الثلاثاء، 22 ديسمبر 2015

"أتواصوا به ": التنوير المزعوم "


       مقالة قديمة ولكن المعركة مع هؤلاء مستمرة وقد وجدت هذه المقالة في مسوّداتي التي نشرت بصحيفة "المدينة المنورة" يوم كنت أصول وأجول فيها (ليس تعبيري، فأناس يرونني أصول وأجول دائماً) وإليكموها:
دأبت جريدة "الشرق الأوسط" منذ عدة أشهر (قبل سنوات) على نشر مقالات ولقاءات عن أهم خمسة كتب أسهمت في تنوير العالم العربي –حسب زعمهم- ومن هذه الكتب التي تكررت على ألسنة هؤلاء الكتاب والمفكرين وأقلامهم كتابي علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) وكتاب طه حسين (في الشعر الجاهلي) وكتب أخرى على شاكلتها. وقد شذ قليل ممن استكتبتهم الصحيفة فذكر كتباً أخرى لا يمكن تصنيفها مع هذين الكتابين. ولكن الأعم الأغلب ممن تحدث وكتب لم يخرج فهمه للتنوير عن الخط الذي رسمته الصحيفة.
        وقد تفضل أستاذنا المبدع الدكتور مصطفى عبد الواحد بالكتابة حول هذه القضية في أكثر من مقال موضحاً خداع المصطلحات، وبين أن استخدام مصطلح "الشرق الأوسط" ومن سار على دربها لمصطلح التنوير مخالف تماماً لمعنى التنوير الحقيقي الذي يفهمه المسلم ولا يرضى به بديلاً وذلك هو المفهوم الذي نأخذه من آيات الذكر الحكيم كقوله تعالى(الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) 
ومن المؤكد في أي مقياس عقلي منطقي وإيماني في أن الكتب التي زعمت "الشرق الأوسط" أنها كتب تنوير إنما هي كتب جهل وتجهيل، وظلام وإظلام. وإلّا كيف تجتمع الأمة على فساد كتاب طه حسين (في الشعر الجاهلي- في الأدب الجاهلي) وتعقد المحاكمة لمؤلفه ويتراجع عنه –ولو ظاهرياً، ويأتي اليوم من يعدّه كتاب تنوير؟ وكذلك كتاب علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) الذي طرد الأزهر مؤلفه من صفوفه وعدّ ما في كتابه كفراً بواحاً، وكتب علماء أفاضل ردوداً شافية على هذا الكتاب بينوا عيوبه ومثالبه حتى قضوا عليه قضاءً مبرماً ولكن تلقفته جهات مشبوهة في بلد عربي آخر –سوى مصر- ونشرته في الآفاق. وهو مع ذلك ليس الكتاب الجذاب في عرضه وإخراجه.

       وليت الأمر قد اقتصر على ما فعلته "الشرق الأوسط"(الجريدة) وهو خطير، ولكن قرأت قبل أيام مقالة للكاتب عبد الله جفري في جريدة الحياة يشير فيها إلى أن الهيئة العامة المصرية للكتاب قد أهدته مجموعة من الكتب التي أخرجت من أجداثها زاعمين أنها كتب تنويرية، وإذ من بينها كتاب على عبد الرازق، وكتاب طه حسين وغيرهما، وقد طبعت هذه الكتب طبعة شعبية ليكون توزيعها سهلاً ميسوراً.
     وهنا تبدي لي بعض خيوط الضلال والتظليل.. جريدة تروِّج ومؤسسة للنشر والعلم تطبع وتنشر وكتّاب يكتبون ويتكلمون. فقلت سبحان الله كيف يجتمع أهل الباطل على باطلهم ويختارون كتباً من أشد كتبهم انحرافاً وفساداً وبهتاناً وزوراً فيعملون بشتى الوسائل لنشرها وترويجها.
         ليس غريباً أو عجيباً أن يكيد الشيطان للإنسان، فقد بلغت به الوقاحة وسوء الأدب أن تجرأ في خطابه لمولانا الحق سبحانه وتعالى متوعداً بني آدم بالغواية والفساد (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلّا عبادك منهم المخلصين) (سورة ص آية 82) ولا شك أن مثل هذا العمل من "الشرق الأوسط" و"الهيئة العامة" من وسائل الغواية والضلال. فلا عجب أن تصدر هذه الكتب وأن تنبري الأقلام لتروج لها وتصنع لأصحابها هالة من المجد (الزائف) وإنما العجب أن لا يجتمع أهل الحق والفكر الصحيح فيختارون خمسة كتب أو أكثر من الكتب التي أسهمت في تنوير الأمة والدفاع عن عقيدتها وتاريخها وتراثها فينشرونها ويتخذون جميع الوسائل الممكنة للترويج لها، وهي والحمد لله متوفرة. وحتى يكون الاقتراح عملياً أذكر بعض هذه الكتب – في رأيي المتواضع-ومنها مثلاً كتاب "العدالة الاجتماعية في الإسلام" لسيد قطب رحمه الله فهذا الكتاب تولت بعض الجهات الرسمية في الولايات المتحدة ترجمته فور صدوره ليقوموا باللازم للوقوف في وجه هذا الفكر الإسلامي المستنير. ومن هذه الكتب كتاب (الحجاب) لأبي الأهل المودودي الذي يتضمن تصويراً رائعاً لمسيرة الحضارة البشرية ومكانة المرأة في ازدهار الحضارة وانحدارها. ومن هذه الكتب كتاب الدكتور مصطفى السباعي (المرأة بين الفقه والقانون)
       ولا شك ان بعض هذه الكتب تحتاج إلى جهد علمي رصين في تحديث معلوماتها وتوثيقها وربما اختصارها. ولا زلت اذكر أن هناك خيوطاً خفية تسعى لترويج فكر معين ليس في عالمنا العربي بل حتى في الغرب فقد ظهرت في الولايات المتحدة مجموعة من الكتب تدعو إلى الإباحية واستغلت كتاب اليوناني كازانتزاكي (زوربا اليوناني) وكتب هرمان هسّه الألماني وغيرهما.
         آمل من الكتاب الأفاضل في هذه الصحيفة وغيرها الإسهام في هذه القضية إضافة وتصحيحاً والله الموفق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق