الجمعة، 11 ديسمبر 2015

إشراقات من السير ة النبوية


   
        (كلاّ، أبشر، فوا لله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق) بهذه الكلمات استقبلت السيدة خديجة رضي الله عنها سيدنا رسول الله e حينما عاد من غار حراء خائفاً مرتعداً مما رآه من الوحي.
        لقد عرفت السيدة خديجة رضي الله عنها سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم منذ أن خرج بتجارتها إلى الشام فكان لها أن تقول تلك الكلمات الرائعة التي هي جماع الأخلاق الفاضلة التي جاء تأكيدها في القرآن الكريم في قوله تعالى {وإنّكَ لعَلَى خُلِقٍ عظيم}. ويقول الشيخ محمد الصادق عرجون في التعليق على كلمات السيدة خديجة رضي الله عنها: "وهذه الكلمات المشرقة بنور الإيمان الفطري، النابعة من ضمير الغيب، إلهاماً من وحي اليقين بمخايل الحقيقة الكبرى في تصوير مستقبل محمد صلى الله عليه وسلم، تضيف إلى يقين النبي e وثباته أمام الأحداث ورباطة جأشه في ملاقاتها، تثبيتاً يزيده قوة إلى قوته ويسرِّي عنه ما ألمّ بخياله، وتمسح عن خواطره ما عسى أن يكون طاف بها من تخوف العقبات في سبيل انطلاقه برسالته....."
    (لا يخزيك الله أبداً) نعم رسول كريم عُرِف بالصدق والأمانة قبل أن يوحى إليه حتى لُقّب بالأمين. إن السيدة خديجة رضي الله عنها تعرف ربها معرفة حقيقية لذلك أقسمت أن من كان على خلق محمد e فليس له إلاّ النصر والتأييد والتمكين. والخزي والعار إنما يستحقها من كان يخلو من هذه الصفات. ويقول في ذلك ابن قيم الجوزية في كتابه القيم (زاد المعاد): "ثم استدلت بما فيه من الصفات الفاضلة والأخلاق والشيم على أن من كان كذلك لا يخزي أبداً، فعلمت بكامل عقلها وفطرتها أن الأعمال الصالحة الشريفة تناسب أشكالها من كرامة الله وتأييده وإحسانه ولا تناسب الخزي والخذلان."
   نعم نبي بهذه الصفات الكاملة التي لم تجتمع من قبل ولا من بعد لأحد من البشر تؤكد لمن عرفه معرفة حقيقية أنه يستحق النصر والتأييد. وفي وصف كمالات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الدكتور محمد أبو شهبة (رحمه الله تعالى): "إن حياة النبي قبل البعثة كانت أمثل حياة وأكرمها وأحفلها بمعاني الإنسانية والشرف والكرامة وعظمة النفس، ثم نبّأه الله وبعثه، فنمت هذه الفضائل وترعرعت، وما زالت تسمو فروعها وترسخ أصولها، وتتسع أفياؤها حتى أصبحت فريدة في تاريخ الحيوات في هذه الدنيا."
       نعم (لا يخزيه الله أبداً) فقد جاء قول الحق سبحانه وتعالى: {إلاّ تنصروه فقد نصره الله ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} ويقول القرطبي في تفسيرها: "إن تركتم نصره فالله يتكفل به لإذ نصره الله في مواطن القلة، وأظهره على عدوه بالغلبة والعزة، وقيل: فقد نصره الله بصاحبه في الغار بتأنيسه له وحمله على عنقه، وبوفائه ووقايته له بنفسه ومواساته بماله"
       وتوالى النصر من الله عز وجل لرسوله e حتى بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق الجهاد فجزاه الله عن أمة الإسلام خير ما جزى نبياً عن قومه. فهل نقوم نحن في هذه العصر بنصره وتأييده بالعودة الحميدة إلى شريعته والذب عنها بالغالي والرخيص حتى يأذن الله عز وجل بعودة راية الإسلام عالية خفاقة في العالم أجمع.  
      هكذا تحدثت السيدة خديجة رضي الله عنها تخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم (كلاّ أبشر والله لا يخزيك الله أبداً) وقد رجعت إلى عدد من كتب السيرة النبوية فوجدتها تتناول هذه العبارة بإيجاز شديد عدا كتاب الشيخ محمد الصادق عرجون الذي خص هذه العبارة بعدة صفحات وأطلق عليها (كلمات النور)، وأواصل الحديث في هذه الأسطر عن صفات أخرى ذكرتها السيدة خديجة وجاء الإسلام ليؤكدها ويزيدها متانة ورسوخاً.
        فصلة الرحم من أسس المجتمع الإسلامي والتي تميزه عن غيره من المجتمعات في الشرق أو في الغرب. وقد كان سيدنا رسول الله  eيتحلى بهذه الصفة قبل أن يبعثه الله تبارك وتعالى ليكون رحمة للعالمين، ولذلك كانت رسالته تؤكد على هذه الخصلة العظيمة فقد تولى ربنا سبحانه وتعالى رعايته وتربيته فنشأ على أكمل الخصال وأحسنها وأتمها.
       وقد جاءت الآيات القرآنية تؤكد على هذه الخصلة ويأمر المسلمين بها وتنهي عن قطعها، ومن ذلك قوله تعالى {واتقوا الله  الذي تساءلون  به والأرحام}وقوله تعالى{والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل  ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب}(الرعد 21) ويقول الله سبحانه وتعالى {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل}.
       ونجد كثيراً من الأحاديث الشريفة التي يحث على صلة الرحم حتى يجعلها سبباً في زيادة الأجل وسعة الرزق ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه) وقد شرح العلماء هذا الحديث بأن المراد بالزيادة في العمر بالبركة في العمر بسبب التوفيق في طاعة الله والصيانة عن المعصية، وكذلك بالنسبة للرزق حيث المراد منها الصحة والعافية وطاعة الله.
    ويأمر الرسول الكريم e بصلة الأرحام حتى لو كانوا لا يقابلون الإحسان بالإحسان، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ، فقال: إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك)
       وقد حذّر الإسلام من قطيعة الرحم كما جاء في قوله تعالى{والذين ينقضون عهد الله  ويقطعون  ما آمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار}، وجاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة ،قال:نعم ، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك، قالت: بلى، قال: فذاك لك ،ثم قال رسول الله e :اقرؤا إن شئتم {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى  أبصارهم}.
   وأنقل تعليق الشيخ عرجون رحمه الله تعالى حول هذه الصفة حيث يقول: "وهي [صلة الرحم] أقدر الفضائل على توثيق عرى المحبة بين ذوي القربى، تجمع القلوب على الصفاء وتشد أواصر التآخي، تجمع حول من يتحلى بها، ويبذل في سبيلها الجود والرحمة... ووصف عظمة تحلي الرسول e بها حتى إن قريشاً حينما فرضت الحصار على بني هاشم دخل الشعب مع الرسول صلى الله عليه وسلم بعض من لم يؤمن به بعد ... فعلوا ذلك ليس عصبية ولكن تحقيقاً لمقتضيات التواصل مع من عرفوه أوصل الخليقة للرحم وأبر الناس بذي القربى)

   كيف يمكن أن تكون كلمات السيدة خديجة دروساً لنا في الاهتمام بصلة الرحم الاهتمام الحقيقي الذي كان عليه الرسول e قبل البعثة وبعدها؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق