الأربعاء، 9 مارس 2016

أحمد محمد باشميل مناضل الأمس والنسيان


                                                               
يروي لنا التاريخ أن المسلمين عاشوا أكثر من ألف سنة لا تطغى قومية على قومية أخرى، ولا شعب على شعب رغم انتقال الحكم من بلد إلى آخر طيلة هذا الزمن الطويل، لكنه بدأت تظهر منذ قرنين من الزمان تقريباً دعوات إلى الاعتزاز بالقوميات المحلية. ولعل أقوى دعوة وأكثرها تنظيماً تلك التي ظهرت بين العرب. ولم تكن تلك الدعوة مرتجلة بل خطط لها تخطيطاً دقيقاً واستخدمت في إشاعتها وتطويرها جهود علمية وفكرية وتربوية؛ أنشئت المدارس والمعاهد والجامعات، وألفت الكتب وأصدرت الصحف والمجلات وألقيت الخطب تدعو العرب إلى الاعتزاز بقوميتهم وبرسالتهم الخالدة. وأسست لذلك الجمعيات السرية والعلنية. وتجدر الإشارة إلى أن الجهود لم تكن كلها عربية صرفه بل شارك فيها المنصِّرون والمستعمرون والمستشرقون لأهداف ليست خافية.
استمرت الدعوة القومية يدعوا إليها أفراد وجماعات حتى تسلم الراية زعيم عربي في أكبر قطر عربي. وكان هذا الزعيم يمتلك ناصية الخطابة التي تؤثر في العوام أساسا الذين ينطبق عليهم القول المنسوب لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه " الغوغاء يتبعون وراء كل ناعق ". ولكن دعوة القومية بما كانت تقدمة من مغريات مادية ومناصب ومجد (زائف) قد جذبت إليها عدداً كبيراً من حملة الأقلام والمفكرين (!) وأساتذة الجامعات.
وكان من أسلحة القومية هذه سلاح الإرهاب والتشهير؛ فمن لم يكن قومياً فهو رجعي عميل للاستعمار والصهيونية والإمبريالية، وسودت صحائف أعماله بما تملك القومية من أبواق وأجهزة دعاية ضخمة جداً وإذاعة تصل إلى جميع أركان العالم العربي.
كانت موجة عاتية تلك الدعوة إلى القومية، وكانت أشبه بسحابة كثيفة حجبت النور عن أعين الأمة أمداً طويلاً، ولم ينج منها إلا من رحم الله.
وكان الأستاذ الشيخ أحمد محمد باشميل أحد ألئك الذين منّ الله عليهم بالبصر والبصيرة حيث نجا من سيطرة هذه الدعوة الخبيثة. ولكنه لم يرض أن يكون سلبياً في وجه هذا التيار الجارف؛ بل وقف يناضل ويكافح بالكلمة الصادقة الأمينة وكان صاحب طاقة جبارة من العمل المثمر : ألف الكتب وكتب المقالات الصحافية ، وألقى الأحاديث الإذاعية.
ومن أبرز كتبه في هذا المجال:" صراع مع الباطل " و " القومية في نظر الإسلام " و "لهيب الصراحة يحرق المغالطات". كما قدم سلسلة معارك الإسلام الفاصلة ابتداء من غزوة بدر حتى حروب الردة. وهو في هذه السلسة يرد على دعاة القومية واليسر العربي الذين حاولوا طمس التاريخ الإسلامي وربطوا أنفسهم بكاسترو وأمثاله.
لقد وقف الأستاذ الشيخ أحمد محمد باشميل بشجاعة وبسالة وتضحية في وجه طاغوت الدعوة القومية. ولسنا نعيد إلى الأذهان تاريخ هذه المعارك للتسلية وإنما لشحذ الهمم ودفع العزائم للعمل ضد هذه الدعوات المشبوهة .
ونحن نتذكر جهاد باشميل ونضاله نود التنبيه إلى أن دعاة القومية ما زالوا يعيشون بيننا وقد غيروا جلودهم عشرات المرات ، فهم في الوقت الحاضر يظهرون بصورة الدعوة إلى الحداثة في الأدب والفكر والداعين إلى الوحدة العربية وإلى العلمانية . كما ظهر هؤلاء في صورة علماء اجتماع ومؤرخين وباحثين وصحافيين وغير ذلك .
فهم باشميل ـ أمد الله في عمره ـ الدوافع العميقة من وراء دعاة القومية فكان مما قاله في ذلك : "ومنذ أصيب الشرق بحمى هذا المذهب الجديد الذي باعثه الأصلي الحصول على المجد الشخصي ، مهما كان الثمن ، والكسب السياسي مهما كانت الوسائل ـ منذ ذلك الوقت والعالم العربي يترنح تحت ضربات الشك والريبة ، ويتلوى من ألم لكمات الحيرة والارتباك" . (ص7) .
أما دعاة القومية ومحاربة الإسلام فقد وصفهم باشميل وصفاً دقيقاً حيث يقول : "وأعظم أسباب ذلك ظن هو رجالات هذا المذهب المصابين بداء الزعامة ومرض السيطرة وقد اصطنعوا نكرات من الرجال ما كانت لتعرف في عالم الفكر والسياسة لأدب بل والدين" .
وما أشبه الليلة بالبارحة فكما يحتل دعاة الحداثة منابر القول والرأي في عصرنا الحاضر كان ذلك هو ديدن دعاة القومية سابقاً فلا فهم إلا فهمهم ولا معرفة إلا لديهم . وهذا ما قاله باشميل : "وهذا سر ما تراه من انتشار الإرهاب الفكري الذي (عن طريقه) يحاولون مصادرة الناس في أفهامهم . وتأميم أفكارهم ، حيث صار المقرر لديهم أن كل فهم للقضايا العربية الإسلامية يجب أن لايخرج عن حدود فهمهم وإلا فهو فهم فاسد أملاه الاستعمار ، وأوحت به الانهزامية والرجعية ، حتى ولو كان في أعلى مراتب الوجاهة والاستقامة . (ص8) .
واصل العلمانيون المعاصرون خط (القومية ) بجد واجتهاد وغيروا صيغة الخطاب لكنهم لم يخرجوا عن الخط الأصل ، فكما اتهم أسلافهم الدعوة الإسلامية بالرجعية والعمالة فقد فعل ذلك فؤاد زكريا وغيره من أقطاب العلمانية ، وهم في هذا يستدرون عطف الجماهير حين يشكون من أن الحكومات الحالية تتعاطف مع الحركة الإسلامية وتخطب ودها حين يرون بعض الحكومات تمارس بعض المظاهر الإسلامية فيأخذون بالعويل والصياح أنهم مظلومون مضطهدون .
أما باشميل فقد واجه زعم القوميين بعمالة الحركة الإسلامية لدول الغرب بقوله : "هل صحيح أن أمريكا وبريطانيا بلغتا إلى هذه الدرجة من الإيمان بالدعوة الإسلامية والتصديق بأن نجاح هذه الدعوة إنما يعني بقاء مصالح هاتين الدولتين وحمايتها في الشرق الإسلامي ؟؟؟ …. .
هل صحيح (كما يزعم هؤلاء المرجفون) أن أمريكا وبريطانيا تسهران على بعث الحركات الإسلامية وتقويتها وتموين الذين يدعون إلى الوحدة الإسلامية (في ظل القرآن) بالإسترليني والدولار؟؟ ويأتي الرد من باشميل نفسه حين يقول :"الحق ، والحق يقال ، إن الذين يذيعون وينشرون مثل هذا الكلام السخيف هم أول الناس علماً بكذب ما يذيعون ، وأكثر الناس تأكيداً من اختلاق ما ينشرون، بل إنهم  أكثر الناس تيقناً بأن تأييد الحركات الإسلامية هو آخر ما يمكن أن تفكر فيه هاتان الدولتان الاستعماريتان (أمريكا وبريطانيا) .
ونستمر مع رؤية باشميل التي تستحق أن يكتب فيها أطروحات جامعية وتنشر على عامة الأمة الإسلامية لترى الحقيقة صريحة جلية . ويرد باشميل التهمة إلى الذين يستحقونها فيقول :" لأن هؤلاء الذين يختلقون مثل هذا الكلام هم من أردى الناس بحقيقة هاتين الدولتين من الإسلام ، لأنهم أيتام بريطانيا ورضعاء ألبان أمريكا الحقيقيين ، ربتهما هاتان الدولتان في حجريهما وأشرفت على تربيتهم فكرياً وأخلاقياً وعقائدياً ، وغذاهم مادياً سنين طويلة ، استطاعوا أثناءها أن يبنوا دوراً للنشر كبيرة ما كانوا ليبنوها لولا سخاء استعلامات هاتين الدولتين التي كانت تصرف عليهم وعلى صحفهم بسخاء متناه . إن هؤلاء الكتاب المتمسحين بالعروبة لولا الظروف الثورية التي أرغمتهم على التظاهر بمعاداة هاتين (الدولتين الاستعماريتين ) لظلوا كما كانوا خدماً لهما وسعاة لاستعلاماتهما ".
ولعل من الأدلة على هذا الكلام أن معظم ـ إن لم يكن الكل ـ من توجه إليه الدعوة للمحاضرة في الجامعات الامريكية أو البريطانية لا بد أن يكون من أصحاب الاتجاه القومي العلماني أو اليساري ، بل من الطريف أن بعض اليساريين العرب أو المسلمين تخرجوا من الجامعات الغربية .
إن كتاب باشميل هذا بل جميع كتبه تستحق القراءة الواعية المتأنية كما تستحق إعادة نشرها مع تحديث ما فيها من معلومات وإضافة نتائج البحوث الجامعية الجادة .
أما باشميل نفسه ـ أمد الله في عمره ووهبه الصحة ـ فأعجب كيف غفلة عنه الجامعات فلم تستقطبه أستاذاً في أعلى مراتب الأساتذية ليحاضر ويحث ويوجه ، وليقدم عصارة خبرته وينشر الوعي الصحيح .
ولعل صحة الأستاذ الشيخ باشميل لا تسمح له الآن بالمحاضرة والتدريس فهل يمكن حثه على كتابة مذكراته ، أليس من أصحاب دور النشر من يعرف قدر الأستاذ باشميل ؟! .
إننا إن قصرنا في الاهتمام بأمثال الشيخ الأستاذ فأخشى أن نكون أصبنا في عظيم ألا وهو خلق الوفاء. وهنا لا بد أن أقدم الشكر للأخ الدكتور محمد يعقوب تركستاني المشرف على هذا الملحق لاهتمامه بتكريم الرجال الذين خدموا هذه الأمة عقيدة وفكراً وتاريخاً وحضارة .

(اللهم إني قد بلغت.. اللهم فاشهد).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق