الاثنين، 22 فبراير 2016

العولمة للصغار

                                      بسم الله الرحمن الرحيم
                        
          كنت في تبوك قبل أيام فسئلت عن العولمة فقلت هذا مصطلح جديد والكتابات عنه كثيرة، ولست من الذين تستهويهم هذه المصطلحات وكأني أتهم نفسي بأنني (دقة قديمة)، ولكن هل المصطلح صعب فهمه أو غامض عسير على الفهم؟
          ليست العولمة أكثر من أن تكون محاولة القوى الكبرى (ويقال أمريكا وحدها الكبرى الآن، والله أكبر) أن تصوغ العالم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً في قالب واحد. فلا بد من الأخذ بالديموقراطية ليكون لك مكان في المجتمع العالمي (Global Society) وعليك أن تتأثر بإنتاج هوليود السينمائي الذي يروج للنموذج الغربي في الحياة الاجتماعية وفي الثقافة- وإن كانت هوليود تسيء إلى الغرب أيضاً-، وفي الاقتصاد أنت مطالب أن تأخذ باقتصاد السوق أو العرض والطلب، وأن تأخذ بالخصخصة أو التخصيص لتستطيع أن تكون عالمياً أو عولمياً.
          ولم يكتف المروجون للعولمة بعقد الندوات والمؤتمرات ونشر المقالات والكتب حول هذا المصطلح الجديد بل إنهم قاموا بإعداد أفلام كرتونية للأطفال لإقناعهم بالعولمة. وقد عرضت إحدى القنوات الفضائية العربية يوم الجمعة-قبل أسابيع - فيلماً كرتونياً يتناول الملابس وتسريحات الشعر. فالتسريحات الأوروبية هي التسريحات العالمية وتناولت تطور هذا الفن في أوروبا حيث كان الحلاق يمتهن الطب أيضاً وتحدثت عن أنواع الحلاقة. وكان الحديث يتضمن ذكر القرن التاسع عشر والثامن عشر والقرن العشرين.
          ففي موضوع الشعر لم يكن الأوروبيون أول من اهتم بالشعر وشكله وتسريحاته. وليس المقصود في هذا المقال البحث في هذه القضية ولكن أقول إننا نحن المسلمين كان لنا اهتمام بالشعر وجماله فقد ورد في الأثر (من كان له شعر فليكرمه أو ليرجله) وقد جاء في السيرة أن رجلاً دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وشعره ثائر فأمر أصحابه أن يوجهوه إلى إصلاح حاله وأن لا يأتيه الواحد بهذا الشكل كأنه شيطان. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بشعره حتى إنه في ليالي رمضان حين يكون معتكفاً يخرج رأسه من المسجد فتقوم السيدة عائشة رضي الله عنها بتسريحه، أو بترجيله.
          وقد روي عن ابن عباس أن امرأة شكت إليه إهمال زوجها نفسه فقال له إنني أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين هي لي. وقد جاء في السنة المطهرة النهي عن أنواع من الحلاقة. وقد عرّف الحلاّق في لغتنا الجميلة بالمزيّن. حتى إن شاعراً وصف المزين بقوله (أنا ابن من دانت الرقاب له يقصد المزيّن)
          فقبل العولمة أو القصة أو التسريحة العالمية ابتلينا بالتسريحة الفرنسية أو قصة البيتلز أو الخنافس أو غير ذلك من القصّات.
          أما الجانب الآخر من الفيلم الكرتوني فهو الحديث عن الملابس وكان الانتقاد موجهاً لبعض الأشخاص الذين قدموا من جنوب شرق أسيا إما من اليابان أو تايلاند- وعاشوا فترة في الغرب وتعلموا ارتداء الملابس الغربية. وفي مناسبة ما تقوم مجموعة من هؤلاء باستبدال الملابس الغربية بملابسهم التقليدية ويقولون ها نحن ارتدينا الملابس العالمية وهي أكثر راحة وأسهل في الحركة. والسؤال من الذي جعل الملابس الأوروبية هي الملابس العالمية. إن البنطلون والمعطف وربطة العنق إنما هي ملابس أوروبية وليست عالمية.
          عندما كانت الأمة الإسلامية هي العالم الأول اشتكى بعض القسس ورجال الدين النصارى بأن شبابهم أصبحوا يرتدون الملابس الإسلامية ويتحدثون اللغة العربية ويحفظون الشعر العربي بل ينظمونه أيضاً ولا يفقهون كلمة من اللغة اللاتينية قبل ظهور اللغات الأوروبية الحديثة- وقد سعى رجال الدين هناك لتحصين شبابهم بحملة كبيرة وظالمة ضد الإسلام والمسلمين.
           فيا أيتها القناة الفضائية التي قدمت الفيلم الكرتوني- الذي لن يكون الوحيد- إننا نعلم أبناءنا في هذه البلاد والحمد لله أن يفخروا بتراثهم وأن هذا التراث يهتم بالمظهر اهتمامه بالجوهر. فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فرض على صاحب المهنة أن يكون له ثوب لأداء الصلاة الجماعة فيه، وأن المؤمن يجب أن يكون كالشامة بين الناس نظافة وطيباً. فنحن قد عرفنا العطور قبل أن تغرق أسواقنا العطور الفرنسية والغربية عموماً وأصبحت تدفع على الدعايات لهذه العطور ما يفوق قيمتها الحقيقية أضعافاً عديدة. فالعطر الذي لا يكلف حقيقة أكثر من عشرة ريالات يباع بأكثر من مائة ريال. وقد ورد عن الحبيب صلى الله عليه وسلم (حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة.)
          إذا كانت هذه هي العولمة فهي أمر جد خطير إن كانت موجهة للكبار. أما إن كانت موجهة للصغار فهي أشد خطراً. فهام قد التفتوا للتأثير فيهم ذلك أن الصغار أكثر تأثراً بما يشاهدون فإن أذهانهم تختزن كثيراً من الصور التي يشاهدونها ثم يتأثرون بمحتواها فيما بعد حتى إذا كبروا وقلنا لهم إن العولمة هذه إنما هي وضع العالم في قالب واحد هو القالب الغربي لم يصدقونا وصدقوا ما تأثروا به في طفولتهم.
          ولذلك فمقابل العولمة هو الاهتمام بالتركيز على الهوية العربية الإسلامية. وقد أسماها الدكتور طه جابر العلواني بأنها الحاجز النفسي بين الهويات المختلفة. فإن النصارى لديهم في تراثهم وتقاليدهم ما يحثهم على التمسك بهويتهم. وأما اليهود فهم أشد اهتماماً بهذا الأمر فإنهم هم الناس في نظرهم والعالم كله جوييم. فهل يتمسك المسلمون بإسلامهم وبأن الله عز وجل قد اختصهم بالرسالة الخاتمة وأن عليهم مسؤولية نشر الهداية والسلام في العالم (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس) فمن واجب من يقوم بالشهادة أن يكون له هوية خاصة به وأن لا يذوب في الأمم الأخرى مهما كانت الإغراءات. والله الموفق.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق