الثلاثاء، 29 مارس، 2016

جئناهم بالحجاب والحياء


        وقف مسؤول ياباني كبير قبل مدّة يعلن اعتذار بلاده عمّا ارتكبته في حق بعض شعوب دول جنوب شرق آسيا، وعندما فكّرت أن هذه لفتة حضارية إنسانية ولكني تراجعت بعد قليل لأتساءل ولماذا ارتكاب تلك الجرائم في المقام الأول؟ وما ذا يفيد الاعتذار منها؟ هل يعيد الشرف إلى من دُنّس شرفها، وهل يعيد العفة إلى من فقدت عفّتها؟ وهل يعيد للأيتام آباءهم أو للأرامل أزواجهن أو للثكالى أبناءهن؟ هل يعيد المشردين إلى ديارهم؟
        وتساءلت لو قُدّر للعالم العربي الإسلامي أن يطالب الدول الغربية التي احتلت دياره وقتلت شيوخه ونساءه وأطفاله، ونهبت ثرواته وخيرات وأفسدت عقول بعض أبنائه، لو قُدّر للعالم الإسلامي هذه الدول الاعتذار فما يُجدي الاعتذار؟ وهل يعترف الغرب بهذه الذنوب؟
        لا يُنكر الغرب أن حركته الاستعمارية كان هدفها الأساس البحث عن الثروات الطبيعية لتشغيل مصانعه وجعل بلادنا أسواقا لمنتجاته حيث يتدخل في تغيير طبيعة الحياة الاجتماعية لتصبح عالة على منتوجاته وغلّف الغرب هذه الحملة الاستعمارية الإمبريالية بمزاعم متنوعة منها تحضير الشعوب وتعليمها والارتقاء بمستواها الحضاري. وشاركت الجمعيات التنصيرية ومجلس الكنائس العالمي في هذه الحملات الاستعمارية فكان المنصّرون أحياناً هم الرواد للحملات الاستعمارية
        لقد حقّق الغرب نجاحاً ضخماً في تحقيق أهدافه الاستعمارية فقد نهب الثروات الطبيعية مقابل بعض الهبات والقروض والهدايا، وظلت مصانعه تدور بما يصلها من هذه الثروات والطاقة، ونجح في التأثير في الحياة الاجتماعية فتغيرّت الأنماط الاجتماعية وأصبحت دول العالم العربي الإسلامي عالة على المنتوجات الغربية وعلى الرغم من مضي عشرات السنين فما زلنا نقدم المواد الخام بأرخص الأسعار ويعيدون إلينا الآلات والأدوات ومنتجات مصانعهم بأغلى الأسعار.
        ولو اقتصر الأمر على الجانب المادي لهان الخطب، ولكن هذه الدول ما أن احتلت جيوشها ديارنا العربية الإسلامية حتى بدأت حرباً لا هوادة فيها للتعليم الإسلامي فسيطرت على الأوقاف التي كانت الممول للتعليم واستولت على المساجد فهدمت البعض وحوّلت البعض إلى كنائس أو مستودعات أو مخازن سوى ذلك.
        أما زعمهم بأنهم جاءوا لتحضير هذه الشعوب فإنها أكذوبة كبرى حيث فتحوا مدارسهم لعدد محدود جداً من أبناء البلاد المستعمَرَة وأخضعوا هؤلاء لغسيل دماغ أفقدهم هويتهم وارتباطهم بأبناء بلدهم وتاريخها وعقيدتها حتى بلغ بأحد أن ينكر وجود هُوُيّة عربية إسلامي ذلك أنه كان يتعلم في المدارس الفرنسية (نحن الغاليّون والغاليّون أجدادي)
        وكان من جهودهم الحثيثة لتحضير الشعوب العربية الإسلامية في زعمهم أنهم تدخلوا في المناهج الدراسية فأضعفوا دراسة اللغة العربية والدين الإسلامي وقسّموا التعليم إلى تعليم علماني وآخر ديني. وزيادة على ذلك استخدموا الفنون المسرحية والسينمائية لإخراج المجتمعات العربية الإسلامية من عقيدتها وأخلاقها. ولم يكتف الاحتلال الأوروبي بكل هذا بل إنهم فرضوا على البلاد التي احتلوها أن تسمح بالبغاء "الرسمي" وقد صحب نابليون معه عدداً من البغايا كما يروي ذلك الجبرتي. وفي إحدى الدول العربية فرضت السلطات الاستعمارية فتح ناد ليلي دون رضى الحاكم المسلم فما كان منه إلّا أن بعث بعض أعوانه فافتعلوا مشاجرة حطّموا أثاث النادي مما حدا بتلك السلطات تغيير خطتها أو تأجيلها.
        والآن حين ينتقل مجموعة من المسلمين (صاروا ملايين) للعيش في أوروبا ليس حبّاً في هجر بلادهم ولكن لأن الاحتلال وما تلاه أخلّ بأوضاع هذه البلاد أو أن آباءهم أو أجداد هؤلاء جاءوا إلى أوروبا مكرهين لخدمتها في أثناء الحربين الأوروبيتين (العالميتين) وقرروا أن يتمسكوا بهويتهم ومن مظاهرها الحجاب أقام بعض المسؤولين الفرنسيين –وبخاصة فرنسا- الدنيا ولم يقعدوها وأعلنوا أن المسلمين "جاءوا إلى بلادنا بوصفهم مستعمرين، إنهم يفرضون الحجاب في المدارس وهذا الاعتداء لا يمكن التسامح معه" (جان كلود بارو عن عاصم حمدان، المسلمون العدد 405)
        وأخيراً نتساءل هل استعمارنا خير أم استعمارهم؟ استعمار يأتي بالعري والفجور أو استعمار يأتي بالحشمة والعفاف والأدب؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق