المجالات المعرفية أو العلوم أو المعارف أو الفنون أو الظواهر، سمّه ما شئت. فقد قام الاستشراق على أكتاف عدد كبير من العلماء البارزين النابهين من مختلف الدول الأوروبية وأمريكا. وفي هذه المقالة أقدم نبذة عن الصفات المشتركة بين هؤلاء الأعلام.
وأول هذه الصفات اتساع العلم والمعرفة بموضوع بحثهم (العلوم العربية الإسلامية) فلا تكاد تجد علماً من أعلام الاستشراق إلّا ويُبهرك عمق معرفته بتخصصه سواء كان في علوم القرآن الكريم أو الحديث أو التفسير أو اللغة والأدب والتاريخ وغيره من المعارف والعلوم. ويظهر اتساع المعرفة من خلال القراءات الواسعة في مجال تخصصه بالإضافة إلى إتقان العديد من اللغات التي يتكلم بها المسلمون ابتداءً بالعربية والتركية والفارسية والأوردية، وأحياناً تتسع معارف المستشرق لمعرفة اللغات القديمة التي اندثرت ولم يعد يتحدث بها عدد كبير من الناس كالحميرية والسريانية وغيرهما.
ومن ملامح اتساع معرفة المستشرق الرحلات العلمية وزيارة البلاد التي يدرسها والدراسة في كبريات المعاهد العلمية الإسلامية، فكم من مستشرق جلس في حلقات العلم في الأزهر الشريف أو الزيتونة أو القرويين أو غيرها، بل قام عدد منهم بالتظاهر بالإسلام حتى يستطيع دخول مكة المكرمّة والمدينة المنورة للكتابة عن هاتين المدينتين التي حرص المستشرقون على معرفتهما من الداخل.
وأعلام المستشرقين لم يتوانوا عن خدمة بلادهم وبخاصة في مرحلة الاستعمار، ولو أن هذه الخدمة مستمرة فلو كنت في واشنطن لرأيتهم يسيرون في شوارعها متجهين إلى مكاتب البيت الأبيض لتقديم شهاداتهم وإلقاء المحاضرات بالإضافة إلى البحوث والتقارير التي يكتبونها بناء على طلب من تلك الجهات.
أما خدمة الاستعمار فيكفينا أن نضرب المثال بعدد منهم ومن أبرزهم المستشرق الفرنسي سيلفستر دو ساسي (1785-1838) الملقب بـ " شيخ المستشرقين الفرنسيين" والتي جعل من فرنسا في زمنه (كعبة الاستشراق الأوروبي) والذي تتلمذ على يديه عدد كبير من أعلام الاستشراق الأوروبي، وهذا المستشرق خدم بلاده أيما خدمة حيث تعاون مع الحكومة الفرنسية، عندما قامت باحتلال الجزائر فقام بترجمة البيانات التي أصدرتها للعربية.  كما أن دراسته للدروز قُدمت لنابليون للاستعانة بها حين كان ينوي أن يستعين بهؤلاء حين كان يحاصر مدينة عكّا، كما أن ماسنيون (1883 – 1962) الذي عمل مستشاراً لوزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون شمال أفريقيا، ومما كتبه الأستاذ أنس حسن أن ماسنيون "خدم في الجيش الفرنسي خمس سنوات خلال الحرب العالمية الأولى. وحينما نشبت الحرب العالمية الثانية عاد فوضع نفسه تحت تصرف الجيش الفرنسي، وخَدَم في الأركان العامة برتبة رئيس كتيبة العاملين في قسم ما وراء البحار، ثم معاوناً لجيرودو وزير الإعلام"
وليس هذا فحسب فعندما كانت الجزائر محتلة من قبل فرنسا وظهرت الحركة الإصلاحية في الجزائر بزعامة الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله، وكان قد أصدر العديد من الصحف والمجلات كان المستشرقون وعلى رأسهم ماسنيون يقومون بترجمة هذه المجلات للإدارة الاستعمارية في فرنسا.
ومن أبرز المستشرقين الذين خدموا الاستعمار الهولندي سنوك هورخرونيه الذي ولد في 8فبراير، 1857 درس اللاهوت ثم بدأ دراسة العربية والإسلام على يد المستشرق دي خويه. ودرس كذلك على يد مستشرقين آخرين منهم المستشرق الألماني نولدكه. كانت رسالته للدكتوراه حول الحج إلى مكة المكرمة عام 1880. عمل مدرساً في معهد تكوين الموظفين في الهند الشرقية (إندونيسيا) أعلن إسلامه وتسمى باسم عبد الغفار وسافر إلى مكة المكرمة وأمضى فيها ستة أشهر ونصف. تعرف خلال هذه الفترة على عدد من الشخصيات في مكة وبخاصة الذين تعود أصولهم إلى الجزر الاندونيسية. جمع مادة كتابه عن مكة المكرمة. (للدكتور قاسم السامرائي قراءات واسعة فيما كُشف من وثائقه وأسراره، ويكاد يشكك في إسلامه.
انتقل إلى العمل في اندونيسيا لخدمة الاستعمار الهولندي حيث عمل مستشاراً لإدارة المستعمرات في عام 1891. يعد سنوك نموذجاً للمستشرق الذي خدم الاستعمار خدمات كبيرة وسخّر علمه لهذا الغرض.
وأختم هذا التعريف بالأعلام عموماً بأن الحكومة البريطانية أطلقت البث باللغة العربية في الثالث من يناير/ كانون ثاني عام 1938 وأما مجلة "المستمع العربي" فبدأ صدورها عام 1940 م وكانت نصف شهرية وكان من أبرز كتابها عدد من المستشرقين من أمثال آربري وبرنارد لويس وغيرهما. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق