الأربعاء، 28 ديسمبر 2016

لقاء في صحيفة الاقتصادية يوم كنت مرغوباً

أكّد أن التفكير الأحادي سبب تخلف المسلمين د. مازن مطبقاني لـ "الاقتصادية":
باحث أمريكي تساءل: لماذا لإسلام قسّم الناس إلى أقسام كثيرة؟
الجمعة الموافق 18 إبريل 2008 العدد 5303
أكد الدكتور مازن مطبقاني الأستاذ في جامعة الملك سعود أنه طالب بدراسة الغرب منذ عاد من دراسته في التسعينيات الهجرية (السبعينيات الميلادية) وقال إن الغرب درس العالم العربي والإسلامي وشكل فريقا مدعوما من الحكومات ولذلك تقدم وعرف كل شيء عنا ونحن لم نتقدم خطوة للأمام، وأوضح أن العلماء الغربيين عندما يجدون من يقارعهم بالحجة يتراجعون عن أفكارهم والتصورات التي علقت في أذهانهم ولذلك كان لي مع بعضهم مناقشات مفيدة. وتحدث المطبقاني عن أمور أخرى متعددة وركز على ضرورة الاهتمام بالجانب البحثي من قبل الجهات ذات الاختصاص في العالم العربي والإسلامي فإلى الحوار:
نشاطات هائلة
دكتور مازن عندما يقلب أي شخص النظر في سيرتكم الذاتية يرى ما شاء الله كمّاً هائلاً من النشاطات والأعمال في المجالات العلمية والعملية وصولاً إلى الإعلامية. كيف بعد توفيق الله سبحانه وتعالى تحقق لكم ذلك؟
كما ذكرت أن أول أمر هو توفيق الله عز وجل، فإن الإنسان إن ركن إلى اجتهاده فربما يكون اجتهاده هو الذي يقضي عليه. فالتوفيق ثم التوفيق هو أهم أمر أعتقد أنه قادني إلى القيام بهذه الأعمال التي يمكن أن تراها كثيرة، ولكني في الوقت نفسه أراها إنجازات متواضعة جداً.
ولكني أقول إن الإنسان المسلم عليه أن يدرك أنه يحمل مسؤولية كبيرة، وعليه أن يبذل الجهد ليؤدي هذه المسؤولية. وأريد أن أبوح لك وللقراء بأمر ربما لا يعرفه الكثيرون وهو أنني بعد أن حصلت على درجة الدكتوراة بدأت في الكتابة إلى الأندية الأدبية أعرض عليهم رغبتي في إلقاء محاضرات لديهم، وكان من هذه الأندية نادي مكة المكرمة، نادي جازان، نادي جدة، نادي الباحة، نادي الرياض، ونادي حائل. أما أندية أبها والمنطقة الشرقية فقد تعرفت إلى إخوة كرام يعملون فيهما فطلبت إليهم أن يسعوا لدى الإدارة لتوجيه الدعوة لي لتقديم محاضرات. أما نادي المدينة المنورة الأدبي فقدمت فيه محاضرة قبل حصولي على الدكتوراة وبناء على اقتراح منّي. أما لماذا استخدمت هذا الأسلوب فالأمر بسيط: المسؤولون في هذه الأندية لا يعرفون من مازن مطبقاني، وأنا في حاجة للبحث والدراسة فكل محاضرة كانت تصبح بحثاً أكاديمياً يصلح للنشر في أي مجلة علمية محكمة. بل إنني سعيت لإلقاء محاضرة في المجمع الثقافي في أبو ظبي عن طريق الأخ الدكتور محمد الركن.(فكّ الله أسره)
مواقف في الجامعة
لكم تجربة ثرية في مجال الاستشراق فهل هناك موقف معين دفعكم للدراسة في هذا المجال؟
ليس الأمر مرتبطا بموقف واحد معين، ولكنها مجموعة مواقف، ربما كان أولها رغبتي الشديدة إلى السكنى في المدينة المنورة لأكون في مدينة الحبيب، صلى الله عليه وسلم، وثانياً لأكون بجوار والدي لعلي أكسب رضاهما.(رحمهما الله) ولما أتيحت لي الفرصة للالتحاق بكلية الدعوة في المدينة المنورة قسم الاستشراق لم أعرف عن دراسات تناولت الاستشراق بعمق وتفصيل، ولكن كان الكتاب المقرر علينا في التاريخ الإسلامي في السنة الأولى في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، قسم التاريخ هو كتاب الدكتور حسن إبراهيم حسن تاريخ الإسلام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. فوجدت كثيراً من آراء المستشرقين مبثوثة في الكتاب يعزوها المؤلف لأصحابها أحياناً وأحياناً ينتحلها لنفسه. وقد كتبت عشر ورقات أنتقد فيها الكتاب، ما تزال مسودتها لدي، وكان ذلك في عام 1394هـ. والذي قادني للوعي بانتقاد المستشرقين أو الحس النقدي أنني ابتعثت إلى الولايات المتحدة بعد حصولي على الثانوية عام 1388هـ، وكان لدي بعض الحس النقدي فقوي هناك لما يعرف عن المناخ العلمي والفكري والسياسي في أمريكا وأوروبا عموماً.
وشاء الله أن ألتحق ببرنامج الماجستير في قسم التاريخ في جامعة الملك عبد العزيز أيضاً عام 1399/1400هـ فكان معظم الأساتذة ممن درس في الجامعات الغربية فكانوا يبثون الاهتمام والاحترام لكتابات الغربيين.
طمس الهوية العربية الإسلامية للجزائر
ثم كان اختياري لموضوع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية فكان عليّ أن أقرأ صحف الجمعية ومجلاتها وكتابات أصحابها فاطلعت على أثر المستشرقين في توجيه الحياة الفكرية والثقافية في الجزائر، وكان من ذلك جهودهم الحثيثة لطمس الهوية العربية الإسلامية للجزائر، ومحاربة المعتقدات الجزائرية، والطعن في القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهرة. فلم تكن قراءاتي في أدبيات الجمعية فقط لإعداد البحث ولكن تثقفت بالوضع الثقافي والفكري والاجتماعي لهذا البلد العربي المسلم العظيم. وكان مما قرأت ردود الشيخ عبد الحميد بن باديس وصحفه ومجلاته على كتابات المستشرقين، وتوجيه النقد إليهم لارتباطهم بالحكومة الفرنسية والعمل على خدمة أهداف الاستعمار.
كما أفادني في توجيه اهتمامي بالاستشراق أنني بعد أن عدت من الولايات المتحدة وبدون شهادة كنت أبحث عن وظيفة فأفدت من الوقت بالقراءة في بعض الكتب التي كان يقرؤها كثير من الشباب مثل كتب أبي الحسن الندوي ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، وكتب أبي الأعلى المودودي وكتب محمد محمد حسين حصوننا مهددة من داخلها، والإسلام والحضارة الغربية، وكتب يوسف القرضاوي حتمية الحل الإسلامي، وكتب محمد قطب ، وسيد قطب ، وكتب محمد سعيد رمضان البوطي، وسعيد حوى وغيرهم. أفادتني هذه الكتب بأن الإسلام والمسلمين يتعرضون لهجوم شرس من الغرب الذي احتل البلاد وعبث بمناهجها الدراسية، وشجع الابتعاث إلى دياره ليربي عدداً من أبناء المسلمين على عينه ليكونوا له عوناً وسنداً.
وبالفعل لمّا أنشئ قسم الاستشراق عام 1403هـ لم يكن هناك اهتمام بالاستشراق اهتماماً مؤسساتياً إلاّ بجامعة الإمام حيث أنشئت وحدة الاستشراق والتنصير في مركز البحوث في الرياض وعمل بها أساتذة كبار من أمثال الدكتور محمد فتحي عثمان وقاسم السامرائي والسيد محمد الشاهد. وأنتجت بعض الأعمال المهمة في هذا المجال. وكانت هناك كتابات متفرقة مثل ما جاء في كتاب الدكتور محمد البهي "الفكر الإسلامي الحديث" وصلته بالاستعمار الغربي حيث ترجم البهي مقالة عبد اللطيف الطيباوي "نقد المستشرقين الناطقين باللغة الإنجليزية" وقدم تصنيفاً للمستشرقين. وكانت هناك جهود متفرقة في مجلة "الرسالة" وبعض مشايخ الأزهر. وكان أبرز جهد هو ما قام به الدكتور مصطفى السباعي ـ رحمه الله ـ في كتابه السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ولو كان للدكتور السباعي تلاميذ أخذوا عنه هذا الاهتمام لسبقتنا سوريا بعشرات السنين، ولكن شاء الله أن يدخر هذا الفضل لهذه البلاد بتأسيس هذه المؤسسات الكبيرة.
يعاني العالم الإسلامي من الإهمال في الدراسات الأكاديمية في مختلف المجالات وخصوصاً في مجال الدراسات الإسلامية والاستشراق حيث لا تتوافر الحوافز المناسبة للباحثين سواء من الجانب المادي أو المعنوي ولا يتم تقديم التقدير المناسب للعمل البحثي إلى ماذا تعزو ذلك؟
دون شك أننا في حاجة إلى الاهتمام بالبحوث والدراسات في شتى المجالات وجامعاتنا من المستحسن أن تكون لها مشاركة فاعلة في هذا الجانب والمساهمة في سد هذا العجز خصوصا أن البحوث العلمية والدراسات تعيشان معاناة كبيرة في العالم العربي والإسلامي أسوة بالمعاناة في المجالات المختلفة. ولعلي استشهد بكلام نفيس من كتاب الدكتور فاروق حمادة وعنوانه أسس العلم وضوابطه في السنّة النبوية، وقد تناول المؤلف فيه أهمية العلم في الإسلام منذ نشأته في المدينة المنورة، وقال ما نصّه:" إن الأمة الإسلامية في بدء أمرها سادت بالعلم والتمسك بهذا المفهوم وإعلاء شأنه، وفي انحدارها انتكست بتنحيته والإعراض عنه، وهاهي تدفع ثمن المعرفة والعلم غالياً؛ فهي مستهلِكة لسلعة غيرها بأبهظ الأثمان ولا بد من إعادة مفهوم السيادة العلمية والمعرفية لشرايين الأمة الميتة لتدب فيها الحياة من جديد، ولا بد من إشاعته وجعله مقياساً أسمى في حياة الأمة وعطائها".
وقد مررت بتجارب شخصية وجدت أن العلم والاجتهاد يواجهان بالعقبات والعراقيل والاستهزاء والسخرية، ويعدان نوعاً من التمرد وهذا والله فهم سقيم للنظام فمدير جامعة صرح ذات مرة لأحد أعضاء هيئة التدريس قائلاً:" لا تظن أن التفرغ العلمي من حقك، بل هو أمر تمنّ به الجامعة عليك." فكيف تظن أن أستاذاً يبدع في هذه الأجواء. والحقيقة أن بلادنا حين أتاحت فرصة الدراسات العليا الابتعاث كانت ومازالت تهدف إلى الإفادة من طاقات أبنائها، وتنتظر منهم أن يسهموا في نهضة البلاد وتقدمها العلمي لا أن يتقوقعوا ويعيشوا في بروج عاجية أو يستسلموا لفهم عقيم للنظام.
حوارات مع المستشرقين
هل كانت لكم حوارات مع بعض المستشرقين الغربيين في المؤتمرات التي تحضرها ؟
من الصعب الحديث عن النفس، ولكني سأذكر أن المستشرقين يتطلعون إلى مشاركاتنا في مؤتمراتهم وندواتهم، وهي في الغالب مشاركة ضعيفة وتخضع في كثير من الأحيان للمجاملات، وتكون ضعيفة أحياناً حين نختار الأشخاص الذين تنقصهم الكفاءة لتقديم بحوث علمية متميزة أو لإجراء حوار حقيقي. فقد شهدت مؤتمراً في هولندا شارك فيه عدد من العلماء من بلد عربي لم يكن أحد منهم – تقريباً - يتقن أي لغة أجنبية. وحتى لو كان المستشرقون يعرفون العربية فكثير منهم معرفتهم لا تسمح لهم بالنقاش والحوار الطويل باللغة العربية.
وقد كنت أتحدث ذات مرة مع الدكتور أحمد الخراط فأشار علي بتدوين بعض مشاهداتي في هذه المؤتمرات. ولكني سأذكر بعض هذه الأحداث دون تعليق. في مؤتمر لمعهد بيروت للاتصال بالجامعة اللبنانية الأمريكية تحدث باحث أمريكي من جامعة سياتل في ولاية واشنطن (أقصى غرب الولايات المتحدة) عن التنميط في الإسلام فأشار إلى أن الإسلام قسّم الناس إلى أقسام كثيرة منها المرأة والرجل والصغير والكبير أو البالغ والقاصر، والحر والعبد، والحاضر والباد وغير ذلك. فكان لي حوار معه أن هذا التقسيم إنما قصد منه تحديد الحقوق والواجبات وتنظيم أمور المجتمع، أما الإسلام فإنه يحارب التنميط الذي يؤدي إلى التمييز والتفرقة والتحيز وهضم الحقوق، وأشرت إلى الحادثة التي وقعت بين أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وبلال بن رباح رضي الله عنه، وكيف عيّر أبو ذر بلالاً بأمه، فما كان من الرسول، صلى الله عليه وسلم، إلاّ أن غضب وقال:(أعيّرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية)، فما كان من أبي ذر إلاّ أن وضع خده على الأرض ليطأ عليه بلال اعتذاراً وندماً. وسمعت زوجتي التي كانت تحضر المؤتمر معي كيف أن البعض كان مسروراً بهذا الكلام عن الإسلام. وبعد يوم من تلك الجلسة تقدم إلي أستاذ علم الاجتماع في الجامعة نفسها ليقول إنه وتلاميذه خصصوا محاضرة كاملة للحديث عن تعليقي. أما المستشرق فقد أشاد بتخصصي في الاستشراق وقبل ما قلت.
وفي مؤتمر علمي في بولندا انتقد أحد المستشرقين الباحثين المسلمين أنهم يلجأون إلى الدفاع التبريري وامتداح الإسلام، وأشار إلى أن علينا أن يكون لدينا حس نقدي لنقد الإسلام وأوضاع المسلمين. فقلت له وأنتم أيها المستشرقون هل منكم من ينتقد الاستشراق وأهدافه وارتباطه بالمصالح السياسية والاقتصادية والثقافية لبلادكم. انظر إلى الفرنسيين كانوا يطلقون على الجزائريين في فترة الاحتلال أنهم يكرهون الأجنبي. فقلت له هذا الأجنبي الذي يعيش في أجمل الأحياء ويعيش في القصور وفي ترف بينما كان معظم الشعب الجزائري يعاني من المرض والفقر والجهل. ألا يحق له أن يكره هذا الأجنبي. ثم إن الفرنسي إن أحضر خادمة إلى بيته أطلق عليها (فاطمة) وإن أحضر خادماً رجلاً أسماه محمداً، إلا يحق للجزائريين أن يكرهوا الفرنسيين؟ فسكت المستشرق.


شاعر وأجوبة مسكتة

مازن شاعر وأجوبة مسكتة
·       هو المدير القزم مهما تطاول قامة (كان قصيرا) خفيض الصوت (تصنعا) عسى الله
 وبس
·       كنت أقف بباب الإذاعة في الرياض فإذ بأحدهم يستأذن في الدخول يتأبط مشلحاً ومعه قصيدة للوطن قلت مرحى بها سينهض
·       قلت فيه هو المعهد العالي علوا بباطل وزروا وزيفا وبهتانا. وبس
·       و كنت لا أطيل المكوث لأن مكانهم عندي يشبه وادي محسّر وهو من وديان النار ينبغي الإسراع إذا وصله الحاج
·       قلت له عندما أحضر لكليتكم أتذكر الموت مرتين مرة الموت الحقيقي حين أمر بالبقيع والثانية حين أصل فأرى الموت المعنوي
·       لمّا رأى صراحتي في كلية الدعوة بالمدينة قال تحتاج يامازن علاج قلت العلاج ممكن ففي الحديث والمجنون حتى يفيق أما أنتم فلا فائدة والموتى يبعثم الله

الثلاثاء، 20 ديسمبر 2016

الآثار السلبية والإيجابية للاستشراق


وجّهت إلي إحدى الصحف المحلية (التابلويد) أسئلة حول الاستشراق، ولكنها نشرت الموضوع مختصراً اختصاراً مخلاً، فشعرت أنها خيانة حقيقية أن تطلب من متخصص أن يجيب عن أسئلتك ثم لا تعطيه المساحة الكافية أو لا تقدر الموضوع حق قدره وفيما يأتي إجاباتي حول سلبيات الاستشراق وإيجابياته.
        فأول السلبيات أن الاستشراق سعى وما زال يسعى إلى صياغة العقول والأفكار بناء على التوجه الفكري الغربي، فقد كان من أبرز أعمال الاستشراق كما أشار الأستاذ الكبير محمود شاكر في كتابه (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) إلى قضية الابتعاث التي بدأت في عهد محمد علي سرششمة بمشورة من مستشاره المستشرق جومار. وانطلقت البعثات ليتم صياغة العقول وفقاً للتوجهات التي كان يريدها الاستشراق ومازال. وعادت إلينا أفواج بعد أفواج من الذين تتلمذوا على أيدي المستشرقين فبدأ كثير منهم في حملات التشكيك والطعن في الإسلام من النواحي العقدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية.
        فالطالب العربي المسلم يبدأ في الدراسة على أيدي المستشرقين الذين يصبحون شيوخه وأساتذته وبعضهم يملك شخصية مؤثرة أو حتى طاغية أو شخصية كارزمية فيصبح الطالب مسلوباً من أستاذه، ورأيت من هؤلاء التلاميذ من يقبل رأس شيخه المستشرق ويقبل كتفه وربما يقبل يديه. وإن كان هذا المستشرق يكن حقداً على الإسلام (وكثير منهم كذلك) فأي علم سوف يتلقاه هذا الطالب المسكين؟
        إن سلبيات الاستشراق لا تتوقف عند المرحلة التي يتلقى فيها الطالب العربي المسلم العلم على أيديهم بل يسعى بعضهم إلى أن تستمر هذه الصلات بطرق كثيرة مختلفة. فقد رأيت الطلاب والأساتذة يجتمعون في مؤتمرات وندوات، وفي مشروعات علمية. بل يحرص بعض الطلاب أن يأتي بأستاذه ليكون مستشاراً له أو لحكومة بلاده إذا تولى منصباً مرموقاً وقد ذكر جمال سلطان حين حضر أحد المؤتمرات العلمية الكبرى حول الشرق الأوسط كيف حضر المستشرقون وتلاميذهم يرددون الأفكار نفسها والرؤى والآراء.
        ومن سلبيات الاستشراق أن الذين تتلمذوا على يدي أساتذتهم المستشرقين عادوا ليبثوا كثيراً من سموم الاستشراق كما سماها الشيخ أنور الجندي رحمه الله(له كتاب بهذا العنوان) في كتبهم ومؤلفاتهم وفي دروسهم, تصور أننا كنّا ندرس في الصف الأول المتوسط عام 1382/1383هـ، (1962/1963م) فوائد البنوك الربوية البسيطة والمركبة دون أن يقول لنا أحد أن ذلك هو الربا فالمسألة مسألة حسابية فقط، حتى تغيرت المناهج في هذه النقطة وبقيت أفكار كثيرة يبثها تلاميذ المستشرقين وإن لم تكن موجودة في الكتب.
        والحديث عن الآثار السلبية للاستشراق لا يتوقف عند هذه الأسطر ولكني أجملت لك بعض هذه الآثار. وأختم بالآية الكريمة (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (آل عمران 69).
أما الحديث عن إيجابيات الاستشراق فأبدأ بالقول إنه من الصعب  أن تحكم على الاستشراق كله بأنه سلبي، فلا بد أن يكون لهذا الفرع المعرفي بعض الجوانب الإيجابية حيث إن من المستشرقين من كان صادقاً وأخلص في دراسته وتعلمه للإسلام ولم يقبل أن يكون أداة في أيدي الاستخبارات الغربية بل قدم الإسلام تقديماً جيداً منصفاً معتدلاً، وبعض هؤلاء قد وصل إلى الإيمان وما هي إلاّ إرادة الله عز وجل إن شاء هداه إلى الدين، وإن بعضهم قد آمن.
        وينسب للمستشرقين البدء في تحقيق كثير من المخطوطات العربية والمحافظة عليها وفهرستها، وقد يرى البعض أنهم لو لم يهتموا بمخطوطاتنا ويضعون لها الفهارس ويحفظونها لضاعت منذ مئات السنين. وأما ما قاموا به من تحقيق فإن الأمر يحتاج إلى دراسة فهل أخلصوا في التحقيق وأجادوا، فربما أجادوا كما أن بعض الباحثين العرب والمسلمين وجدوا لهم أخطاء طوام في التحقيق.
        أما ما ينسب لهم من فهرسة الحديث الشريف التي زعموا أن فنسنك قام بها فإنما قاموا بها لتسهل مهمتهم أصلاً كما أن تلاميذ هذا المستشرق من العرب والمسلمين هم الذين قاموا بالعمل تحت إشرافه كما أكد ذلك الدكتور قاسم السامرائي على أخطاء في مثل هذه الأعمال.
        وإيجابيات المستشرقين أنهم نبهونا إلى الفكر الغربي ونظرته إلينا من خلال ما كتبوه وما ناقشوه ومن خلال تأثيرهم في أبنائنا وفي العالم بأجمع، ألا ترى الياباني أو الكوري أو أي جنس آخر إن أراد أن يدرس عن الإسلام والمسلمين ذهب إلى الغرب ليدرس على يديهم.
        وأود أن أضيف إيجابية للمستشرقين أنهم عندما أعلنوا لبعض طلابهم كرههم للإسلام وبغضهم ثارت الحمية في نفوس بعض الطلاب فعادوا إلى دينهم وأصبحوا من كبار المنافحين عن الإسلام وحرصوا على فهمه والتعمق فيه وأضرب لذلك بالدكتور مالك البدري الذي كان يدرس في الجامعة الأمريكية في بيروت وكذلك الدكتور إسحق الفرحان.  وإن كان المستشرقون لم يقصدوا إلى ذلك.


الثلاثاء، 13 ديسمبر 2016

عندما تصبح القيم فريسة للمادة!!


منذ أن عرف الإنسان كلمة الحضارة وهو جاد في تعريفها ودعم هذا التعريف بقوى تحافظ عليها من المعتدين، أولئك الذين ملك الحسد عليهم قلوبهم وعقولهم فذهبوا مذاهب شتّى في خلق المبررات لاجتياز هذا الحاجز وتحطيم حضارة كان بإمكانهم الأخذ منها وتقديم العطاء لها ، ولكنهم بطبعهم الشرس التفوا حول هذا السور آتين مرة طالبين العلم ومرة أخرى هرباً من جحيم عاشوه ومرة ثالثة بقصد التعامل المادي وتبادل المنافع ومرة رابعة شاهرين أسلحتهم معلنين العداء ولكنهم في أي الأحوال يحملون معهم أدوات تطفئ النور إذا اشتعل وتقتل أنواراً مشتعلة وهم لا بد مصيبون بعض النجاح وإلّا لما بادت حضارة وازدهرت أخرى من بعدها.
وحضارتنا الإسلامية حين خبا نورها كانت عرضة لمن ادعوا حب المشرق فتعلموا علومة وكادوا له لأنهم على دراية تامة بأسراره.
وجاء أصحاب الصليب يزعمون أن القدس لهم فاحتلوها ولكنهم أخفقوا في الحفاظ عليها وظل الشرق طويلاً في يدي المغرب يلعب به كيف شاء.
يقال إن أمريكا اكتشفت، ولكن هل تكتشف أرض فيها تاريخ وحضارة ولهم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والدينية؟ إذن لنقل بأن الأوربيين في فترة ما من نهضتهم عنوا بالرحلات الاستكشافية والبحث عن خيرات غير تلك التي في بلادهم فوصلت سفينة كولمبس إلى شواطئ أمريكا وتبعه بعد ذلك الكثير من المهاجرين إلى ما يسمّى العالم الجديد وكوّنوا مستوطنات في أماكن مختلفة وكثير منهم ظل على السواحل الشرقية إما خوفاً من التوغل في هذه الأرض العجيبة أو طلباً للراحة من عناء رحلتهم الطويلة.
وكانت بريطانية في عز وزعامة حكمت العالم وجعلته مستعمرة لها إلى أن ثارت ثائرة الأمريكان فطردوها ..ثم اجتمع قادة هذذا الشعب المتحرر حديثاً وقرروا اتخاذ دستور ليحكمهم وينير لهم الطريق وينظم شؤون حياتهم ... كان هؤلاء "الآباء المؤسسسين" لا زالوا على اتصال طيب بالدين ففي الدستور كثير مما يبرهن على ذلك فالقاعدة الذهبية تقول" اعمل لغيرك ما تحب أن يعملوه لك" ولا تخالف حديث رسولنا صلّى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يُحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه)، ثم كانت هناك صلاة يؤديها أطفال المدارس كل صباح ، وكان لهم عيد للشكر، يوماً تتجه فيه القلوب إلى الله بالحمد والثناء أن منّ الله عليهم بهذه الأرض الطيبة ، والكنائس كانت مزدهرة، وغير ذلك مما يدل على أن هناك قيماً أخلاقية عالية وأمانة صادقة، ولكن وُجد الذهب واكتشف البترول وجادت الأرض وهاجرت الأدمغة من كل حدب وصوب فانتعشت المادة وضاع غيرها ، فالحضارة أي حضارة لها مراجل معروفة تمر بها إلى ان يُقال بأن تلك الحضارة بادت.
فللحضارة مقومات تقوم على تطويرها واتساع رقعتها كما تساعد على استمرارها ومن أهم هذه المقومات القيم العليا التي لا أروع من الإسلام مفسراً لها فقال تعالى (وإنّك على خلق عظيم) وقوله صلّى الله عليه وسلم (إنّما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)
ولا داعي هنا لأطيل في الموضوع فغايتي أن أقدم صورة لما رأيت في الولايات المتحدة من ضياع مميت ، ضياع لا بد منه، فالشمعة أصبحت نيراناً محرقة ولا قدرة لمن استنار بها واستدفأ على أن يسيطر عليها ولا هي بقادرة على مساعدتهم.
وسواء طال الأمد أم قصر فتلك القيم التي كانت خير منبت للحضارة الأمريكية بدأت في التراجع وسلوك طريق الخيبة فألغيت الصلاة في المدارس وراحت القاعدة الذهبية في مغاور النسيان وملابس النساء التي كانت تلامس الأرض بدأت في التراجع إلى الأعلى بالتدريج إلى الركبة ثم إلى ما فوق الركبة، ثم طالب من طالب بإلغاء القسم الديني في المحاكم ، ثم نادت جماعة بإنشاء كنائس للملحدين وكذلك بإعطا تبرعاتهم إلى هذه الكنائس معفاة من الضرائب أسوة بالتبرعات الأخرى.
ودخل إلى المجتمع تقليعات مختلفة فطالت الشعور عناداً ومكراً وانتشر الحشيش سراً وعلناً واستوردت المخدرات وسرقت غصباً وعنفاً وازدادت الجريمة.
قيل إن العلم قد تقدّم والتقنية قد بلغت القمة فمان عملاً مرهقاً في السابق أصبحت تؤديه الآلات فقلت أعمال ربّات البيوت فخرجن للعمل بجانب الرجل فكان إغراؤهم يفوق المنفعة فكان من نتيجة هذا التقدم أن زاد تلوّث الجو والماء، وأسرعت الحياة فلا وقت للتحية ولا وقت للعلاقات الإنسانية أن تنشأ بل إنها بدأت تتحطم وعمّت الجريمة وهذا بول هارفي المعلق التلفزيوني الشهير يقدم إحصاء يقول بأن الشباب في شيكاغو بين سن الثامنة عشر والرابعة والعشرين يموتون لأسباب أولها القتل ....ولا يقتل المجرم إنساناً يعرفه ويحقد عليا سابقاً بل إنه يقتل إنساناً لا تربطة به أية رابطة.
كل هذا وأكثر حاصل في أمريكا يريد بها نزول سلم الحضارة نزول سلم الإنسانية الرحيمة التي لا يمكن أن تكون إلّا بقيم عالية.
وهنا بدأ البحث عن العلاج والبحث طويل فليس للكنيسة أي اعتبار كذلك الذي كان في الخمسينيات أو قبلها ولا أباً يحمل نفس الحب الذي حمله له أبوه ولا مدرسة تعني بطلابها كما عنيت في السابق، فالمدارس الآن تعرف طلابها بالأرقام فقد فقد تضخمت ولا يعرف فيها إلّا من شذّ والشواذ أصبحوا كثيرين.
بدأ البحث عن عقيدة ...بدأ البحث عن مهرب من هذا الجحيم أتاهم البهائيون من الخارج وقالوا بوجدة الأسرة البشرية وجعلوا الرسالات كلها واحدة؛ الرسالات السماوية والدنيوية. خلطوها جميعاً فضاعت جميعاً وتبع الأمريكان وهكذا ازدهرت البهائية وأسست لها مراكز عدة وبدأت تجمع المال بالطرق الأمريكية المعروفة.
ثم أتى أولئك الذين يؤلهون "كرشنا" يلبسون قطعتين من القماش البرتقالي حالقي رؤوسهم إلّا من شعر قليل في المقدمة أو المؤخرة ونقطة بيضاء على جباههم كأنها قطرة حليب قد سالت وجفت ويدورون في الشوارع بأفكار غريبة يبيعون لكتاب تلو الآخر وهي كتب لا تحمل سوى صور زاهية الألوان، ثم هناك ولائمهم الكبيرة التي يسمونها بالأعياد يدعون إليها الناس ويطلبوا منهم التبرعات حال حضورهم. ويقول الخبيرون بالأمر إن هؤلاء شحاذون محترفون يملكون أموالاً طائلة.
أما هم في الحرم الجامعي فطبول تُقرع وأغان تردد "هاري كرشنا، هاري هاري. ما هي وما مغزاها  ولكن هناك من الأمريكان من يسقط في حبائلهم ويرددون معهم كالببغاء لا تفهم ما تقول.
وحركة أخرى لا بد لي من ذكرها تلك هي حركة اليسوعيين في هستيريا لا شبيه لها ولا يستطيع أحد الهرب من شرورها فما وجد أحدهم طالباً يجلس وحده إلّا وذهب للحديث معه مخرجاً إنجيله من جيبه ليقرأ ويقرأ فو تبين أن الضحية تؤمن بدين آخر لانبرى مبيناً له أخطاء كل الأديان عدا اليسوعية.
وطريقة أخرى هي مهاجمة الطالب المنغمر في دراسته بقصد إجراء إحصاء ما فيقول الطالب في نفسه ما هي إلّا دقائق معدودة ويذهبون ولكنه سرعان ما يكتشف خطأه حين يبدؤون بقراءة الإنجيل وقص قصتهم مع هذه العقيدة التي أنارت لهم الطريق فأبعدت عنهم الأمراض النفسية وأخذت بأيديهم في الدراسة وحببت فيهم النساء وما إلى ذلك.
وطريق ثالث هو كتيب صغير يحوي أربع قواعد تقرب الإنسان من ربّه فسؤالهم الأول هل سمعت بهذه القواعد الأربع فربما يكون الجواب لا ، فبسرعة خاطفة يتناول الكتيب ويبدأ في شرحها مستعيناً بإنجيل بين يديه.
وهم في هذه الطرق وتلك يؤمنون إيماناً تاماً بأن من لم يتبع طريقهم إنسان ضائع مريض نفسياً وغير ذلك مما لا يحب أحد أن يوصف به.
إن حركة اليسوعيين جعلت من المسيح إلهاً عوضهم عن الخمر والمخدرات وعوضهم عن كثير من البحث والضياع لكنها جعلتهم يركنون إليه في حل مشكلاتهم وتدبير أمورهم فلا جهاد ولا اجتهاد.
ثم يأتي إلى أمريكا وهي في عصر الفضاء جماعة من السحرة والمشعوذين يقولون إن هذا الشعب يريد الملذات بدون أي نوازع دينية أو عقلية أو إنسانية فيهيئون له المكان والجو الملائمين ويجرون الأتباع وراءهم.
ولا تقف مرحلة الضياع عند هذا فما بالك بمن سجد لصورة وهم كذلك فاعلون فقد أرسل الشاب الهندي (15 سنة) الملقب بالسيد الكامل ممثلين عنه إلى إحدى الجامعات ليدعوا الناس إلى أفكاره والحديث عنه وكانت معهم صورة له ففي بداية الاجتماع وقف الممثلون أمام الصورة صاغرين خاشعين وسدوا لها.
ولكن هناك من الأمريكان من يعارضهم في اجتماعهم هذا حيث سأل أحدهم ولكن ما بالكم تسجدون لصورة وما هذه البقعة الحمراء في جباهكم، هل لي أن أعرف من هو إلهكم؟ وحاروا في الأجابة.
هذا ليس كل ما رأيت وعرفت ولكني أعدكم بأنا أعاود الحديث بتفصيل حتى أُثبت لإولئك الذاهبين في جنون خلف الغرب وضياعه بأن لدينا ما يغنينا عنه ألا هو الإسلام.


نشرت في جريدة المدينة المنورة العدد (2888) في 30 شعبان 1393هـ الموافق 27سبتمبر 1973م


الأربعاء، 7 ديسمبر 2016

مقدمة كتاب جديد (من المدينة المنورة إلى العالم العربي: سياحة مؤتمراتية علمية)

المقدمة
انطلقت رحلاتي من المدينة المنورة بحثاً عن المعرفة والفائدة والسياحة فكان لا بد أن أبدأ بها ولا بد أن أذكر أنني تخرجت في القسم العلمي ولم أكن أحصل على أكثر من 7 من عشرة في التعبير ولم تبد لدي أي موهبة للكتابة على الرغم من أنني كنت أحب القراءة ولكن شاء الله أن أكتب بعد عودتي من الولايات المتحدة التي قضيت فيها خمس سنوات دون أن أحصل على شهادة جامعية ولكني تعلّمت اللغة الإنجليزية وفهمت أمريكا والغرب نوعاً ما حتى إذا بحثت عن وظيفة كان من أول المتطلبات شهادة جامعية لكني حصلت على وظيفة في الخطوط السعودية نلت في أثنائها درجتي الباكالوريوس والماجستير في التاريخ
ثم التحقت بقسم الاستشراق بالمعهد العالي للدعوة الإسلامية في نهاية عام 1406هـن (1986م) وبدأت مشوراً علميا مختلفاً وهو مشوار الحصول على الدكتوراه في الاستشراق أو الدراسات الإسلامية عند المستشرقين وحصلت عليها بعد معاناة طويلة أحمد الله أنني كنت أول من حصل على الدكتوارة في ذلك القسم.
وهنا بدأت رحلاتي العلمية لحضور المؤتمرات وكان القليل النادر منها للسياحة والاستجمام وكنت أحمل دفتراً أقيد فيه ذكرياتي كما إنني كتبت في جريدة "المدينة المنورة " حوالي ثماني سنوات كنت أنشر بعض ملاحظاتي في السفر، كما أنني بعد ذلك أصبحت أحد أعضاء منتديات الطلاب والطالبات في الجامعات في المدينة وجدة والرياض فكنت أنشر بعض ذكريات الرحلات .
وكانت رحلاتي إلى البلاد العربية وإلى أوروبا وأمريكا وإلى جنوب شرق آسيا، فأحمد الله أنني نشرت رحلاتي إلى بلاد الإنجليز ورحلاتي إلى أوروبا ورحلاتي إلى مشرق الشمس ورحلاتي إلى أمريكا ورحلاتي إلى المغرب العربي، ويأتي هذا الكتاب ليتمم هذه الرحلات بزيارة الدول العربية ولكني بدأت هذه الرحلات بالمدينة المنورة وحائل وينبع، وكم كان بودي أن أكتب عن جدة التي قضيت فيها حوالي ثلاثة عشر سنة. وتتضمن هذه الرحلات الانطباعات والملاحظات والذكريات وتقارير المؤتمرات.
وقد قرأت بالأمس عن كاتب روائي هو الأستاذ خالد الكندي أنه تأثر بعدد من الرحّالة وكان ما قاله "وهذا ما قاله:
في أيامي الجامعية اقتطعتُ وقتاً لمطالعة كثير من الروايات البوليسية والأعمال الأدبية، وتأثرت كثيراً بأسلوب نبيل توفيق في رواياته ولاسيما سلسلة رجل المستحيل، وأعجبني أسلوب خالد محمد خالد في رجال حول الرسول، وظللت سنوات طويلة من حياة الجامعة إلى حياة التدريس الجامعي أقرأ كثيراً من الروايات لكتّاب مشهورين مثل أغاثا كريستي، وباولو كويلو، وأوركون أوشار، وبُرَاق تورنا، وأرنست هيمنغواي، ووليام غولدينغ، وغابريل غارسيا ماركيز، ونادين جورديمر، وجون شتاينبك، ونجيب الكيلاني، والطيب صالح، كما أنني شغفت بأدب الرحلات فقرأت لتيم سيفرن، وهـ .ر .ب .ديكسون، ومازن مطبقاني، وابن بطوطة،"
فأرجو أن تجدوا في هذه الرحلات المتعة والفائدة والله ولي التوفيق
                                        الرياض في 8 ربيع الأنوار 1438هـ

                                        الموافق 7 ديسمبر 2016م

الأحد، 4 ديسمبر 2016

رسالة إلى طالبة دكتوراه

لأخت العزيزة إلهام
سلام الله عليك ورحمته وبركاته
كم سعدت أن أجد من يهتم بدراسة الغرب أو الاستغراب كما أطلق عليه حسن حنفي. أما أنا فدرست الاستشراق وكان بحثي للدكتوراه في قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة حول المستشرق برنارد لويس وطبعت رسالتي بعنوان: (الاستشراق والاتجاهات الفكرية في التاريخ الإسلامي:دراسة تطبيقية على كتابات برنارد لويس)- وقد طبعت مصوّرة من الطبعة الأولى في الجزائر لدى دار عالم الأفكار، وهي الآن تطبع الطبعة الثانية منقحة مزيدة)، ولكني ناديت ولازلت أنادي بدراسة الغرب كما يدرسنا وأن علينا أن نفهم الغرب ليس للبحث عن العيوب والسلبيات ولكن لأننا في طور بنائنا الحضاري علينا أن نفيد من تجارب الأمم والشعوب الأخرى وبما أن الغرب هو المتسيد والسيد اليوم فعلينا أن نقعد في مقعد التلميذ وقد كتبت في هذا المجال وحاضرت وكنت ضيفاً للعديد من البرامج الإذاعية والتلفازية.
أحب أولاً أن أعرف في أي جامعة سجلت رسالتك أو أين تدرسين ومن المشرف فإن كنت في المغرب فالدكتور عبد الله الشارف في القرويين بتطوان مهتم بهذا الأمر كثيراً وقد التقينا في المدينة المنورة قبل أكثر من عشر سنوات المهم ما جوانب دراستك للاستغراب هل لي أن أطلع على خطة الدراسة أو خطة البحث؟
وقد وفقني الله عز وجل لنشر دراسة أزعم أنها رائدة في الموضوع وهي (الغرب من الداخل:دراسة للظواهر الاجتماعية) كما أنني نشرت كتاباً بعنوان (رحلاتي إلى أمريكا)من منشورات مكتبة الملك عبد العزيز العامة (وستجدينه في المغرب)
أما البرامج التلفازية فتجدين بعض محاضراتي في الموقع
وقد بدأ اهتمام المسلمين بغيرهم من الشعوب والأمم الأخرى منذ الجاهلية يؤكد ذلك رحلتي الشتاء والصيف ثم لمّا جاء الإسلام انطلق المسلمون إلى مشارق الأرض ومغاربها يخالطون الشعوب ويدرسونها ويدرسون الملل والنحل وهذا البيروني أمضى في الهند أكثر من عشر سنوات عرف لغاتهم وأديانهم وعجائب عاداتهم ومعتقداتهم. أما الرحّالة المسلمون مثل ابن فضلان وابن حوقل وابن بطوطة فأمثلة رائعة على تفتح المسلمين على ثقافات ومجتمعات الأمم الأخرى.
بالنسبة لكتابي (الغرب من الداخل) تجدينه في النت ويمكنك كذلك البحث عن (مازن مطبقاني) في قوقل فستجدين كمّا كبيراً من الكتابات، وأنصحك بخاصة أن تطلعي على موقعي (www.madinacenter.com) ففيه قسم عن الاستغراب كما أن قسم المرأة والطفل فيه موضوعات كثيرة، وأيضا الإسلام والغرب.
لو عرفت تفصيلات بحثك وخطتك الدراسية فإنني على استعداد للمساعدة بما أستطيع كما أحب أن أشير إلى أن جامعة ماليزيا القومية UKM لديها مركز لدراسة الغرب بعنوان مركز إدوارد سعيد فيما أذكر وقد زرتهم قبل سنوات.
وأحب ان أنوه أننا حين نريد دراسة الغرب فعلينا أن نلتزم بالمعايير العلمية والمنهجية وأن يكون لنا أهدافنا الخاصة وموازيننا فالغرب يدرس نفسه ويمكننا أن نفيد من دراساتهم ولكننا يجب أن تكون لنا قواعدنا الخاصة وأهدافنا.
لعل الله أن ييسر زيارة لي للمغرب في صيف هذا العام مع زوجتي وأطفالي حيث إن زوجتي من المغرب فلعلنا نلتقي لمزيد من النقاش حول الموضوع
ولك أصدق التحيات
مازن مطبقاني


الثلاثاء، 29 نوفمبر 2016

الغزو الثقافي والمثقفون

 (المدينة المنورة العدد  (12486)16صفر 1418هـ  (21يونيو 199م المقال:288)



          أتعجب كثيرا من الذين يزعمون أن الغزو الثقافي أمر وهمي، هل غاب عن أذهانهم أن العالم يتسع لعشرات الهويات والمذاهب والشخصيات وأن الحضارة العربية مهما كانت قوتها ونفوذها لن تستطيع أن تمحو تلك الهويات والشخصيات؟ هل غاب عنهم ما حاولت الدول الاستعمارية أن تفعله بالشعوب العربية المسلمة التي وقعت تحت نير الاحتلال ؟
          من السهل أن أحيل القارئ الكريم إلى عشرات الكتب التي تناولت هذه القضية مثل كتاب الدكتور محمد حسين رحمه الله تعالى  (حصوننا مهددة  من داخلها، أو في وكر الهدامين) أو كتابه  (الإسلام والحضارة الغربية) أو كتابه الاتجهات الوطنية في الأدب العربي الحديث)، وأو كتاب الشيخ محمود شاكر  (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) أو كتابه  (أسمار وأباطيل) وغيرها من الكتب، ولكنني أود أن أنقل صورا من واقعنا المعاصر الذي نعيشه للغزو الفكري الذي ابتلينا به بعد أن رحل المستعمر الأبيض وحل محله المستعمر الأسمر.
          ونبدأ بالجانب العقدي فقد تأثر العالم الإسلامي الطرق الصوفية، وضعف تمسك المسلمين بالعقيدة الإسلامية من حيث حقيقة الإيمان بالله عم وجل وأن الله هو الخالق الرازق المحي الميت، وأتساءل دائما لماذا تفوق المسلمون الأوائل ؟ ولا أجد إجابة أصدق من القول بان المسألة تتعلق بالعلاقة بين الفرد وربه سبحانه وتعالى، فمتى استقامت العقيدة علم المسلم أن الرزق والحياة والموت بيد الله سبحانه وتعالى، وكم توقفت عند وصف أحد العرب الذين كانوا في الجيش الروماني في أثناء فتوحات الشام حيث قال، جئت من عند قوم ورهبان بالليل وفرسان بالنهار، والموت أحب إليهم من الحياة، وهذا مصداق لقوله صلى الله عليه وسلم،  (توشك أن تداعى عليكم الأمم كتداعي الأكلة إلى قصعتها قالوا أو من قلة نحن يومئذ قال: لا... أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
          ألم تتأثر العقيدة الإسلامية بالغزو الثقافي الذي جعل العلاقة بين المسلمين وغيرهم مسألة مصالح أو صراعا اقتصاديا وليس مسألة إيمان أو كفر. وقد تناول مؤلف كتاب  (واقعنا المعاصر) مسألة النزاعات الوطنية التي خلت من التوجه الإسلامي وكانت ترى الصراع مع قوى الاحتلال الأجنبي مسألة وطن وتراب ومصالح.
          ظهر الغزو الثقافي في مجال الأدب فكم ظهرت من دعوة في العالم الإسلامي تنادي بتبني المذاهب الأدبية الغربية في الكتابة وفي النقد حتى غفلنا أنلنا تاريخيا عظيما ولغة من أعظم اللغات في العالم. زمن العجيب أن اللغة العربية التي كتبت وقيلت منذ أكثر من ألف وخمسمائة سنة يمكننا أن نفهمها في العصر الحاضر بينما لا يمكن للناطقين باللغة الإنجليزية ما يطلقون عليه اللغة الإنجليزية المتوسطة ومنها التي كتب بها تشوسر  (حكايت كونتيري). نعم قد يصعب على بعض العرب فهم بعض المفردات العربية في الشعر الجاهلي أو في المقامات أو في بعض ما كتبه الجاحظ وهذا ليس لأن اللغة تغيرت ولكن لأن قدراتنا اللغوية ضعفت كما أننا لم نعلم أبناءنا استخدام معاجم اللغة من المرحلة المتوسطة وربما الابتدائية.
          ومن يرد أن يعرف ما حدث في ذائقتنا الأدبية فعليه الرجوع إلى كتاب الشيخ محمود شاكر  (رسالة في الطريق إلى ثقافتها). وقد أفسدت الذائقة أكثر فأكثر عندما شاع ما يطلقون عليه الحداثة وما أسميه أحيانا الكلمات المقطعة.
          ومن الغزو الثقافي اللغوي أننا في معظم جامعتنا العربية الإسلامية مازلنا ندرس العلوم والطب باللغات الأوربية فهل عجزنا اللغة العربية أن تكتب بها هذه العلوم. وها هو الدكتور زهير السباعي يكتب تربته في تعليم الطب باللغة العربية فيذكر إحصيات دقيقة أن المصطلحات الطبية في الكتب التي تدرس الطب لا تتجاوز ثلاثة بالمائة من المادة العملية. وقد أدركت هذا وأنا أساعد ابني في مادة تجهيز المختريات في كلية التقنية الطبية. فمن العبارات التي وردت باللغة الإنجليزية أن حجرة المختبر يجب أن تكون جدارنها مطلبة بلون كذا وأن تكون سعتها كذا وغير ذلك من المعلومات التي يمكن بكل سهولة قولها باللغة العربية وكذلك الحال في مواد أخرى.
          ثم ألم يكن غزوا ثقافيا ذلك الذي أدى إلى انتشار المذاهب الشيوعية والاشتراكية في الحكم في العديد من البلاد العربية الإسلامية، وحتى طغى الفكر الاشتراكي المادي على كثير من المثقفين في عالمنا الإسلامي. وانتشر التأميم في بعض البلاد الإسلامية وتضخم القطاع العام حتى أصبح معظم الشعب في بعض البلاد يعمل في هذا القطاع وكان هذا القطاع أنشئ ليس للإنتاج وإنما لتقديم رواتب للبطالة المقدمة. ومن طرائف هذا القطاع أن المكتب الواحد يحتله أكثر من موظف. بل أصبح شائعا أن يأتي الناس صباحا للتوقيع ثمّ يعودون ظهرا للتوقيع بالانصراف.
          ولعل من الأمثلة على تأثير التفكير المادي ما صرح به الأستاذ مشعل السديري في البرامج بأنه ليس هناك غزو ثقافي وأن كل ما في الأمر مصالح لدولة في دولة أخرى. فتعجبت مما سمعت وأتمنى أن أكون مخططا فيما سمعت. فكيف نغفل عن هذا التاريخ والواقع الذي أمامنا ثم نصر على حتميات المصالح وقد سقطت الحتميات في البلد الذي نشأت فيه.

          والغزو الثقافي واضح في أغراق أسواق العالم بالإنتاج التلفزيوني بأرخص الأسعار وبخاصة في مجال أفلام الكرتون الموجهة للأطفال وذلك حتى لا يقوم المسلمون والأمم الأخرى بإنتاج ما يناسبها مع تشجيع السينما التي تعد امتدادا للغزو الثقافي الغربي. أرجو أن يتصل الحديث في هذا الموضوع مستقلا. والله الموفق.

السبت، 26 نوفمبر 2016

أمريكا تحتـــــــضر

                              (*)

كان حديثي في الصفحات السابقة يتناول تجربة شخصية استطعت من خلالها النفاذ إلى أشياء كثيرة في المجتمع الأمريكي، ومع أن ما كتبته حتى الآن ليس إلاّ بقايا ذكريات دونت بعضها في دفاتري والبعض الآخر بقي في خبايا الحافظة ينطلق من مكمنه كلما أثار الحافظة أمر مهم. إلاّ أن هناك حقيقة مهمة وهي أنني ذهبت إلى أمريكا في بعثة دراسية، وكان عمري عندها ثمانية عشر عاماً، ولم يكن لدي منهج واضح في التفكير والسلوك، فلو كنت صاحب منهج وطريق لكانت مشاهداتي أعمق بكثير مما ترى، ودراستي للمجتمع الأمريكي أدق وليس هذا بطبيعة الحال اعتذار عما كتبت وأكتب ولكن حقيقة أحببت إيضاحها قبل أن نقطع منتصف الطريق مع هذه المشاهدات.
واليوم أكتب عن احتضار أمريكا ليس كخاتمة لهذه السلسلة من المقالات، فالموت هو النهاية لكل كائن حي وموت أمريكا سيكون حدثاً كبيراً بقدر ما احتلت من مكانة أيام شبابها وفتوتها، وإنما أكتب عن الاحتضار لأن هذه فترة قد تخفى عن الكثير من الناس بل ربما معظمهم لأنه تتخللها سكرات الموت، ومن رأى أحداها ظن أن أمريكا لا تموت ولكنها في الواقع صحوة سريعة الانقضاء، وهناك من العوامل التي تساعد على إخفاء احتضار أمريكا عن الأعين، سأحاول تجليتها وكشف الحقائق التي تشير إلى أن انهيار أمريكا أمر وشيك الوقوع. وإليك هذه العوامل:
        أولاً: الأجهزة الدعائية القوية التي تمتلكها الولايات المتحدة ومنها ما تتكفل بالصرف عليه كوكالات الأنباء، وهذه يديرها الصهاينة اليهود -أو لهم تأثير كبير فيه- الذين يقومون بالترويج للحياة العصرية بكل فسادها، لأن ذلك سيساعد على نقل العدوى إلى بقية دول العالم فيتهاوى مما يمكن لهم الإجهاز عليها بالتوالي، وحينئذ يشرعون في إقامة مملكة صهيون. وينبع هذا الحقد الدفين الذي لا يتوفر بهذا الشكل إلا عند اليهود، وثاني الأجهزة الدعائية صوت أمريكا التي تبث بلغات شتى وتضع السم في الدسم، ونجد ذلك بوضوح في نشراتها الإخبارية وتعليقاتها السياسية التي يهمها أن تظهر أمريكا في مركز القوة.
وثالث الأجهزة الدعائية السفارات الأمريكية التي تنبثق عنها المراكز الثقافية والتجارية والبعثات التنصيرية، ففي المراكز الثقافية نجد برامج تعليم اللغة الإنجليزية واحداً من نشاطات كثيرة متعددة بينما تعليم هذه اللغة في حد ذاته أمر بالغ الخطورة لما يتضمنه من نشر عادات وتقاليد وعقائد الغرب، وأذكر هنا أنني وجدت في أحد كتب تعليم اللغة الإنجليزية صورة لربة بيت منهمكة في أعمال المنزل وصورة لزوجها في عمله وكتب تحت الصورتين: "السيد فلان سعيد لأنه يعمل خارج البيت، أما السيدة فلانة فتعيسة لأنها قابعة في المنزل طوال اليوم." ولا يخفى على ذي عقل المقصود من هذه الجرعة (البريئة) التي نقدمها لأبنائنا. وهذه الكتب لا شك أن خبرات المراكز الثقافية الأمريكية الاستشارية لها يد طولى في تأليفها وإقرارها.
ورابع هذه الأجهزة الدعائية المساعدات الاقتصادية والعسكرية والخبرات الفنية وغيرها من مساعدات، وهذه وسائل دعائية ولكن بطريق غير مباشر إذ الهدف الأساس منها هو ربط الشعوب بعجلة الغرب في جميع المجالات، وما هذه المساعدات إلاّ ممهدات له ولأبعد من ذلك حيث استغلال خيرات الشعوب والتسلط على مقدراتها.
ولا يفوتني هنا أن أذكر إعلامنا العربي والإسلامي الذي كثيراً ما يهول صور الأشياء فيلبسها الوجاهة والعظمة وهي غاية في الحقارة، يحاول بين الحين والآخر إظهار أمريكا بأنها الدولة التي تتربع على عرش العالم، ولا يحدث هذا عن حسن نية لأن الله عز وجل يقول {وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}([1]) وكم يبدو العالم الإسلامي صغيراً في أعين هذه الصحف حينما يكون الحديث عن المدنية الغربية.
وخامس هذه الأساليب الدعائية وهو الأكبر أثراً والأشد خطراً وهو ما يجب استئصاله سريعاً هو الجسم الحامل للميكروب؛ لأن الجسم الذي يحمل الميكروب ينقله إلى كل من حوله وبسرعة مدهشة، هذا الجسم هو أبناؤنا الذين بعثنا بهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من دول الغرب لتلقي علومهم وآدابهم في الوقت الذي يفتقرون فيه إلى العقيدة الصحيحة الراسخة، وإلى التربية السليمة على هدي من هذه العقيدة وللأستاذ أحمد محمد جمال بحثاً شيقاً في هذا الموضوع تضمنه كتابه (محاضرات في الثقافة الإسلامية)، ويجمل الأستاذ جمال أسباب الانحرافات الأخلاقية التي يقع فيها الشباب في ثلاث: الأسباب الخارجية، والأسباب الذاتية، والتناقض الذي يعيشه المجتمع الإسلامي، ويقترح أننا حين نرسل أبناءنا إلى الخارج نهيئ لهم الجو الإسلامي في الخارج من سكن ورفقة وإرشاد وتعليم، ولا شك عندي أن هذا اقتراح وجيه حبذا لو أخذنا به خاصة لو دعمت هذه البيوت ببرنامج تثقيفي إسلامي قبل ذهاب الشباب إلى الخارج،([2]) لأنه إن تذوق الشاب حلاوة الإيمان وقويت العقيدة الإسلامية في نفسه وعرف كيف يدعو {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب}([3]) واطلع على مخططات الغرب والصهاينة ضد الإسلام وفهم المنهج الإسلامي في الآداب والعلوم والفنون حينها لا ضير لو أرسلناه إلى هناك إن كانت الحاجة ماسّة لإرساله، أما لو كانت هذه البيوتات هناك في الغرب فقط، فإن تلقي الغث مع السمين قد يضر بما يتعلمه من العقيدة الصحيحة لأنه سيكون أكثر تأثراً بالحياة الغربة والدراسة وفقاً لمناهجهم، وعندما لا يؤخذ بأي من هذين الاقتراحين وهو الحاصل فإن خيرة أبنائنا والصفوة الممتازة منهم والمتفوقين في دراساتهم يلقون في أيدي معادية لنا ولديننا، فيلقنون العلوم والآداب حسب مناهج لا دينية كما تتولد لديهم أنماط من التصورات والرغبات والشهوات مخالفة للإسلام، ويجدون أن لا حرج في اقتراف كثير من الآثام التي تعدّ من الكبائر لكنها أمور عادية جـدّاً في تلك المجتمعات، والمعروف أن الإسلام يقرر قاعدة مهمة (الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الغير)، وعندما يضعف الضمير ويغطيه صدأ الآثام فتضعف حساسيته نحو الخير والفضيلة، وكلما طالت المدة ازداد الصدأ وكثر الشر واستمرأت النفس الإثم، ولا يخفى علينا مدى تأثير هؤلاء في المجتمع الإسلامي عند عودتهم حيث إن المجتمع يهيئ لهم –بوعي وبلا وعي فالتخطيط استعماري قديم- المراكز الحساسة ليحتلوها وهذه أشد ما تكون ضرراً إن تكن في مجال التربية والتعليم والإعلام بفروعه المختلفة. وأما إن أحضر الواحد منهم زوجة فهي زيادة على أنها قد لا تؤمن بقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا فلربما تسخر منها وتنظر إليها باحتقار، ذلك أنها من أمة قوية لها اليد الطولي في المدنية والتقدم مما يجبر الشاب المسكين على مشاركتها لتستقيم حياته معها، وإن لم تكن هذه مشاركة هدامة تنتج الخراب فإنه يضطر إلى الانعزال عن جسم المجتمع ولا يعيش إلاّ مع الغرباء يكمل معهم تلك الحياة التي بدأها هناك، ومع ذلك سيكون له تأثير في غيره عن طريق قرابته الآخرين وأصدقائه والعاملين معه.
والعامل الثاني الذي يساعد على إخفاء احتضار أمريكا عن الأبصار هي تلك الصناعات المزدهرة كالأسلحة والطائرات المدنية والحربية والسيارات وغيرها، ومن المعلوم أن هناك كثيراً من الدول التي بدأت تنزل إلى الأسواق بسلع منافسة كاليابان وغيرها من الدول الأوربية التي تنتج سلعاً مماثلة وإن كان ذلك على نطاق ضيق، أما الأسلحة فالعالم كله يتسلح ليوم دمار لا يعلمه إلاّ الله.
والعامل الثالث من هذه العوامل هو الأحلاف العسكرية- التي يضم بعض منها أقطاراً إسلامية- وتتبوأ أمريكا منها مركز القيادة والسيطرة، وتذكرني هذه الأحلاف بتلك التي كانت تنشئها أثينا في عهود اليونان القديمة وتتحكم في مصائر أعضاء الحلف، ولكن هؤلاء الصغار لا بد أن يكبروا يوماً ما ولابد للضعيف أن يقوى، وإننا لنذكر أنه كان يحدث في أحلاف أثينا العسكرية أن يجتمع الصغار فيهاجمون القوي المتغطرس فيهزمونه شر هزيمة، وهذا ولا شك واقع في أحلاف أمريكا إن هي استمرأت سياسة الكبرياء والصلف الحاليين والإصرار على تأييد شرذمة صهيون في إسرائيل رغم معارضة حليفاتها.
أما فقدان أمريكا لمركز الثقل في هذه الأحلاف فيمكن تبريره بالأسباب الآتية التي قد لا تبدو ذات أثر مباشر ولكنها مهمة في ذاتها ومنهاً:
1-                              أن أمريكا تمول بعض البحوث التي يقوم بها عدد من الجامعات والمعاهد وتكون نتائج هذه البحوث من حق وزارة الدفاع الأمريكية، كما يوجد في كثير من هذه الجامعات مراكز تدريب مرشحي الخدمة العسكرية (ROTC)، وقد علمت أثناء وجودي هناك أن هذه الجامعات بدأت ترفض مثل هذه البحوث، لأنها تنصب على حقل واحد وهو الدمار والتخريب ويجعل الجامعة خاضعة لسيطرة وزارة الدفاع تلك السيطرة غير المحببة.
2-                              أن الإقبال على مراكز تدريب مرشحي الخدمة العسكرية آخذ في الانخفاض فما كان الإقبال عليه مرتفعاً إلاّ لوجود التجنيد الإجباري، فتكون فرصة الطالب أن يجند كطالب جامعي أفضل من أن يكون جنديـّاً عاديـّاً كما أن وزارة الدفاع تتكفل ببعض نفقات هؤلاء المرشحين. ومن الطريف أن معظم هؤلاء الشباب الملتحقين بهذه المراكز من مغسولي الدماغ الذين لا يعرفون عن أمريكا إلاّ أنها تنافح وتكافح الشيوعية، وعنده إيمان أعمى بمصالح أمريكا حتى ينسى معه أحقية الأمم الأخرى في الحياة. وهذا فعلاً ما تزرعه فيهم الصحف الأمريكية المحافظة. وزيادة على أن الإقبال على هذه المراكز أخذ في النقصان فإن المعارضة بين صفوف الطلبة تأخذ صورة عدائية تجاه هذه المراكز. وأذكر على سبيل المثال كيف تحرك المتظاهرون ضد سياسة الحكومة الأمريكية العدائية في فيتنام نحو مبنى هذا المركز في جامعة إوريجنOregon فحطموا زجاج النوافذ وأخذوا يدقون على الجدران بعنف كما حضروا تدريباتهم العسكرية وأخذوا يرددون الأغاني الساخرة من هؤلاء المتدربين، ووصمهم بالجبن واتباع العم سام في جنون، وقد جرت محاكمة لهؤلاء المتظاهرين وكان من بين المتهمين في التحريض عليها أستاذ يحمل شهادة الدكتوراه في ا لكيمياء.
3-                              نعلم حقّاً أن المواطن الأمريكي (على الرغم من ضعف تكتلاته) لا يفتأ اليوم يعارض الحكومة المركزية في مصروفاتها على سباق التسلح التي أصبحت أمريكا نتيجة له تمتلك من أدوات الدمار ما يمكن تدمير العالم من 3-5مرات.
4-                              سبق أن ذكرت أن كفاءة المنتسبين لأسلحة الولايات المتحدة الأمريكية قد انخفضت بشكل مثير للانتباه وذلك لانصراف الناس إلى الملذات والإغراق في المتع الجسدية التي لا تحطم الجسد وحده بل العقل والتفكير أيضاً.
5-                              أما عن منافسة الأمم الأخرى فمن المعلوم أن المعسكر الشيوعي خطا خطوات كبيرة في صناعة الأسلحة المتطورة هذا عدا عن الأمم الأخرى التي لم ترض أن تبقى في المؤخرة أو أن تكون عالة على غيرها، ونحن المسلمين حالما نعود إلى العقيدة الصحيحة فلن نكون اليد السفلى ولن نمد أذرعنا للمعسكرات الدولية لتمن علينا بالسلاح حيناً وتمنعنا أحياناً أخرى كثيرة. أما قوة الأحلاف العسكرية التي تملكها أمريكا فإنها تحتم علينا ذكر قول الله تعالى {وتلك الأيام نداولها بين الناس}([4]) وحكيم قول الشاعر:
     هي الحياة كما شاهدتها دول      من سرّه زمن ساءته أزمان
        ونصل الآن إلى العامل الرابع  من العوامل التي تخدع الناظر بأن أمريكا لا تحتضر بل صحيحة العافية وهو الانتعاش الاقتصادي الزائف؛ هذا الاقتصاد الذي بني على غير أساس عقدي، مبني على أن إنماء المال يجب أن لا يرتبط بأي قوانين دينية إنسانية، ومن ذلك ترى أن حمى رفع الإنتاج تطحن العمال بحرارتها حتى لا يجدون وقتاً أو جهداً للبحث عن صالحهم بل هم كالدمى أو أحط في أيدي مخدوميهم. أما المستهلك فهو إنسان يجب أن تُدرس نفسيته من جميع النواحي لاستغلال كل ثغرة أو نقطة ضعف لجعله فريسة لسلعة قد تضر ولا تنفع، ولجعله في النهاية غبيّاً لا يحسن التفكير. و لابد لي من ذكر أمثلة على هذا كله.
أ‌-       مهاجمة ذكاء المستهلك بمعنى احتقار ملكة التفكير لديه ففي صناعة آلة غسل الصحون والأطباق مثلاً جعلوها مستديرة ثم مربعة، وطليت بألوان مختلفة حتى تستهوي المشتري هو في غنى عنها.
ب‌-  أما وضع عبارة جديد أو حديث على المنتوجات فحدث ولا حرج فـ "تايد الجديد"، وصابون كذا الجديد، وأقلام كيت الجديدة، وكلها في الواقع ليست جديدة، وهناك تعبير آخر يحلو للمنتجين أو لأصحاب المتاجر استعماله وهو كلمة مريح أو سهل (convenient) ومعنى ذلك أن استعمال السلعة سيكون سهلاً أو أن التسوق من مكان كذا سهل أو مريح، ولكن المستهلك يضطر للشراء بأثمان عالية نزولاً عند هذه الكلمة الخادعة
        ج- ومن هذه الوسائل أيضاً ما يسمى بالتنزيلات الكاذبة التي يسميها الفرنسيون أوكازيون فهي خدعة واضحة حيث تكون بعض البضاعة بالية، فيمكن وضع بضاعة جيدة بأقل من سعرها ويقل الربح ولكن الربح موجود حتماً، ومن المعلوم أن الأعياد والمناسبات الدينية والتاريخية كلها تستغل لتصريف جميع أنواع البضائع سواء تلك التي يحتاجها المشترى أم لا فقط كون الدعاية تركز عليها؛ ففي عيد ميلاد جورج واشنطن تجد دعايات كثيرة لأدوات كهربائية مثل المكانس والمباشر والمفارم والمناشير ودعايات لبضائع أخرى مثل الأحذية والملابس وحتى السيارات وكل ذلك للبيع بأسعار زهيدة في ذكرى من؟ ذكرى جورج واشنطن الرئيس الأول للولايات المتحدة الأمريكية ومن الغريب المدهش أن يشعر الأمريكان بالشكر والعرفان لخالقهم والمنعم عليهم، ومع ذلك فهناك عيد يسمى عيد الشكر وهذا يستغل تجاريـّاً إلى أبعد حد، أما أكاذيب التنـزيلات فأذكر أن صاحب متجر للأثاث المنزلي كان يدّعي أنه أصاب متجره حريق فهو مستعد لبيع البضاعة بأبخس الأثمان، كما ادعى مرة أخرى بأن تصفية الحسابات السنوية قد قربت ولذلك فلا بد من التخلص من البضاعة وذلك بتخفيض الأسعار، ولكن كم حريق أصابه في تلك السنة؟ وكم تصفية سنوية يجريها هذا المحل أما عن أكاذيب بائعي السيارات فحدث ولا حرج ولا أجد بي حاجة إلى ذكر ذلك فقد يمل القارئ.
        على الرغم من هذا كله فإن البعض يدعي لأمريكا انتعاشاً اقتصادياً ولم أر هذا، فالأمريكي يعيش مديوناً ويموت مديوناً ذلك أنه محاط بالتقسيط من كل جهة وبتسديد بطاقات الاعتماد وما ترفه إلاّ زيف في زيف، والحقيقة أن تلهف الأمريكان وتطلعهم للامتلاك أكثر من الفرص الحقيقية المتاحة لهم لامتلاك أي شيء.
        فلا عجب إذن أن اقتصاد أمريكا المبني على الاستغلال الفاحش لمقدرات الشعوب وثرواتها الطبيعية والبشرية والهيمنة العسكرية كل هذه أشياء بدأت تتكشف أوراقها وتظهر الحقائق من تحتها مما يؤدي إلى انتفاضة الشعوب الصغيرة شيئاً وشيئاً، ولنتذكر المثل القائل "وعظيم النار من مستصغر الشرر" يكاد ينطبق تماماً على هذه الانتفاضات الصغيرة
        أرى خلل الرماد وميض جمر  وأخشى أن يصير لها ضراماً
        إذا كانت السطور السابقة قد أوضحت شيئاً ما عن احتضار أمريكا، ولم تعط الموضوع حقه من البحث والاستقصاء فإنني أرجو أن أكتب مستقبلاً في هذا الأمر محاولاً تقديم صور للداء اللعين الذي هدّ قوى أمريكا وألقاها أرضاً وجعلها حبيسة سكرات الموت، وما أجمل وصف الشهيد سيد قطب رحمه الله لهذا كله في كتابه (الإسلام ومشكلات الحضارة) حيث يقول: "وما تزال البشرية تهوي إلى هاوية الدمار الأكيد. وعجلة الحياة الجامحة مجنونة تلهبها سياط الأجهزة المتعددة حتى يأذن الله فتتسلم القيادة يد غير تلك اليد الرعناء المجنونة الشاردة المحمومة" {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}([5])






* - كتبت هذه المقالة في مسودتها الثالثة سنة 1395هـ الموافق 1975م. وقد نشرت الحلقات الثلاث من هذه السلسلة في مجلة المجتمع سنة 1395هـ الموافق 1975م. وتوقفت عن نشر هذه المقالة لنصيحة أحد أساتذتي في جامعة الملك عبد العزيز الذي أشار إلى أنه من المبكر وأنا طالب منتسب في قسم التاريخ أن يكون لي مقالات منشورة قد تزعج بعض الأساتذة ممن درس في الغرب....
[1] - سورة آل عمران، آية 139.
[2] - كتبت هذا الاقتراح عام 1395هـ، ولم أنشره، ولكن أخذت به وزارة التعليم العالي فيما بعد، ولكن فيما أعلم اقتصر تقديم البرنامج على جامعة واحدة، وحبذا لو أعطيت الفرصة للجامعات الأخرى لتقديمه فلديها أساتذة في العلوم= =الشرعية وكذلك أساتذة عاشوا في الغرب ويستطيعون أن يقدموا برامج متميزة في تثقيف الشباب المبتعث.
[3] - سورة آل عمران آية 8
[4] -سورة آل عمران، آية 140.
1- سورة يوسف آية 21