الأحد، 27 ديسمبر، 2015

المقدمة

P


     تنبه العالم الإسلامي لأهمية الدراسات الاستشراقية حول العالم الإسلامي وقضاياه المختلفة منذ بداية النهضة في النصف الثاني القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ومن ذلك ردود جمال الدين الأفغاني على أرنست رينان Ernest Renanوردود تلميذه الشيخ محمد عبده على غبريال هانتوG.Hanotau وقد أسهم في ذلك إلى حد ما العلماء المسلمون الذين درسوا في الغرب أو أولئك الذين تتلمذوا على علماء درسوا في الغرب. ولعل ظهور كتاب الدكتور مصطفى السباعي السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي كان رد فعل على دراسة المؤلف على أيدي علماء درسوا في الجامعات الألمانية والجامعات الأوروبية
واستمر الاهتمام بالدراسات الاستشراقية حتى بلغ ذروته في إنشاء وحدة الدراسات الاستشراقية والتنصيرية في مركز البحوث التابع لعمادة البحث العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1401 هـ، ثم تطورت الفكرة إلى إنشاء قسم أكاديمي بالمعهد العالي للدعوة الإسلامية باسم قسم الاستشراق يهتم بدراسة المستشرقين للإسلام والرد على كتابات هؤلاء في جميع المجالات التي كتب فيها المستشرقون.
وقد تنوعت الدراسات التي تناولت كتابات المستشرقين حول الإسلام والمسلمين فكانت هناك دراسات تهتم بالاستشراق عموماً مثل كتاب نجيب العقيقي في موسوعته (المستشرقون) أو تراجم المستشرقين كما فعل عبد الرحمن بدوي في موسوعة المستشرقين أو دراسة المدارس الاستشراقية الجغرافية كدراسة الاستشراق الأمريكي أو البريطاني أو الأوروبي بعامة، كما وجدت دراسات تناولت الدراسات القرآنية عند المستشرقين أو الدراسات الحديثية أو الدراسات الفقهية، أو الدراسات الأدبية كما في كتاب أحمد سمايلوفيتش، وكانت الدراسات أحياناً تتناول أفراد المستشرقين كما في البحث الذي خُصص لدراسة كتابات المستشرق برنارد لويس.
ومن الدراسات المهمة التي تناولت الاستشراق ما كتبه الدكتور محمد البهي في كتابه القيم (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي) حيث خصص ملحقاً خاصاً بعنوان (المبشرون والمستشرقون وموقفهم من الإسلام) وقدم ترجمة لمقالة الطيباوي الأولى حول المستشرقين الناطقين باللغة الإنجليزية، وهناك كتابات إدوارد سعيد التي بدأها بكتابه (الاستشراق) الذي ظهر عام 1978م(1398هـ) ثم كتابه حول الثقافة والإمبريالية ثم تعقيباته على الاستشراق، وكتابه تغطية الإسلام وغيرها من الكتب. ويمكن أن نضيف ما كتبه عبد اللطيف الطيباوي في مقالتيه حول المستشرقين الناطقين باللغة الإنجليزية.
ويأتي هذا البحث امتداداً للتخصص في دراسة الاستشراق في بقعة جغرافية محددة كمدينة واشنطن العاصمة الأمريكية حيث إن هذه المدينة تضم بين جنباتها العديد من مراكز البحوث والمعاهد وأقسام الدراسات الشرق أوسطية. وتأتي أهمية دراسة إنتاج هذه الأقسام في السنوات الماضية أنها قريبة من مركز صناعة القرار السياسي الأمريكي حيث إن الكثيرين من الذين يعملون في واشنطن العاصمة هم الأقرب لتقديم شهاداتهم في مجلس الكونجرس الأمريكي ولجانه الفرعية، وتقديم البحوث والندوات والمؤتمرات التي يشترك في كثير منها مسؤولون من الحكومة الأمريكية أو مسؤولون سابقون. مع أن استشارات الحكومة الأمريكية لا يقتصر على العلماء والباحثين في هذه المدينة بل إنها تفيد من خبرات الباحثين في جميع أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية.
كما أن هذا البحث يهدف أيضاً إلى التنبيه إلى أهمية المشاركة الفعّالة في هذه المراكز وقد تكون بداية التعاون معها صعبة في البداية ولكن كأي بداية لا بد أن تستغرق وقتاً وجهداً وأموالاً. ولا ينقص العالم الإسلامي باحثون يستطيعون أن يدخلوا إلى هذه المراكز وحبذا لو استطعنا أن نشجع من أسلم من الأمريكيين أن يسهم فيها. وقد استطاع اليهود أن يكون لهم دور كبير في هذه المراكز مثل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى حيث لا يخلو مؤتمر أو ندوة أو دراسة إلاّ ولليهود نصيب فيهان كما أنهم يقدمون مؤلفات حول القضايا المختلفة سواءً المتعلقة بالقضايا المحلية أو المشكلات الدولية وبخاصة قضية فلسطين.
ولا بد لبحث من هذا القبيل أن يتخذ تحديداً تاريخياً، ولكن كان من الصعب عمل ذلك لأن الباحث كان بحاجة إلى عدد من الزيارات لهذه المراكز والمعاهد والأقسام العلمية وإجراء مقابلات مع الباحثين في هذه المراكز وعدم وجود جهات علمية تقدم منحاً في العالم العربي لم يكن ممكناً القيام بهذه الرحلات العلمية. ولكن اكتفى الباحث في التعريف بهذه المراكز وأبرز إنتاجها ونشاطاتها في العشر سنوات الماضية، من خلال النشرات والمجلات والكتب الصادرة عن هذه المراكز ومن خلال الحصول على بعض المعلومات في زيارة علمية تمت عام 1416هـ(1995م)
     هذا وسوف ينقسم البحث إلى ثلاثة فصول:
                      · الفصل الأول: التعريف بمراكز البحوث والمعاهد وأقسام الدراسات الشرق أوسطية في العاصمة الأمريكية.
                      ·الفصل الثاني: بعض القضايا الإسلامية في عدد من المعاهد والمراكز العلمية في واشنطن، مع التعريف ببعض الشخصيات العلمية المشاركة في دراسة العالم الإسلامي في واشنطن العاصمة.
                      ·الفصل الثالث: المعاهد والمراكز العربية الإسلامية في واشنطن العاصمة.

       وكتبه في
المدينة المنورة

د. مازن صلاح مطبقاني 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق