الأحد، 14 فبراير 2016

ترجمات القرآن الكريم إلى اللغة الروسية الدكتور / عماد الدين حاتم جامعة آل البيت المملكة الأردنية الهاشمية

بسم الله الرحمن الرحيم

      اللغة الروسية واحدة من اللغات الواسعة الانتشار على مساحات كبرى من الكرة الأرضية، وهي ذات تراث أدبي وفكري أصيل ومرموق، وقد نقل إليها النتاج الفكري والأدبي من مختلف لغات العالم، ويعتز أهلها بأن لغتهم كانت ــ حتى أمد قريب ــ تحتل المرتبة الأولى ـ لا ينازعها في ذلك منازع ـ في أعداد ما ينشر بها من كتب.
      غير أن دور الطباعة والنشر الروسية أسقطت من حسابها ولفترة تستغرق العهد السوفييتي بطوله تقريباً، نشر القرآن الكريم على الرغم من ترجماته العديدة إلى الروسية، وفي الوقت نفسه فتحت المجال واسعاً أمام أعداد لا نهاية لها من الكتب والمنشورات التي وقفت من القرآن الكريم ومن الدين الإسلامي مواقف عدائية شديدة التحيّز انتهت إلى طمس الصورة الحقيقية للكتاب.
    ولسنا بصدد دراسة الأسباب التي أدت إلى ذلك كله، والتي يمكن أن نوجزها بالأيدلوجية الجديدة التي أخذ الفكر السوفييتي يطبقها في تفسيره للواقع وللتاريخ الإنساني، وعلى أساسها أعلن الحرب على الأديان وجعل ميدانها التعليم والفكر والتربية وأجهزة التثقيف والإعلام
     كان \"الإسلام والمسلمون\" لهم النصيب الأوفر من هذه الهجمات، فالحرب الفكرية ضد الدين الإسلامي تواكبت مع محاولات متشددة لمحو الذاكرة التاريخية للمسلمين، الذين حرموا من إعلان إسلامهم، وتفتيت الأواصر التي تربطهم بالشعوب الإسلامية الأخرى وبالعرب بوجه خاص
     وانتهى ذلك إلى نتيجة مزدوجة ، فقد تم التوصل إلى حجب الحقائق بأستار كثيفة من التحريف والتضليل ، لكن الرغبة الصادقة في رؤية الحقيقة زادت اشتعالاً في قلوب المسلمين وغيرهم من المتعطشين إلى المعرفة اليقينية، ولا نزال نذكر أيام دراستنا الجامعية واللهفة الصادقة التي كانت تُشفّ من توسّلات إخواننا الطلبة المسلمين أن نهبهم نسخ القرآن الكريم ولو باللغة العربية التي ما عادوا يعرفونها ولا يكتبون بحروفها، وقد تضاعفت هذه اللهفة الآن بعد تصدّع الأيديولوجيا السابقة وانهيار الاتحاد السوفييتي ، وانكشاف الكثير من الحقائق الفاجعة التي تم التستر عليها طويلاً والمتعلقة بوأد التاريخ الإسلامي في البلاد ، إذ صارت ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الروسية وقراءة الكتاب بلغته الأصلية مطلباً روحياً وفكرياً للملايين. والملايين التي نعنيها لا تنتهي عند حدود مسلمي الاتحاد السوفييتي السابق بل وتمتد لتشمل الروس والشعوب التي تتعلم الروسية، والتي تصل بعدد المنتفعين من هذا العمل الكبير إلى ما يزيد عن المليار عدداً
     تاريخ الترجمات الروسية لمعاني القرآن الكريم

      قد يبدوا غريباً بعد هذه المقدمة أن نقول إن القرآن الكريم قد ترجم إلى اللغة الروسية في الماضي، بل وتمت ترجمته ثماني مرات، وربما لا نجد لغة أجنبية تنافس الروسية في عدد ترجمات القرآن الكريم إليها\" إلا اللغة الألمانية\" و\"الإنجليزية\". وهذه الغزارة في الترجمة ترتبط بالتاريخ والجغرافيا الروسيين. فروسيا أكثر الدول الأوروبية التصاقاً بالأراضي الإسلامية التي تحدّها من الشرق والجنوب، وقد خضعت الأراضي الروسية لسيطرة الحكام المسلمين قروناً من الزمن، ومن الطبيعي أنها خاضت مع المسلمين علاقات طويلة من السلام والحرب على مدى قرون أيضاً وهو ما كان سبباً في اهتمام روسيا المبكر بدراسة الإسلام.
وتعود أول التصورات التي وصلت إلى الروس عن العالم الإسلامي إلى القرن العاشر الميلادي وذلك عبر المصادر البيزنطية التي قدمت مختلف اللوحات المضطربة عن ذلك العالم ثم ما لبثت أن حجبتها تصورات أكثر موضوعية عاد بها الرحالة والتجار والدبلوماسيون والحجاج الذين زاروا بلادنا وعادوا بشهادات وأوصاف ومعلومات أكثر موثوقية ودقة.
        ومن المعلوم أن حركة التحرر الروسية من حكم الإمبراطورية الذهبية الإسلامية قد تواكبت بحركة الوحدة القومية التي كانت سبب قوة الدولة وتوسعها نحو الشرق والجنوب الإسلاميين مما جعل الإمبراطورية الروسية تضم منذ القرن الخامس عشر قطاعاً واسعاً من الأراضي الإسلامية التي صار رعاياها يشكّلون نسبة كبيرة من سكان روسيا القيصرية التي سماها لينين في حينه بـ \"سجن الشعوب\". وهذا ما فرض التعرف على القرآن الكريم كضرورة من ضرورات التعامل مع هؤلاء الرعايا
      أخذت العلاقات مع الدول الإسلامية تزداد اتساعاً وعمقاً بعد خروج روسيا إلى مصاف الدول الأوروبية الكبرى بعد بطرس الأكبر، إلى أن كانت محاولات روسيا المساهمة في اقتسام تركة \"الرجل المريض\" إثر انهيار خلافة دولة بني عثمان ، وتم افتتاح المدارس الروسية في بلاد المسلمين ـ فلسطين وسوريا ولبنان ، وكانت هذه العلاقات المتطورة سبباً في زيادة الاهتمام بالإسلام والمسلمين وافتتاح أقسام للدراسات الشرقية والعربية بشكل خاص ، في الجامعات ثم القيام بترجمة القرآن الكريم ترجمات عديدة إلى الروسية
   ونقدم فيما يلي تعريفًا بالمراحل الأهم في تاريخ الدراسات الإسلامية في روسيا وترجمات معاني القرآن الكريم- بين القرنين 15ــ 17 الميلادي تمت محاولات لترجمة معاني القرآن إلى اللغة البيلاروسية من أجل التتار المسلمين الذين أخذوا ينسون لغتهم الأصلية ويكتسبون اللغة البيلاروسية. وتضم جامعة بطرسبرج مخطوطات للقرآن الكريم بالعربية وبالترجمة البيلاروسية المكتوبة بحروف عربية.



الترجمة الروسية الأولى
      أوعز بطرس الأكبر (حكم بين 1689 م– 1725م) بتأسيس مدرسة اللغات الشرقية. وفي عهده أنجزت أول ترجمة كاملة طبعت في بطرسبرج سنة 1716 م وقام بالترجمة العالم الروسي الكبير بيتر بوسنيكوف
الترجمة الروسية الثانية
     في العام نفسه (1716م) وبعد شهور قليلة من صدور ترجمة بوسنيكوف أنجزت ترجمة أخرى لمعاني القرآن الكريم لكنها لم تنشر وعثر على مخطوطة الترجمة في مستهل القرن العشرين.
ـ عام 1787م نشرت مطبعة أكاديمية العلوم ببطرسبرج النص العربي الكامل 
للقرآن، وقد فاقت جميع الطبعات العربية الأخرى دقةً وجودةً وجمال خط وأعيد طبعها سنوات 1789، 1790، 1793، 1796 و1798م. (صكت الحروف في بطرسبرج من أجل هذا الغرض بالذات)
     ـ سنة 1800م شرعت مطبعة قازان للكتب الإسلامية بطبع القرآن الكريم، وحتى سنة 1859 بلغ ما طبع من نسخ القرآن 82.300 نسخة واعتمدت في ذلك على النسخة السابقة التي بدؤوا بمحاكاتها في شبه جزيرة القرم وتركيا ومصر والهند

الترجمة الثالثة:
     ـ سنة 1790م صدرت الترجمة الروسية الثالثة للقرآن، وهي بقلم الأديب الروسي الكبير ميخائيل فيريوفكين (1732ــ 1795) وكان مديراً لمدارس قازان الابتدائية والمتوسطة، وأدخل في المدارس مادة تعليم اللغات الشرقية، وترجمة هي التي لفتت أنظار الأدباء الروس الكبار إلى الروعة البلاغية لهذا الأثر الروحي الكبير فكتب بوشكين قصيدته المشهورة \"محاكاة القرآن\" عالج فيها بطريقة شعرية نصوصاً من 23 آية قرآنية
الترجمة الرابعة: 
      سنة 1792م صدرت بالروسية وبمدينة بطرسبرج الترجمة الرابعة للقرآن الكريم وقد أنجزها ألكسي كولماتوف

الترجمة الخامسة
    ـ سنة 1864 صدرت ترجمة ايفان نيكولاييف للقرآن الكريم وحققت رواجاً كبيراً على مدى القرن التاسع عشر وأعيد طبعها 5 مرات في غضون أقل من نصف قرن (1864، 1865، 1876، 1880، 1901) ميلادية
الترجمة السادسة
   ـ عام 1871 أنجزت ترجمة دميتري بوغوسلافسكي (1826ــ 1893) عن العربية مباشرة. وكان بوغوسلافسكي عالماً كبيراً واسع الاطلاع على العربية، وتميّزت ترجمته بدقة متناهية وحاسة أدبية فائقة فانتزعت الترجمة استحسان المستعربين – فيكتور روزين، واغناطيوس كراتشوفسكي، إلا أن الترجمة لم تطبع والسبب في ذلك صدور
الترجمة السابعة: 
     التي صدرت في قازان سنة 1878م بقلم غوردي سابلوكوف، وكان صدورها السبب في احتجاب طبع ترجمة بوغوسلافسكي وقد قام سابلوكوف بترجمته من العربية مباشرة، وكان قد كرّس حياته بطولها لهذا العمل الجليل وفرغ من الترجمة في الرابعة والسبعين من عمره، وأعيدت طباعتها بعد وفاته، وذلك في عامي 1894، 1907م وعدّت أفضل ترجمة مطبوعة.
-
في عام 1905 صدرت الطبعة المصورة من مصحف سمرقند الشهير المدون بالخط الكوفي وهو المشهور بمصحف عثمان ـ رضي الله عنه ـ
     ـ في نهايات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بدأت تظهر دراسات ممتازة لكبار المستعربين الروس حول الإسلام والقرآن الكريم ، ومن أولئك : فيكتور روزين ، فينالي غيرغاس ، فاسيلي بارنولد ، أغناطيوس كراتشكوفسكي ، الكسندر شميدت ، أغافانفل كريمسكي وسواهم، وكانت هناك مطابع تستعمل الحروف العربية في بطرسبرج \"قازان\" ، اهرنبورغ، باكو ، تفليس ، تميرخان ، شوران بقشي ساراي \"طشقند\" وفي سنة1911م أنجز موسى بيغييف ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة التترية ولم يتم طبعها بسبب احتجاج العلماء المسلمين ـ غير أنها طبعت فيما بعد سنة 1914م على يد محمد كامل تحفة الله وكانت مرفقة بالنص العربي.
      ظهرت بعد ذلك طبعات عديدة للقرآن الكريم باللغة العربية منها ما تم في مدينة أوقا سنة 1927، 1956م وطبعة طشقند سنة 1960م
    ـ منذ مطلع القرن العشرين بدأت تظهر أعمال أغناطيوس كراتشكوفسكي حول القرآن الكريم وفي سنة 1911م أصدر مقالاً حول تعديل قراءة كلمة \"برأ\" في طبعة فلوغيل بلايبزيغ سنة 1858م، وفي عامي 1915 و1916م ألقى أول محاضراته عن القرآن في كلية اللغات الشرقية بجامعة بطرسبرج، ونشر بين 1922 – 1925 ملاحظات تتعلق بتواريخ تراجم القرآن في القرون 15ــ 17 إلى اللغة البيلاروسية – البولندية بين أوساط التتر الليتوانيين.
ـ سنة 1830م صدر مقال كراتشكوفسكي عن مغزى كلمة \"نجم\" في القرآن وفي سنة 1934 و1940م نشر أبحاثاً عن الترجمة الروسية المجهولة لمعاني القرآن والتي قام بها بوغوسلافسكي.
    ـ عام 1919م أعلن كراتشكوفسكي عن إعداد ترجمة روسية شاملة للقرآن الكريم وقد شرع بالعمل على وضع هذه الترجمة في خريف عام 1921م وأخذ بإلقاء سلسلة من المحاضرات حول القرآن استمر بها حتى نهاية حياته
     ـ سنة 1930م وبعد تسع سنوات من بدء العمل أنجز كراتشكوفسكي ترجمة القرآن ثم شرع بمراجعة الترجمة واستغرقت المراجعة حياة العالِم بطولها
الترجمة الثامنة: 
     ـ سنة 1963م صدرت ترجمة أغناطيوس كراتشكوفسكي للقرآن الكريم
الترجمة التاسعة:
        وفي سنة 1997م صدرت الطبعة الثالثة من ترجمة بوروخوف (بالعربية – ايمان فاليريا بوروخوفا وبالروسية فاليريا بوروخوفا) ولا نملك معلومات دقيقة عن موعد صدور الطبعة الأولى منها.
        ونظرا لانقطاع اتصالنا بالحياة الثقافية في روسيا فإن ما بلغنا عن هذه الترجمة لا يتجاوز التحذير الذي صدر عن دائرة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دبي من تداول أو طباعة أو نشر تلك الترجمة وقد نشر في عدد الخميس 17/ 7/ 1997 من صحيفة \"الاتحاد\" الصادرة في أبو ظبي، ثم قرأنا المقال الصادر بعد ذلك بقلم أحمد الخميسي ــ مراسل صحيفة الاتحاد – في موسكو بتاريخ الجمعة 8 أغسطس 1997 بعنوان: \"ترجمة معاني القرآن الكريم ارتزاق أم رسالة؟ بوروخوفا تطالب الأوقاف بمائة ألف دولار\" والمقال يبسط آراء مجموعة من العلماء المتخصصين في اللغتين العربية والروسية ، وقد أجمعوا دون استثناء على تجريح الترجمة وكان مما قالوه \"إن فاليريا بوروخوفا\" قامت بترجمة القرآن من الإنجليزية وليس من العربية\" وإن في الترجمة شواهد على ضعف معرفتها بالإنجليزية والروسية معاً\" حسبما عبّر أحد ناقدي الترجمة الذي تراوحت آراؤهم بين القول بأنها \"لم تتطابق مع القرآن الكريم\" وبين \"إن الترجمة لا تطابق الأصل\" كما أنها \"ممتلئة بالأخطاء والهفوات والترجمات الشعرية الركيكة خاصة وإن بوروخوفا لم يعرف عنها أنها شاعرة لكي تتصدى لترجمة شعرية ناهيك عن أنه لا يجوز ترجمة القرآن شعراّ\".
        وأوردت الصحيفة أمثلة ساقها عدد من العلماء على الأخطاء الجسيمة التي وردت في الترجمة، واستنكر بعضهم العبارة التي أوردتها بوروخوفا للمستشرق الإنجليزي مونتغمري واط حول النبي محمد صلى الله عليه وسلم والتي تشكل ذماً وقدحاً في شكل مدح\" كما استنكروا تسمية بوروخوفا نفسها بـ \"المؤلفة\" من خلال \"العبارة التالية: إن جميع حقوق الطبع والنسخ والتصدير لهذه الطبعة محفوظة للمؤلفة\"! مثلما استنكروا موقف صحيفة \"الازفستيا\" التي أجرت حواراً مع المترجمة ووصفتها بـ \"السيدة الثانية بعد خديجة رضي الله عنها التي آمنت بالرسول صلى الله عليه وسلم " ومهما يكن فالصحيفة قد سمّت الأشياء بأسمائها عندما تساءلت مستنكرة: \"هل تغدو ترجمة القرآن الكريم مصدراً للارتزاق؟ أم أنها رسالة؟
أما الدعوى التي كان مزمعاً أن ترفعها بوروخوفا ضد دائرة الأوقاف فتشير إليها الصحيفة، وفي ختام المقال بالقول \"إنها أمر متروك للجهات المسؤولة بعد أن قال العلماء والمخصصون كلمتهم العلمية في تلك القضية\". 
      وهكذا لقيت الترجمة التي قامت بها بوروخوفا تقييمها الأكاديمي منذ أول ظهورها وكان ما جاءت به صحيفة \"الاتحاد\" كافياً – من الناحية الأكاديمية – لرفض الترجمة، غير أن المقال أثار اهتمامنا في الوقت نفسه إذ كان من الصعب تصديق ما ورد فيه؟ وقُدّر لنا بعد ذلك الحصول على الطبعة الثالثة من الترجمة التي قامت بها \"بوروخوفا\" وعلى ترجمتي سابلوكوف وكراتشكوفسكي أيضاً. وكان أول ما فوجئنا به هو أن الطبعة الثالثة من الترجمة \"بوروخوفا\" قد احتفظت بالأخطاء التي أشار إليها الناقدون السابقون وبخاصة ما يتصل بواوات القسم في بعض السور. ولهذه الواو قصة مؤداّها – حسبما جاء في المقال المذكور ــ إن \" كل واوات القسم في القرآن كما في سورة \"الشمس\" و \"الضحى\" انقلبت إلى شيء لا معنى له عند بوروخوفا لأنها نقلت من الإنجليزية حرفيا، وإذا كان التعبير الإنجليزي In sign of بديلاً لواو القسم فإنها ترجَمتهُ حرفياً فخرج بالروسية ليس بمعنى أقسم بالشمس بل \"علامة على الشمس\"، الأمر الذي يدل على ضعف معرفتها بالإنجليزية والروسية معاً\". وهكذا فالطبعة الأخيرة لا تزال تتضمن \"الآيات\" التالية: \"علامة الشمس\"، \"علامة القمر\"، \"علامة الضحى\" ، و \"علامة الليل إذا سجى\". كما تحتفظ \"بوروخوفا\" بافتتاحية أثارت استنفار القرّاء. وتؤكد الصفحة الخامسة من غلاف الطبعة المذكورة على أن \"حقوق النقل والطبع والاقتباس والنشر محفوظة للمؤلفة\" وقد سطرت فوقها عبارة: نالت هذه الترجمة شرف إجازة الأزهر الشريف... وعلى موافقة وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف في دولة الإمارات العربية المتحدة\". 
      وكان ذلك ما دفعنا إلى الاستزادة من التعرف على هذه الترجمة وعلى ما ورد في صفحات \"التفسير\"، لكننا لم نحزم أمرنا على التدخل أو إبداء الرأي في الموضوع كله إيثارا للسلامة، فعندما يخرج الموضوع عن الإطار الأكاديمي يتحول الجدل فيه إلى ضرب من المحاجة والمساجلات الكلامية التي لا يخرج منها أحد منتصراً.
     وكان مما صرفنا عن الموضوع تساؤلنا حول مشروعية مثل هذه الترجمة وبالتالي مشروعية مناقشتها أيضاً. فمن أين لمن لا يعرف العربية أن يترجم معاني القرآن الكريم بل أن ينصّب نفسه فوق ذلك \"مؤلفا\"! واكتفينا بالقول: إن للترجمة مداراً غير المدار الأكاديمي وغاية كشفت عنها صحيفة الاتحاد في حينها. وكان مما صدّنا أيضاً عن الخوض في هذا الموضوع – الهوامش الغزيرة العجيبة المسماة بـ \"التفسير\" والتي اختلطت بأسماء عدد من المفكرين والفلاسفة الأوروبيين، وكتاب الله غني بذاته عن ذلك كله، وأخيراً فقد كان من تلك العوامل التوجه العام للترجمة والمغالي في تحيّزه.
     لكن عوامل أخرى كانت تدفعنا إلى المشاركة، فالأمر قبل كل شيء يتصل بكتاب الله، ثم إن طبعات الترجمة منسوبة إلى دمشق ـ المدينة التي شرّفها الله بنشر الإسلام في أقصى أصقاع الأرض ومن تلك الأراضي التي خصصت هذه الترجمة لتوزّع فوقها، كما شرّفها باستضافة خير: علماء المسلمين على مرّ العصور وباحتضان، فإن الكثيرين منهم ومن كبار المجاهدين من ابن عربي إلى ابن تيمية إلى صلاح الدين الأيوبي، ولأن الترجمة تحمل ــ فوق ذلك ــ موافقة الأزهر الشريف. وأخيراً تقرر انعقاد مؤتمر ترجمات القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية في جامعة آل البيت فشرَّفتني الجامعة بتكليفي بالكتابة عن الترجمات الروسية وبخاصة الأخيرة \"بوروخوفا\" من بينها؛ إذ أنها حققت نسبة كبيرة من التوزيع وتمثل الواقع الحالي لما آلت إليه ترجمات القرآن الكريم في روسيا، فكان لذلك التكليف أن قطع كل تَردُّد
ونظراً لجلال المهمة، ولكون من سبقونا قد أبدوا رأيهم في ترجمة بعض سور الكتاب فقد آثرنا الاكتفاء بقراءة ترجمة السور العشر الأولى ــ الفاتحة ومن بداية سورة \"البقرة\" حتى خاتمة سورة \"يونس\"، ومحاولة إبداء الرأي في هذه الترجمة آملين أن يوفق غيرنا إلى استكمال القراءة حتى نهاية الكتاب وأن يوفقه الله إلى إبداء رأيه الموضوعي في هذه المسألة البالغة الخطورة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق