الاثنين، 26 أكتوبر، 2015

جائزة غربية لأدب الوقاحة

بسم الله الرحمن الرحيم                          


للعلاقة بين الاسلام والغرب جوانب عديدة وتمتد إلى قرون طويلة تبدأ من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب " إلى كلمة سواء " وأمره سبحانه وتعالى دعوة أهل الكتاب بالحكمة والموعظة الحسنة " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " وقد استجاب المسلمون لهذا الاسلوب ووجد النصارى في الاسلام وحكومته العدل والمساواة فأقبلوا عليه زرافات ووحدانًا فدخلوا في دين الله أفواجا.
هذا الاقبال من النصارى على الدخول في الاسلام، حتى اصبحت الغالبية في بلاد كانت نصرانية مسلمة وأصبحت اللغة العربية لغتهم، هذا الاقبال أثار الحقد في نفوس المتنفذين من رجال الدين النصارى وزعمائهم السياسيين ولاسيما حينما اجتمعت السلطة السياسية والدينية في أيدي رجال الدين النصارى.
وعندما تمرد الأوروبيون على سلطات رجال الدين النصارى وانتقلت أوروبا إلى العلمانية ومن التأخر الى الثورة الصناعية وما بعد الثورة الصناعية ظلت العداوة للإسلام تنتقل من السلطة السابقة إلى السلطة الحديثة.
وفي هذا المقال أقدم صورة من العداوة الفكرية التي يتزعمها الغرب ضد الإسلام والمسلمين أمهد لها بقصة من السيرة النبوية حينما حاول ملك الغساسنة النصارى دعوة أحد المسلمين للالتحاق به وترك دينه عندما كان هذا الصحابي المسلم يمر بعقوبة قررها الرسول صلى الله عليه وسلم لخطأ ارتكبه:
عندما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم للاشتراك في غزوة تبوك وكان الجو صيفًا قائظ الحر , وكانت الظروف الاقتصادية صعبة جدًا , وقد تخلف حوالي ثمانون رجلًا منهم كعب بن مالك رضي الله عنه الذي تعرض للحظة ضعف بشري , فقد اشترى الراحلة وكان مترددًا بين الاشتراك في الغزوة أو البقاء في المدينة ينعم بالظل الظليل والزوجة والأبناء , وظل في تردده حتى عاد المسلمون من غزوتهم وقد كتب الله لهم عز وجل الأجر الكبير " ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا تعب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح ان الله لا يضيع أجر المحسنين " .
عاد المسلمون إلى المدينة فأما المنافقون فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أعذارهم وأوكل سرائرهم لله عز وجل.. وبقي ثلاثة من الصحابة عرفوا بالصدق والإيمان فكان لابد من تربيتهم لإصلاحهم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقاطعتهم حتى أن زوجاتهم أمرن أن يعتزلنهم وقد وصف القرآن الكريم حالهم أدق وصف وأبلغه في قوله تعالى " وضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ".
وفي هذه الأثناء علم ملك الغساسنة النصارى بالشام بمأساة هذا الصحابي فأراد استغلالها بدعوة هذا الصحابي ليلتحق به في الشام تاركًا دينه وما يعانيه من عقوبة، ولكن مالكا رضي الله عنه تنبه للأمر فوصف ما فعله عندما تسلم رسالة الملك النصراني بقوله: " وهذا من البلاء، قد بلغ مني ما وقعت فيه أن طمع فيّ رجال من أهل الشرك، فذهبت بها إلى تنّور فسجرته بها " إلى ألهبته بالرسالة ".
وبعد قرون من موقف ملك النصارى الغساسنة تأتي جمعيات ومعاهد ادبية فتستقطب بعض الكتاب المسلمين الذين هربوا من بلادهم او منعت كتبهم من التداول، او بعض من نالوا الاهتمام عند بعض الأوساط الأدبية المتنفذة لكنهم لا يحظون بمحبة وقبول عامة الأمة الاسلامية.
ففي بريطانيا مثلا ثمة " معهد الآداب المعاصرة " الذي يزعم أن من أهدافه " توفير المكان للتعبير عن وجهاته النظر المتعددة، وهذه الآراء هي آراء الفنانين والكتاب وكتاب الدراما وصناع الأفلام " وقد استقدم هذا المعهد عددًا من الكتاب والأدباء العرب لعرض آرائهم، وكان من هؤلاء محمد شكري الكاتب المغربي الذي تقول عنه نشرة المعهد أنه من أبرز الشخصيات الأدبية في المغرب، فأي معايير استخدمها هذا المعهد ليطلق على هذا الكاتب هذه الأوصاف المبالغ فيها. أليس هذا الكاتب هو صاحب " الخبز الحاف " الذي حكي قصته حياته عندما كان نشالًا في شوارع طنجة وفي هذا الكتاب شتم أباه وأهله ولم يتناول إلا الجوانب السلبية في حياته مع مبالغة في تصويرها، وهذا الكتاب ممنوع في معظم الدول العربية، فهل أخطأت البلاد العربية جميعا وأصاب هذا المعهد؟ هل ظلم الكاتب في بلاده وها هو المعهد البريطاني ينصفه؟
واستضاف المعهد نفسه نوال السعداوي، المرأة الداعية الى ما تزعم انه تحرر المرأة المسلمة، وإنما هو انحدار الى السفور والخروج على القيم الاسلامية الرفيعة، وقد أصبحت نوال السعداوي ضيفة كل ندوة ومؤتمر يعقد في الغرب للدعوة لتحرير المرأة المسلمة بزعمهم، فهل احتاج المسلمون إلى أمثال نوال السعداوي لترشدهم للطريقة الصحيحة لمعاملة المرأة؟
وكان للفرنسيين دورهم في تشجيع المارقين المنحرفين حينما قررت جمعية فرنسية منح جائزة للوقاحة لكاتبين من المغرب، وقد كانت وقاحة هذين الكاتبين الدعوة الى المنكر والفحشاء والبغي، لقد كتب الكاتبان باللغة الفرنسية حيث حصلا على ثقافتهما بهذه اللغة، ومن العجيب ان تطلب الجمعية الفرنسية من الدول العربية تكريم هذين الكاتبين الفائزين بجوائز الوقاحة، هل كان على المسلمين ان يتناسوا قول الله عز وجل " ان الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ".
ما أشبه الليلة بالبارحة ملك نصارى يدعو مسلما لترك دينه واللحاق به ولكن ذلك المسلم كان قوي الايمان معتزًا بعقيدته فقابل الدعوة بما تستحق أما نحن اليوم فنجد هؤلاء الكتاب يتهافتون على هذه الدعوات ويبالغون في الانتفاض من عقيدتهم حتى ان أحدهم لا يرى في استخدام كاتبة ايرانية لاسم فاطمة لإحدى شخصيات روايتها إلا انه يحمل مرجعيات تقليدية، يحضر مؤتمرا أدبيا وهو لا يحسن التلفظ بجملة صحيحة في اللغة الانجليزية.
اننا بحاجة ماسة للوقوف في وجه هذه الحرب الموجهة ضد عقيدة هذه الأمة وقيمها من خلال رجال منا يحملون اسماء اسلامية ويكتبون بلغات اسلامية ولكنهم من أشد الحاقدين على الاسلام، ولا يمكن ان تكون المواجهة إلا بتكثيف الجهود في دعوة اصحاب الفكر السليم لعقد الندوات والمؤتمرات وإلقاء المحاضرات ونشر الفكر الاسلامي الصحيح. والله الموفق.

المقال السابع عشر عكاظ (الأمة الإسلامية) العدد 9970

6/6/  1414 هـ (19/11/1993م)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق