السبت، 2 يناير، 2016

مؤتمر الاقتصاد ودروس التاريخ

                                         بسم الله الرحمن الرحيم
                                                   
      يسعى أصحاب " مشروع السلام" إلى دفع عجلة هذا المشروع بكل الوسائل الممكنة وغير الممكنة ، وقد تفتقت أذهانهم عن فكرة التعجيل فيما يسمى بالتطبيع الاقتصادي فعقد مؤتمر الدار البيضاء ثم مؤتمر عمّان وهاهم يسعون إلى عقد مؤتمر القاهرة ويصرون على عقده رغم تردد الدولة المضيفة في قبول انعقاده قبل أن تظهر إسرائيل احترامها الحقيقي ل " مشروع السلام". وقد جمع المؤتمران السابقان عدداً كبيراً من رجال الأعمال أو التجار من العرب المسلمين واليهود بالإضافة إلى المسؤولين الرسميين، وإن تهافت اليهود على هذه المؤتمرات إنما هو بسبب حرصهم الشديد على اختراق أسواق البلاد العربية لعلهم يصيبوا من ثرواتها ما يرون أنهم حرموا منه حتى الآن.
     والمسلمون يعرفون اليهود معرفة جيدة، يعرفون طباعهم وأخلاقهم وسلوكهم وحبهم للمال والحرص عليه بأية وسيلة فقد حرصوا أن تكون لهم الهيمنة الاقتصادية في مجتمع المدينة المنورة قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بالإضافة إلى الهيمنة السياسية والفكرية. ويقول الدكتور أكرم العمري:" ولا شك أن المجتمع المدني خضع لسيطرة اليهود قبل أن يقوى كيان العرب فيه خضوعاً تاماً اقتصادياً وفكرياً ... وبالطبع على رأس الأعمال الاقتصادية التعامل بالربا الذي يتقنه اليهود في كل مكان."
     وقد أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة ضرورة أن يكون للمسلمين سوقهم الخاصة بهم وكان لليهود أكثر من سوق بها وكان أحد هذه الأسواق بجوار بقيع الغرقد فاتخذ الرسول عليه الصلاة والسلام سوقاً للمسلمين قريباً من سوق اليهود ويقول الدكتور عبد الله بن ادريس في كتابه (مجتمع المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم) " إن اليهود شعروا بقوة المسلمين وأحسوا بخطر منافستهم ومزاحمتهم في تجارة المدينة طالما كانت هذه السوق قريبة من سوقهم فأقبل كعب بن الأشرف فدخلها وقطع أطنابها."
    وهنا لم يعط الرسول صلى الله عليه وسلم الفرصة لليهود  ليجعلوا من هذا العمل فرصة لإثارة الفتنة والخلاف بل عالجه بحكمة وتخطيط مستقبلي فقال عليه الصلاة والسلام:" لا جرم ( أن يغضب اليهود) لأنقلنهّا إلى موضع هو أغيظ له من هذا" وكان مكان السوق الجديد غربي المسجد النبوي ويعلق د. ادريس بقوله:" وقد كان اختيار المسلمين لموضع سوقهم اختياراً موفقاً دل على عمق تجربتهم التجارية وفهمهم بأمور البيع والشراء إذ كان واقعاً في جهة هي بمثابة المدخل الرئيسي للمدينة ..مما يوفر على التجار الوافدين إلى المدينة مشقة الالتفاف برواحلهم المحملة حول بيوت المدينة أو حتى التخلخل بينها حتى يصلوا إلى سوق اليهود داخل المدينة."
    ولما كان قد قيل " إن من لم يعرف الماضي حري به أن يكرر الأخطاء نفسها " فاليهود في المدينة المنورة حرصوا على استمرار هيمنتهم وسيطرتهم الاقتصادية والسياسية والثقافية وقد فشلوا في استمرار سيطرتهم وذلك أن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة أدت إلى توحيد سكان المدينة بالمؤاخاة وغير ذلك من التشريعات التي تنهى عن العصبية القبلية التي كان اليهود يحرصون على إثارتها كما فعلوا في يوم بعاث وكما حاولوا ذلك فيما بعد.
    فهل نعي أن هذه المؤتمرات الاقتصادية لا تختلف مطلقاً عن أهداف اليهود قديماً في سعيهم للسيطرة الاقتصادية والسيطرة السياسية والثقافية؟ وهل يتعلم المسلمون الدروس من السيرة النبوية في تعاملهم مع اليهود الذين كانوا في المدينة المنورة؟ إن على المسلمين مسؤولية كبرى في التخطيط لمواجهة تخطيط اليهود فيسارعوا إلى إنشاء سوق إسلامية مشتركة، ولا يقبلوا مطلقاً أن يقف اليهود بينهم وبين الاقتصاد العالمي فكما وضع الرسول صلى الله عليه وسلم سوق المدينة في مكان يجعله أقرب للتجارة الخارجية للمدينة المنورة فإننا مطالبون الآن أن نستلهم هذا الدرس في أن يكون لنا تكتلاتنا الاقتصادية وتعاملاتنا المباشرة مع الاقتصاد العالمي.
    وثمة قضية أخرى تؤكد صعوبة التعامل بين المسلمين و اليهود ذلك أن لنا تشريعاتنا التي تحرّم الربا حتى عدّه الإمام مالك أعظم ذنب ورد في القرآن الكريم لما فيه من وعيد بحرب من الله ورسوله ، كما إن التشريعات الإسلامية تتناول قضايا الاقتصاد المختلفة من إجارة وقراض وبيع وشراء .وقد اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم في أن يزاول المسلمون البيع والشراء بصورة تتفق مع التشريعات الاسلامية فكانت توجيهاته المختلفة التي منها ( رحم الله امرأً سمحاً إذا باع وإذا اشترى) وقوله صلى الله عليه وسلم (من غشّ فليس منّا) وقوله عليه الصلاة والسلام ( المحتكر ملعون) وقد ذكر الشيخ عبد الحي الكتّاني في كتابه القيم (نظام الحكومة النبوية) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يضرب بالدرة من يقعد بالسوق وهو لا يعرف الأحكام ويقول لا يقعد في سوقنا من لا يعرف الربا، وذكر الكتّاني أيضاً أن الإمام مالك كان يأمر الأمراء فيجمعون التجّار في السوق يعرضونهم عليه فإذا وجد واحداً لا يفقه أحكام المعاملات ولا يعرف الحلال والحرام أخرجه من السوق وقال له تعلّم أحكام البيع والشراء ثم اجلس في السوق .

    وهكذا فإن فتح المجال لمثل هذه الخطط اليهودية لاختراق اقتصاد العالم الإسلامي يجب أن يسبقه تخطيط على مستو عالٍ لمعرفة كيفية مواجهة اليهود وتعاملهم بالربا وموقفهم من غير اليهود الذي أوضحه القرآن الكريم في قوله تعالى {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} (آل عمران 75). وكما ذكر الدكتور الشيخ زين العابدين الركابي بإن المؤتمر يعني:" أن يموّل العرب خطط اسرائيل الرامية إلى هدم مقدساتهم وقتل إخوانهم وأخواتهم وإظلام مستقبلهم كله...إن إلغاء المؤتمر الاقتصادي موقف موضوعي يتناسب مع الظروف الراهنة ويعبر عن نبض الأمة المهموم المكلوم المكظوم، وهذا الإلغاء هو الحد الأدنى من المصداقية والواقعية والكرامة والفعل المقدور عليه."  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق