السبت، 2 يناير، 2016

"صحيفة " المدينة والتسامح الديني

                                                     بسم الله الرحمن الرحيم
                       
       في اليوم الذي أعلنت فيه تركيا قرارها بمنع ارتداء الحجاب لموظفات الدولة أو الشركات أو الجـامعات، ومنعت إطلاق اللحى كان قد صدر قرار الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بالسماح لأي مسلمة بان ترتدي الحجاب، وكذلك بإطلاق اللحى للرجال وأداء العبادات وأن لا يتعرض إنسان في المجتمع الأمريكي للمضايقة بسبب دينه.
        أهو حقاً تسامح أمريكي حقيقي؟ ولماذا يتسامح الأمريكيون بينما تضيق صدور العسكر والعلمانيون من الحجـاب واللحية وأداء العبادات؟ نحن لا نشك أن القرار الأمريكي رائع ويستحقون عليه الشكر، ولكننا يجب أن نتوقف عند هذا الأمر فهل هذا هو التسامح الحقيقي؟ وهل أمريكيا أو غيرها من دول الغرب بعيدة عن قرارات العسكر؟
سأترك الإجابة عن هذه الأسئلة لأعود بالقارئ الكريم إلى حقيقة التسامح الديني الذي لم يعرف العالم مثله، إن التسامح الديني هو ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود حينما قدم المدينة المنورة، وكتب بينه وبينهم عهداً منحهم فيه حق ممارسة شعائرهم الدينية وحرية التصرف في أموالهم، وطالبهم بان يدونوا يداً على من أراد المدينة بسوء. والتسامح الديني كان في استقبال الرسول صـلى الله عليه وسلم لنصارى نجران واستضافته لهم في مسجده وإكرامهم والحوار معهم. ولقد شهد بعض العلماء الغربيين بهذا التسامح حيث من المشهور ما قاله جوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب بأن العالم لم يعرف فاتحاً أرحم من العرب وأكثر تسامحاً.
         ومن العجيب أن هذا التسامح لم يقابله تسامح مثله، فالصليبيون حينما هجموا على البلاد الإسلامية مارسوا جميع أنواع القتل والوحشية فقد وصلت الدماء في بيت المقدس إلى الركب كما ذكر المؤرخون. واليهود وما أدراك ما يهود لقد ارتكبوا وما زالوا يرتكبون المجازر لتثبيت وجودهم في فلسطين. ولم يكن الاستعمار الغربي أقل وحشية من الغزو الصليبي، فقد عرف عن القائد الفرنسي بيجو ما سمي بالأرض المحروقة وغير ذلك من وسائل الإرهاب. (وما خبر البوسنة والشيشان عنّا ببعيد)
        ولكن هل نجحت الدعاية التي أرادتها وسائل الإعلام بإظهار عسكر تركيا بأنهم أقل تسامحاً من الرئيس الأمريكي؟ وهل حقاً يغيب عن الغرب المؤيد للعسكر ما يفعله هؤلاء؟ فقد قرر الغرب مساعدة تركيا في مواجهة احتياجاتها الاقتصادية بعد أن قرر العسكر إلغاء المدارس القرآنية حيث ستحتاج الميزانية التركية مبالغ كبيرة لتوفير الصفوف والمدارس والمعلمين، ولذلك وافق البنك الدولي على تقديم مساعدات مالية بلغ حجمها نحو بليون ونصف البليون من الدولارات موزعة على ثلاث سنوات (الحياة، 6سبتمبر 1997) فهل ننخدع بهذه الحركات التي تظهر سماحة أمريكا وتحجر غيرها؟
        وفي الوقت الذي يصرح فيه الرئيس الأمريكي تلك التصريحات الرائعة بالسماح للنساء بارتداء الحجاب والسماح للرجال بإطلاق اللحية (لم تكن ممنوعة أبداً في أمريكا) ومنع أي ممارسة تدل على التعصب الديني يحدث في أمريكا ما يشير إلى ظهور موجة من التعصب ضد المسلمين. فقد كتب فهمي هويدي في مجلة المجلة (21-27سبتمبر 1997م) يذكر بعض ممارسات السلطات الحكومية الأمريكية ضد بعض المسلمين وذكر العائلة الألبانية، وقصة الشاب المصري الذي انتزعت منه ابنتيه وإعطائهما لأهل الزوجة لتنصيرهما.
        ومن الحوادث التي ذكرها هويدي ما حدث للدكتور حسام أبو جبارا الفلسطيني المحتجز في مدينة تامبا بفلوريدا…. والدكتور مازن النجار المحتجز في المدينة نفسها لاتهامات لا أساس لها بسبب المكائد الصهيونية..
        وكتب بول فندلي في هذه الصحيفة مقالة بعنوان (في أمريكا... مكارثية جديدة ضد العرب والمسلمين) (21جمادى الأولى 1418) أشار فيها إلى بعض الحوادث التي تدل على أن تصريحات الرئيس الأمريكي كلام جميل فقط، لكن الواقع لا يؤيد ذلك. فهل يصرح الرؤساء في الغرب بأشياء بينما تتصرف أجهزة حكوماتهم بطريقة مخالفة لتلك التصريحات؟
        وأميل شخصياً لتصديق أن الواقع في الغرب هو عكس ما يصرح بها بعض زعمائه أحياناً ليكسبوا دعاية لأنفسهم ولتحسين صورتهم. فقد كنت في زيارة للولايات المتحدة الأمريكية قبل عامين تقريباً وحدثين أحد الأخـوة المسلمين هناك بما يتعرض له بعض المسلمين من أصول أفريقية من اتهامات باطلة حتى إن أحدهم اتهم بتجارة المخدرات. وليس من الصعب على أجهزة المخابرات والمباحث تلفيق مثل هذه التهم.
        ولما لم نكن من " المفتونين بنظرية المؤامرة" -كما زعم أحد الكتاب في برنامج تلفزيوني قبل أسابيع لأن الأمر لا يحتاج إلى نظرية ينبغي إثباتها فأمام هذا السيل من الحقائق لم يعد في الأمر مؤامرة تدبر بليل أو في الخفاء كما يقولون ولكنها تصرفات واضحة للعيان. فهل يستسلم المسلمون؟

         إن عليهم أن يتكاتفوا وأن يثيروا الإعلام ضد أي تصرف يرون فيه تعصباً ضدهم. وحتى يكون الكلام عملياً أقـدم هذا الدرس الدكتور روبرت نيومان في محاضرة ألقاها في المؤسسة المتحدة للبحوث في واشنطن أجاب فيها على سؤال لشاب عربي تأكد له أن الجيش الأمريكي يمارس التفرقة العنصرية ضده حيث لم يستطـع الحصول على الترقية التي يستحقها بسبب أن الوظيفة الأعلى تتطلب معرفة بعض الأسرار وهو غير مسموح له بالوصول إليها. وذكر الشاب أن بعض المهاجرين الجدد من رومانيا ودول أوروبية أخرى استطاعوا الوصول على هذه الرتب مع أنه من الجيل الثالث في أمريكا. فقال له نيومان عليك أن تزعج السلطات بالاتصال بوسائل الإعلام ولا تيأس فلو حصل هذا ليهودي لما سكت أبداً. وأضاف نيومان المثل الذي يقول نقطة ماء تجعل الصخر فارغاً من النصف أو كما يقول المثل العربي كثرة الطرق تليّن الحديد. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق