الاثنين، 7 مارس 2016

نشرة معهد الشرق الأوسط بواشنطن عام 1992

        بين يدي نشرة معهد الشرق الأوسط بالعاصمة الأمريكية لشهر يوليو 1992، وهي مكونة من ست عشرة صفحة وتحمل موضوعات متنوعة، ولكني توقفت عند أحدها وهو: ((الحركات الإسلامية، دراسة مسحية إقليمية)) وقد قام بهذه الدراسة كل من كريستينا بالمر (Kristina palmer) وسائرز رودي (Sayers Rudy) من قسم برنامج معهد الشرق الأوسط من خلال إجراء لقاءات مع مسئولية حكومية، وعلماء وأكاديميين وصحافيين وحتى من عامة الناس في باريس والجزائر وعمان والقاهرة والخرطوم، والضفة الغربية. وقد تلقى الباحثان دعما سخيا من كل من مؤسسة جون د. وكاترين ما كارثر (John D. and Catherine T. Mac Arthur) وكذل من صندوق المساعدات الخارجية الأمريكي. هذا وسوف تذاع هذه المقابلات في أربعة حفلات من خلال برامج الإذاعية القومية العامة في أواخر هذا الصيف.
        تركزت الأسئلة في المقابلات حول أصول الحركة الإسلامية وأهدافها وتأثيرها والعلاقات المختلفة بين الإسلام السياسي والأنظمة القائمة وقد توصل الباحثان إلى نتائج مهمة حول الحركة الإسلامية منها:
        أولا: لا تبدو الحركة الإسلامية قومية بين الفقراء فقط. كما هو الشائع في الغرب حاليا. بل تضم في صفوفها تجارا أثرياء وسياسيين أيضا.
        ثانيا: الحركة الإسلامية حركة انتقادية حديثة ولا تحمل أية صفات موروثة سواء عسكرية أو رجعية أو صفات من زمن القرون الوسطى (الأوربية طبعا)
        ثالثا: ظهرت الحركة الإسلامية أساسا كرد فعل للإخفاقات الاقتصادية والسياسية لدى الأنظمة العربية المتسلطة وكذلك ضد الأيديولوجيات الأجنبية من مثل القومية والاشتراكية. وليست الحركة الإسلامية مجرد رد فعل محصور بالإمبريالية والصراع العربي الإسرائيلي.
        رابعا: إن ((الصحوة الإسلامية)) التي يعبر عنها بقرار شخصي يجب عدم النظر إليها على أنها إشارة إلى التزام سياسي نشط.
        وأخيراً وليس آخراً -كما يقول التقرير - إن البرامج السياسية الإسلامية التي تؤكد على المشاركة الحياتية، وكذلك النظرات للدولة المثالية ربما لا تكون ساذجة ومخيفة للمرأة، ولكنها تستحق الراسية في عالم يبدو أنه يعاني من متاعب أيديولوجية وتسط سياسي وفقر.
        هذه أبرز نتائج هذه الدراسة الاستطلاعية التي سيستمع إليها الجمهور الأمريكي في أواخر هذا الصيف وربما تناقلتها وسائل الإعلام الغربية لتبرز منها ما تشاء وتخفي ما تشاء كما ستفعل الأمر نفسه وسائل إعلام الدول المعنية: العربية الإسلامية.
        ولا بد لنا من وقفات مع هذا التقرير الذي يؤكد حرص الغرب على وهو في هذا السعي لا ينجل بالأموال والجهود. وسيصل بلا شك إلى المعرفة التي قد يصل من خلالها إلى حقيقة الحركات الإسلامية وبالتالي يستطيع وضع الخطط اللازمة للتعامل مع هذه الحركات. وأعود هنا فأكرر دعوة سابقة. فلا يصح أن نظل في جهل أو شبه جهل بالعالم من حولنا، وأين المؤسسات التجارية لتبذل مما أعطاها الله.
        جميل أن يكون من استنتاجات الدراسة إدراك الغرب أن دعوة الله تنتشر -والحمد لله - بين صفوف الفقراء والأغنياء على السواء حيث كانت الدراسات الغربية سابقا تشير إلى أن الحركات الإسلامية تنشره بين صفوف الفقراء والمعدمين، وترى تلك الدراسات السابقة أن إيقاف المد الإسلامي لا يحتاج إلا إلى تشجيع برامج المعونات الغذائية أو توجيه الحكومات المالية لتطعيم الأفواه الجائعة. وكأن هذا الدين جاء للفقراء وحدهم أو لإنقاذ الفقراء كما كان يتصور الياروني. قبل سقوطهم الأخير. والإسلام جاء حقا لإنقاذ الفقراء بإصلاح الأغنياء وتربيتهم وتهذيب نفوسهم وإعادتهم إلى إنسانيتهم التي أفقدهم إياها طغيان المال، ومع ذلك يجب ألّا ننسى أن من أوائل من أسلم رجال كان لديهم الثروة والمال والجاه، وهكذا فالحركة الإسلامية إنما هي هداية من الله يختار لها من يشاء.
        وجميل أن يكون من نتائج الدراسة أن الصحوة الإسلامية التزام شخصي أولا وليست بالضرورة انخراط في عمل سياسي نشط. وأوضحت الدراسة أيضا أن الصحوة الإسلامية تشمل الحياة بجوانبها كلها وبخاصة أنها ظهرت في عالم أصبحت أيديولوجياته بالية مهترئة، ويعج بالتسلط السياسي والفقر.
        وهكذا جاؤوا إلى بلادنا العربية المسلمة ليدرسوا همومنا وتطلعاتها، وليقدموا النتائج لأبناء بلدهم، ويبذلون المال والنفس من أجل المعرفة، والمعرفة قوة. فهل درسنا أنفسنا أولا دراسة من يريد الإصلاح والتغيير ثم انطلقنا إلى العالم جميعه ندرسه فالغرب مثلا برغم ما يزعمه بعض الكتاب بأنه  ((مجتمع مدني)) مفتوح ما تزال فيه كثير من الجوانب التي تحتاج إلى الدراسة ولا بد أن نفيد من أبنائنا الذين يدرسون في الغرب أو يعملون فيه أو الذين هاجروا إليه طلبا للرزق والطمأنينة فهؤلاء يمكنهم أن يقدموا لأمتهم الإسلامية معرفة دقيقة وعميقة بجوانب المجتمعات الغربية وبخاصة إذ ما كان لدى هؤلاء المعايير الصحيحة التي ينظرون بها إلى الأمور.
إن هذا الدور الذي يقوم به الغرب حاليا من دراسة أحوال الشعوب والحكم عليها سلبا أو إيجابا بقدر بعدها أو قربها من القيم والمفاهيم الغربية في السياسة والاقتصاد والاجتماع، هذا الدور قد اختار له ربنا عز وجل أمة أخرى هي أمة الإسلام حين كلفهم بقوله {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس}. فعودة إلى الإسلام تنقلنا من شعوب تخضعه لدراسات الباحثين الغربيين إلى دارسين للغرب والعالم وموجهين له ومصححين لمفاهيمه وقيمه {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق