الخميس، 22 أكتوبر 2015

قضية مطروحة للنقاش عزوف الشباب عن قراءة كتب التراث إعداد: صالح فراج الحربي


نعم يعزف الشباب عن التراث؛ حينما يتولى منابر التوجيه في عالمنا- اليوم- أمثال كمال أبو ديب!!
نحن لا نهتم بالتراث الاهتمام الكافي!!
       يقول الدكتور مازن صلاح مطبقاني؛ الأستاذ المساعد في كلية الدعوة في فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في المدينة المنورة، والكاتب المعروف:
*وجه إلي أخي العزيز الدكتور محمد يعقوب تركستاني سؤالا حول عزوف الشباب عن الاهتمام بكتب التراث. وحين فكرت في الإجابة تذكرت قصاصة تحمل إجابة لكاتب حداثي؛ هو (كمال أبو ديب) الذي يعمل أستاذا للأدب العربي بجامعة لندن حول هذا السؤال. وكان هذا في فقرة ثقافة وفن بهذه الصحيفة العدد 11324 الصادر في 21 شوال 1414هـ.
       حيث قال فيه: ((أعتقد أن التراث قائم في حياتنا في وضع متزن، أما حين يتجاوز الأمر ذلك ليصبح هما شاغلا فإن ذلك يمثل حالة مرضية تماما، والخطورة في مثل هذه الحالة أن التراث يصبح ألعوبة؛ بمعنى أن كل ذي مرض يريد أن يبحث له عن شفاء له فيما يسميه التراث؛ والمشكلة الأساسية هي أن التراث ليس متجانسا، نحن لا نملك تراثا كاملا لأنه مليء بالإشكاليات والمشكلات والتناقضات...)).
فهل نحن حقا نهتم بالتراث الاهتمام الكافي، أو أن اهتمامنا حقا متزن، كما يزعم (أبو ديب)؟
     ولكن مالم يوضحه (أبو ديب) ما يقصده بالتراث؟ وكيف توصل إلى أن اهتمامنا بالتراث في وضع متزن؟ ثم لماذا تكون العودة للتراث حالة مرضية؟ ولعل الإجابة عن سؤال الدكتور التركستاني تكمن في الأفكار التي سيطرت على كثير من أساتذة الجامعات، الذين درسوا في الغرب؛ فامتلأت عقولهم بالشكوك حول التراث الاسلامي؛ حتى كانت قمة الشك فيما كتبه (طه حسين) وأمثاله.
       لا شك أن تراث هذه الامة لا يخلو من مشكلات وتناقضات؛ لأن الذين أنتجوه بشر يخطئون ويصيبون؛ ولكن هل يمكن لأمة تعيش بالقرآن، والسنة، وسيرة الخلفاء الراشدين، قرونا أن نعمم على تراثها هذه الاوصاف السلبية، التي تنفر منه.
      لقد كانت الأمة الإسلامية كما قال الشيخ محمد الغزالي هي العالم الأول قرونا عديدة لا ينازعها في مكانتها أحد؛ فلابد أن يكون في تراثها صفحات كثيرة مليئة بالكنوز الفكرية.
      نعم يعزف الشباب عن التراث؛ حينما يتولى منابر التوجيه أمثال (كمال أبو ديب) فقد درست التاريخ الاسلامي أربع سنوات لم يطلب أستاذ واحد من الطلاب أن يقرأوا صفحة واحدة من (تاريخ الطبري) أو (ابن كثير) وحتى السيرة النبوية لم ندرسها من خلال (سيرة ابن هشام) أو من كتب الحديث؛ بل درسناها من كتب حديثة لا تصور السيرة إلا من خلال الغزوات؛ التي لم يزد الحديث فيها عن المواجهة العسكرية. أما الدروس والعبر والتشريع الذي جاء في هذه المغازي فلم يكن له أثر!!
       وبدأت الدراسات العليا، وكانت مادة علم التأريخ؛ ولم يطلب الأستاذ قراءة أي كتاب في هذا المجال من كتب التراث؛ بل كان الأهم عند الأستاذ ما قاله (هرنشو) و (سبينوزا) و (ادوارد كار) وغيرهم.
كنت أتوقع أن نقرأ ما قاله (السخاوي) في كتابه (الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التأريخ) أو ما كتبه (ابن خلدون) في (المقدمة) وغيرهما.
        إن أهمية التراث؛ وبخاصة الذي يمثل الفكر الإسلامي الصحيح، تأتي -أولا- من الفهم العميق للإسلام؛ الذي حين تعرض للتيارات الفكرية الوافدة كان الأقوى. نعرف كما يقول الدكتور يوسف عز الدين كيف يرفض ما يناقض الإسلام، وأخذ الحكمة أنى وجدها. وله ميزة اخرى أنه كتب بأقلام تعتز بالإسلام لا تكتب مدافعة أو مبررة؛ بل كتبت من منطلق الاعتزاز بالإسلام وقيمه.
        وأحب أن أقدم فيما يأتي تجربة طريفة قمت بها في أثناء تدريس مادة مدخل إلى النظم الإسلامية؛ حيث كلفت الطلاب بالعودة إلى مجموعة من كتب التراث في مجال السياسة والاقتصاد و الإدارة والتربية والتعليم ؛ ومن هذه الكتب (الأحكام السلطانية) للماوردي، و(غياث الامم) للجويني، و (الأموال) لأبي عبيد، و(صبح الأعشى) للقلقشندي، و(المقدمة) لابن خلدون، وغيرها من كتب التراث؛ ولم أكلف الطلاب أكثر من تدوين اسم الكتاب كاملا، ومحققه، ومعلومات النشر، ثم تقديم فكرة موجزة عن المؤلف و الكتاب، ونصحت لهم أن يقرأوا مقدمة المحقق ومقدمة المؤلف.
       وقد وجدت استجابة طيبة؛ أرجو أن تليها تجارب أخرى في العودة إلى التراث.
       أما مزاعم (أبو ديب) وأضرابه بأن الاهتمام الزائد بالتراث حالة مرضية؛ لأنهم يرون أن التراث يفضح كل أصحاب الدعوات الهدامة؛ الذين انتصرت عليهم الأمة قديما؛ وهي –بإذن الله – منتصرة عليهم حديثا، وها هي معارض الكتب تشهد للكتاب التراثي وتفوقه، وانحسار الحداثية والحداثيين وهزيمتهم!!

الخميس 14 من شهر محرم 1415هـ - الموافق 23يونيو 1994م – المدينة المنورة – العدد 11406        

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق