الأربعاء، 9 مارس، 2016

من ومتى بدأ نقد الاستشراق؟


       ما زال نقد الاستشراق من الموضوعات المثيرة للجدل. ومن الكتابات الأخيرة التي اطلعت عليها في هذا المجال ما كتبته موريس أبو ناضر في جريدة (الحياة (العدد رقم 11501 الصادر يوم 14 آب (أغسطس) 1994م. واستعرض مجموعة من الآراء التي تناقلت الاستشراق إما بالدفاع عنه كفرع معرفي غير خاضع للإيديولوجيات أو السياسة أو الدين أو باعتباره فرعا معرفيا غارقا في الأيديولوجية والالتزام بالنظرة الأوربية الاستعلائية أو بالعقيدة النصرانية. وذكر أبو ناضر مجموعة من الباحثين والعلماء المسلمين وغير المسلمين الذين تناولوا الاستشراق بالنقد أو الدفاع. ومن هؤلاء محمد البهي وأنور عبد الملك وإدوارد سعيد وهشام جعيط وبرنارد لويس والآن روسييون وغيرهم.
          وكان عرض أبو ناضر جيدا لو لا أن المساحة المتاحة وطبيعة الموضوع اضطرتاه إلى اختزال كثير من الأفكار والمرور ببعض مقولات المستشرقين مرور الكرام، وكذلك إهمال جانب مهم من النقد الموجه للاستشراق، وهو الأثر الحقيقي الذي نجح الاستشراق في تحقيقه في فكر بعض أبناء المسلمين الذين تمثلوا مقولات المستشرقين وآراءهم وأصبحوا يدافعون عنها كأنها من بنات أفكارهم، وأنها الحق الذي لا يمكن التسامح مع رأي آخر مضاد له، بل كان تشجيع الاستشراق لبعض تلاميذهم سببا في أن سار هؤلاء التلاميذ خطوات أبعد في الجرأة على مسلمات الأمة الإسلامية وثوابتها. ولعل من وسائل التشجيع هذه: نشر أفكار التلاميذ وإعطاؤهم مناصب مهمة في مراكز البحوث وأقسام الدراسات الإسلامية في الجامعات الغربية
          وأحب أن أتوقف قليلا عند بعض المقولات التي أوردها أبو ناضر نقلا عن برنارد لويس الذي زعم أن نقد الاستشراق بدأ بعد الحرب العالمية الثانية. وأن هذا النقد ارتبط بظهور الطبعة الثانية من دائرة المعارف الإسلامية على لسان شخص يدعى "إمام المسلمين" الألمان للباكستان الغربية، لكن ضجة هذا الهجوم لم تدم طويلا، ولم تحدث صدى واسعا في بقية الأجزاء الأخرى في العلم الإسلامي.
          كتب برنارد لويس هذه العبارة الغامضة في مقالته التي كان يرد فيها على كتاب إدوارد سعيد - بعد أربعة أعوام على صدور الكتاب - وتلاحظ هنا محاولة لويس التقليل من شأن هذا العالم المسلم الباكستاني، وزيادة في الاحتقار ربط قوميته بالألمان ولعله قصد أنه مثقف باللغة الألمانية، فهل كان لثقافته الألمانية أثر في النقد، ثم أن ترك اسمه مجهولا وكذلك ما قاله إنما يقصد منه التقليل من شأنه وشأن نقد الاستشراق. كما أن لويس يريد أن يوحي بأن المسلمين ناموا منذ العام 1945 حتى 1978م حين صدر كتاب إدوارد سعيد.
          والحقيقة أن نقد الاستشراق بدأ قبل الحرب العالمية الثانية في صحافة الحركات الإسلامية وفي كتابات زعماء الإصلاح. وتناولت هذه الصحافة كثيرا من مفتريات المستشرقين وآرائهم وبخاصة أن التعاون كان وثيقا بين الاستشراق والاستعمار وكان التمييز بين المستشرق والمستعمر أمرا صعبا. ومن الأمثلة على هذا النقد والمواجهة: أرادت السلطات الاستعمارية في الجزائر إصدار مجلة عدلية للأحكام الشرعية وأوكلت هذا الأمر لأستاذ القانون الشريعة في جامعة الجزائر (موران) للإشراف على ذلك، فما كان من العلماء المسلمين إلا التصدي لهذه المجلة حتى صرفت السلطات الاستعمارية النظر عنها.
          وإذا أردنا حقا معرفة بداية الاستشراق فعلينا الرجوع إلى رسالة الدكتوراه التي تقدم بها أحمد سمايلوفتش بعنوان: "فلسفة الاستشراق وأثرها في الأدب العربي المعاصر" عام 1974 ورجع فيها إلى كثير من المراجع التي تؤكد أن نقد الاستشراق لم يبدأ من العالم الباكستاني الذي أغفل لويس اسمه عمدا بل قبل ذلك بكثير. فهذا حسين الهراوي يصدر كتابه "المستشرقون والإسلام" عام 1936 وأصدر محمد فريد وجدي كتابه "نقد كتاب الشعر الجاهلي" عام 1926، ولا بد من الرجوع إلى الدوريات العربية - وان كانت قليلة - فنجدها تناولت الاستشراق ومنها ما كتبه أحمد أمين في مجلة  "الرسالة" عن دائرة المعارف الإسلامية في طبعتها الأولى عام 1933، وكتب علي العناني مقالة بعنوان "المستشرقون والآداب العربية" في مجلة "الهلال" عام 1932م، وكتب كوركيس عواد أربع مقالات عام 1945م ينتقد دائرة المعارف الإسلامية، وكتب محمد روحي فيصل ينتقد أغراض الاستشراق في مجلة "الرسالة" عام 1935م.
          ولئن كان لويس حدد بداية نقد الاستشراق بطريقته الساخرة والبعيدة عن المنهج العلمي، فإن أبو ناضر على رغم اهتمامه الواضح بالاستشراق ومعرفته العميقة به لم يكن مصيبا عندما قال إن كتاب إدوارد سعيد "الاستشراق" وهو أول كتاب تحليلي نقدي، وربما الوحيد حتى الآن في مجال الدراسات الاستشراقية، لأن ما سواه من الكتب ليست سوى مؤلفات وصفية تعريفية أو معجمية. وذكر من هذه الكتب ما وضعه ميشال جحا ونجيب العقيقي وعبد الرحمن بدوي. وأغفل أبو ناضر بهذا التعميم الجارف كثيرا من الكتابات التحليلية النقدية في أنحاء العالم الإسلامي، وقد يكون له عذره بسبب ضعف التبادل الثقافي بين أنحاء العالم الإسلامي وإن كان مثل هذا العذر لا يقبل من الباحثين المتخصصين.
بدايات نقدية للاستشراق في الهند وباكستان وتركيا وغيرها....
          بدأت أولى الكتابات التحليلية النقدية لكتابات المستشرقين في شبه القارة الهندية حيث كان الاحتكاك حكرا بالثقافة الغربية، ومن أبرز العلماء الهنود الشيخ رحمة الله الكيرانوي الذي ناظر القسيس فندر، وكذلك شبلي النعماني والشيخ أبو الأعلى المودودي، وأبو الحسن الندوي وغيرهم، كما وضع علماء أتراك كتابات تحليلية نقدية للاستشراق، وكذلك ظهرت كتابات تحليلية نقدية باللغة الإنكليزية ومن ذلك ما كتبه الدكتور عبد اللطيف طيباوي في مقالته: المستشرقون الناطقون باللغة الإنكليزية، اللتين نشرتهما جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بترجمة الدكتور قاسم السامرائي.
          وإنني أعجب كيف غاب عن الدكتور أبو ناضر قيام جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بإنشاء قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة قبل أكثر من عشرة أعوام، وفي هذا القسم أنجزت العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه. وهي دراسات تحليلية نقدية لكتابات المستشرقين، وقد أصدر القسم أيضا العدد الأول من كتابه الدوري "دراسات حضارية واستشرافية" ومجموعة من الدراسات التحليلية والنقدية.
          ولا بد أن أذكر هنا أن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ومكتب التربية العربي لدول الخليج تعاونا على إصدار كتاب في جزأين بعنوان "مناهج المستشرقين في الدراسات العربية والإسلامية" عام 1985م (1405هـ). ورعى مجمع المصنفين في الهند ندوة علمية عن الإسلام والاستشراق عام 1984م والقائمة تطول، لكن المجال ليس مناسبا لتعداد هذه الكتابات التي على رغم أهميتها يبقى كتاب إدوارد سعيد "الاستشراق" علامة بارزة في الكتابات النقدية للاستشراق.   
          وإن كان من الأمور الصعبة الحديث عن النفس إلا أنها الحقيقة العلمية التي ينبغي ذكرها وهي أن قسم الاستشراق في كلية الدعوة منح أول درجة دكتوراه لكاتب هذه السطور وكان البحث " دراسة تحليلية نقدية لكتابات المستشرق برنارد لويس في دراسة الجوانب الفكرية في التاريخ الإسلاميوكشفت هذه الدراسة التحليلية النقدية المغالطة الكبرى التي يصر عليها لويس - وأوردها أبو ناضر من دون مناقشة - وهي أن ((رجال الاستشراق الحقيقيين هم في معظمهم أساتذة جامعات مستقلون عن المؤسسات الإمبراطورية الكبرى من كهنوتية أو تجارية، وانتقدوها بقوة في بعض الأحيان لأن هاجسهم الاستشراقي كان وما زال قائما على التبحر  التحليلي والنقدي والرغبة في المعرفة والفهم..، فلويس بدأ حياته الاستشراقية الحقيقية في أحضان الحكومة البريطانية حيث أعيرت خدماته من الجيش حيث كان يؤدي الخدمة العسكرية إلى وزارة الخارجية، وبعد سنوات من نهاية الحرب وبالذات في العام 1954م طلبت وزارة الخارجية البريطانية من لويس القيام بجولة لزيارة أكثر من عشرين جامعة أمريكية والحديث للإذاعة والتلفاز الأمريكي. ولئن كانت تقارير مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية لم تحدد طبيعة هذه الجولة، فإنها لا يمكن أن تخرج عن الترويج لموقف الحكومة البريطانية السياسي من الأحداث في العالم العربي الإسلامي وبخاصة قضية فلسطين، وكانت الخارجية تريد لموقفها أن يتم الترويج له بصورة علمية أكاديمية.
          واستمر لويس في ارتباطه السياسي والصهيوني بالتحديد وبخاصة عندما قدم استشارة للجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي مرات عدة ومنها محاضرة في تلك اللجنة في 8 آذار (مارس) 1974م. ونظرا إلى اعتزاز إسرائيل بهذه الشهادة قامت بنشرها بعد شهر أو أقل من ذلك حيث صدرت في نشرة خاصة صادرة عن وزارة الخارجية الإسرائيلية في نيسان (إبريل) 1974م.       
          وليس لويس بدعا من المستشرقين فإن كثيرا من هؤلاء ما زال يقدم الاستشارات لحكومته (شهادات المتخصصين في شؤون العالم الإسلامي حول الأصولية في حزيران وتموز وآب 1985م للكونغرس الأمريكي). كما يقوم هؤلاء بالترويج لموقف حكوماتهم من خلال وسائل الإعلام المختلفة.
          وأخيرا أذكر كلمة موجزة بخصوص فهم الذات والآخر، فإن أبرز ما يميز الإسلام عن غيره من الأديان أنه ليس معقدا بحيث يصعب على من لا ينتمي إليه أن يفهمه لو أراد حقا أن يفهم، وليس المسلم الذي يحجر على الآخرين دراسة الإسلام والكتابة عنه ما داموا يحترمون مقدساته ويدركون مسلماته، ولكن عندما يفشل الغربيون في فهم الإسلام لا بد من البحث الدقيق في خلفياتهم الثقافية والعقدية لمعرفة أسباب الفشل.
          وفي رأيي المتواضع ليست المسألة مسألة رفض الآخرين أو قبولهم ليدرسوا الإسلام عقيدة وشريعة وتاريخيا وحضارة فهذا من حق أي إنسان ويجب أن نشجع أي محاولة جادة لفهم الإسلام مع التسليم للأمة التي يراد دراستها بثوابتها وما تعتقده يقينا واحترام خصوصياتها والابتعاد عن الإسقاطات والاستعلاء والإسفاف.
               


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق