السبت، 2 يناير، 2016

صندوق التنمية الفكرية

                                                بسم الله الرحمن الرحيم
                                               

        تقول الإحصائيات والدراسات التي نشرت في عدد من الصحف وعلّق عليها عدد من الكتاب إن عدد الكتب والمجلات العامة والدوريات المتخصصة التي تصدر في العالم العربي الإسلامي أقل بكثير من التي تصدر في الدول الأوروبية، وحتى دول أمريكا الجنوبية تفوقت علينا في العالم الإسلامي في عدد الإصدارات. وقد دبجت المقالات وربما الأبحاث التي تتناول هذه القضية. والحديث عن انخفاض عدد الكتب والمجلات والـدوريات العلمية يرافقه حديث عن عزوف في العالم أجمع عن القراءة. وقد تخدعنا أعداد المجلات التي نراها في البقالات أو في المكتبات فإنها في الغالب مجلات للتسلية وقليل منها الجاد أو المتخصص. فكم مجلة لدينا مثلاً تتناول الكتب أو الإصدارات الجديدة؟ وكم عدد المجلات المخصصة للأطفال؟ وكم …وكم؟
      لقد دعاني إلى التفكير في هذا الموضوع مقالة كنت قد قرأتها قبل عدة أشهر للأستاذ محمد علي العمير في جريدة عكاظ حول الكتاب ودعم صناعته. ففكرت في الموضوع مليّا فرأيت أن لدينا كثيراً من الوسائل لدعم صناعة الكتاب أرجو أن تلقى تجاوباً من الكتاب والمؤلفين.
    إن بلدنا الحبيب قد أنشأ منذ سنوات بعيدة عدة صناديق لمساعدة المواطن في شتى المجالات فمن هذه الصناديق التي كان لها أثر مبارك في تأمين السكن المناسب صندوق التنمية العقارية. فقد قدم مئات الملايين من الريالات على مدى السنوات الماضية ولا زال يقوم بدور مبارك في دعم هذا القطاع المهم. وهناك جانب مهم في صندوق التنمية العقارية لمن يريد أن يبني للاستثمار. وقد أفاد كثير من المواطنين في هذا المجال.
     كما أن لدينا صندوق التنمية الصناعية وقد قامت العديد من المصانع بقروض ميسرة الدفع من هذا الصندوق ولولا أن الله منّ علينا بهذا الصندوق لما رأت كثير من الصناعات النور. -وبودي لو أن إدارات العـلاقات العامة بهذه الصناديق تقوم بين الحين والآخر بتزويد الكتاب بمعلومات حديثة عن نشاطاتها لاستطاع الكاتب أن يقدم المعلومة الموثقة.
   وهناك بنك التسليف ولعله من أقدمها لأنني ما زلت أذكر بعض الأخوة الذين حصلوا على قروض للزواج من هذا البنك قبل أكثر من عشرين سنة، ومنهم من أصبح طبيباً أو مهندساً أو رجل أعمال.
    فهل يمكن أن يكون لدينا صندوق للتنمية الثقافية أو التنمية الفكرية؟ إن الموضوع جدير بالنقاش فقد تقدمت قبل أشهر من إحدى المؤسسات المالية الكبرى لطلب قرض لطباعة عدد من الكتب، وعرضت في الـوقت نفسه أن تتبنى المؤسسة طباعة هذه الكتب، وذكرت لهم إنني لا أريد أن أكسب مادياً من هذه العملية ولكن ضاق صدري أن أرى كتبي قابعة في الأدراج عدة سنوات. فجاءني الرد دون أن يطلعوا على الكتب بالرفض. فغضبت وخاطبت المسؤول قائلاً: " نعم قد تفهم في المال والاقتصاد أما الأمور الثقافية والفـكرية فكنت أتمنى أن تطلب نسخاً من الكتب وتعرضها على من يستطيع إبداء الرأي." ولمّا حدثت صديقاً في الأمر قال لو كنت تريد شراء عدد من السيارات أو أي مشروع آخر لأسرعوا إلى تمويلك.
      وفي أثناء إعداد محاضرة لتقديمها في نادي مكة الأدبي الثقافي بحثت في بعض كتب المستشرقين فوجدت التمويل السخي لإعداد عدد من هذه الكتب من مؤسسات خيرية وشركات تجارية ومؤسسات حكومية وغيرها. فقلت سبحان الله كم ينفقون على علمائهم وباحثيهم والكاتب في العـالم الإسلامي يحتاج إلى المراجع والدوريات المتخصصة، وقد يحتاج إلى القيام برحلات علمية فلا يجد من يعطيه ريالاً واحداً إلاّ ما كـان من مكافآت محددة للرحلات العلمية لطلاب مرحلة الدكتوراه، أو الإنفاق على الأستاذ الجامعي في سنة التفرغ.
      وهنا تذكرت حال هذه الأمة حينما كانت العالم الأول حيث كان العالِم يجد من يتبناه وينفق عليه، وقد يقـوم العالم بإهداء نسخة من كتابه إلى ثري فيقدم له المال بسخاء لا يشعره مطلقاً بالمنة. ومع ذلك فقد كان لابن الجوزي رحمه الله نصيحة للعلماء أن يخصصوا جزءاً من وقتهم للعمل في التجارة حتى يستغنوا. ولكن هل كل العلماء يستطيع أن يكون تاجراً أو يعرف الصفق في الأسواق. ومع ذلك فكـان الأثرياء في الأمة الإسـلامية يقدرون العلماء فما أن يهدي إلى أحدهم كتاب حتى يقوم بإجزال العطاء للعالم، وكم ألّف علماء في الفنون المختلفة وأهدوا كتبهم لأمراء أو أثرياء أو سلاطين فنالوا المنح السنيّة.
     ولكن ما يحدث اليوم أنك تهدي كتابك إلى عشرات من ذوي المال والمناصب فقلّ من يكتب إليك ورقة صغيرة فيها إشعار بتسلم الهدية والشكر عليها، بله أن يقدم مبلغاً من المال. وقد قدّم أحدهم كتاباً إلى أحد الأثرياء واشترط عليه أن يرد له الهدية بشيك ولكن لم يحدث شيء.
      إن صندوق التنمية الثقافية أو الفكرية أمر ضروري وملح فإن الباحث يحتاج إلى مصروفات كثيرة وقد لا يقوم بها الراتب الذي يتقاضاه من الجهة التي يعمل بها، فإما أن تركبه الديون أو أن يتوقف عن البحث والدراسة.
     وأما ما كتبته الدكتور عزيزة المانع (عكاظ ،19صفر1418) بأن الكتابة صنو الفقر مستشهدة على ذلك بما في التراث من قصـص عن الأدباء الذين عانوا من الفقر حتى اضطر بعضهم إلى أكل الخضر والأعشاب في الصحـراء أو اللجوء إلى الدين أو إلى إهدار ماء الوجه لينفق على نفسه وعياله، فيقابله قصص كثيرة عن أدباء وكتّاب وعلماء عاشوا في بحبوبة من العيش.

    المهم متى نقوم بإنشاء صندوق للتنمية الفكرية أو متى تقوم مؤسساتنا وبنوكنا وشركاتنا بالإسهام بدورها في تنمية الفكر والثقافة؟ والله الموفق.   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق