الأحد، 6 مارس 2016

لماذا لا نحتفي بعقلائهم كما يحتفون بمجاذيبنا؟!


(المدينة المنورة) العدد (8114) السبت 16محرم 1415هـ الموافق 25 يونيه 1994م
        عندما أحست الأمة الإسلامية أنها بحاجة إلى التعلم من الغرب ابتعثت مجموعة من أبنائها للدراسة في الغرب في شتى مجالات المعرفة، وكان الابتعاث في البداية ضرورياً لكنه تحول فيما بعد إلى صورة من صور الوجاهة والفخر، ولعله لا يزال حتى الآن حيث تختلف النظرة إلى الشهادة من الجامعات الغربية.
        واستغل الغرب هذه الحاجة فأخضع أبناءنا المبتعثين في دراسة نفسية واجتماعية حتى يستخلص عدداً منهم لنفسه ليكونوا شوكة في ظهر الأمة الإسلامية، فأصبح هؤلاء المبتعثون كارثة على أمتهم بدلاً من أن يعودوا بالعلم النافع لتنهض أمتهم تعلموا أن يحتقروا تاريخ أمتهم الإسلامية وعقيدتها وقيمها ، وفي المقابل امتلأوا حباً وإعجاباً بكل ما هو غربي، ومن ذلك أن كتب رفعت رفاعة الطهطاوي يمتدح الحرية في فرنسا ، وليس الحرية السياسية فقط بل حتى الحرية الاجتماعية أو قل الانفلات الاجتماعي فامتدح اختلاط الرجال بالنساء وامتدح الرقص وغير ذلك من المظاهر الاجتماعية.
        ولم يتوقف الأمر عند هذا بل استمر مسلسل ظهور الكتاب والمفكرين في الأمة الإسلامية الذين سخروا أقلامهم ومناصبهم لمحاربة الإسلام والمسلمين، وساعد الغرب الصليبي أنه كان يحتل معظم البلاد الإسلامية فمكّن لكل ذي فكر منحرف بتقليدهم المناصب العليا والتوجيه الفكري والتربوي في البلاد الإسلامية ومن ذلك أنهم أطلقوا على هؤلاء المنحرفين لقب "النخبة" أو الصفوة" (Elite)، وما هم بنخبة ولا صفوة، بل زادوا على ذلك فخلعوا عليهم ألقاب التعظيم والتشريف؛ فهذا عميد الأدب العربي، وهذا أستاذ الجيل وهذا يعطى جائزة نوبل وذلك يمنح من الجوائز والألقاب ما لا يمكن لكاتب أصيل أن يناله.
        ويقول في ذلك الدكتور سيد رزق الطويل " اهتدى الغرب إلى حيلة جديدة في سيناريو العداء للإسلام ظنها ذات أثر حاسم في وقف الزحف الإسلامي على القلوب المتفتحة لنوره في الغرب وهي اتخاذ صنائع لهم من رجال الشرق من بين الأسماء ذات الدلالة الإسلامية، فإذا ما شرع هؤلاء أقلامهم بالنيل من الإسلام ورموزه بادر أطراف المؤامرة بامتداحهم، وامتداح إنتاجهم وترويجه والدعاية له ظناً منهم أن ذلك يكون أنكى في الإيذاء وأوقع في النيل من الإسلام وأشفى لصدورهم".
أما نحن المسلمين فعلينا أن نعرف المارقين منا ونضرب على أيديهم فنحن أولى بتربية مجاذيبنا ومعاقبتهم بالطريقة التي نراها مناسبة، ولكن في الوقت نفسه علينا أن نبحث في الغرب عن العقلاء الذين أدركوا خبث وسائل الغرب في حرب الأمم الأخرى ولا يتوقع المسلمين أن يكيلوا للغرب بمكياله عملاً بقوله تعالى (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) ولكننا نسير وفقاً للآية الكريمة (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)
        فالغرب بما يتيحه لكتابه من حرية فكرية يساعد على ظهور منتقدين لفكره وفلسفاته ووسائل إعلامه وهؤلاء ليسوا قلة ولكن أصواتهم تكاد تضيع في وسط موجة العداء الطاغية ضد الإسلام والمسلمين أو النزعة الاستعلائية النظرية الانتصارية أو ما يمسى النزعة الظافرية (Triumphalism ) ومن عقلاء الغرب الذين أود التنبيه إليهم في هذه المقالة روبرت فيسك مراسل صحيفة الإندبندنت The Independent فقد كتب خلدون الشمعة مقالة في الشرق الأوسط يوم 12 /5/1994م أوضح فيها أن انتقاد فيسك للإعلام الغربي يشير تحديداً إلى خطورة سلوك هذا الإعلام من حيث مبالغته في تفضيل نظام القيم الذي يعتمده وتبخيس نظام القيم الذي يعتمده الآخر ، وأن اغرب الذي ينتصر لكل ما يفعله بلا نقاش ينظر إلى قيم العالم الثالث وعاداته بلا استثناء بقدر كبير من الازدراء.
وأورد خلدون الشمعة مثالاً آخر هو الأديب الروسي سولجنستين الذي هاجر إلى الولايات المتحدة فهذا الأديب شن حملة شعواء على تلك النزعة الظافرية التي تسيطر على الصحافة الأمريكية التي وصفها بأنها مفعمة بالصلافة والرغبة في المعاكسة وتحمل النقد تماماً كما هو الشأن في روسيان وقد انتقد الأديب الروسي ظاهرة صعود فلاديمير جيرنوفسكي وأن الإعلام الغربي اهتم بجانب واحد من هذه الظاهرة وهي ما يطلق عليه العداء للسامية أي اليهود وسكت سكوتاً مطبقاً عن عدائه للعرب والمسلمين.
إننا بحاجة للبحث عن أمثلة هؤلاء من عقلاء الغرب فنساعد في ترويج أفكارهم وندعمهم بطريقة ذكية لا تثير الغرب ضدهم، لا بد أن نستخدم السلاح الذي يستخدمون مع العلم أن غايتنا شريفة وكذلك وسائلنا. العقلاء في الغرب ليسوا قلة ولكنهم معزولون ومحاربون فهل من مستجيب.

ملحوظة: كتبت هذه المقالة قبل أعوام طويلة ولكن كان لدي الوقت لبحثت في أسماء جديدة من عقلاء الغرب وناديت بتقديم الدعم لهم والعناية بهم ودعم نشر أفكارهم في الغرب قبل أن ننشرها عندنا.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق