الأحد، 25 أكتوبر، 2015

كلمات عن الدكتور أبي القاسم سعد الله رحمه الله



كنت طالب دراسات عليا في جامعة الملك عبد العزيز بجدة عام 1403هـ/1983 فاقترح أستاذي الدكتور لؤي يونس البحري (عراقي) درّس في جامعات الجزائر عليّ موضوعاً لرسالة الماجستير لأنه لم يدرس من قبل وهو دور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الحركة الوطنية. فأسرعت إلى المكتبة فبحثت عن كتب عن الجزائر فوجدتها ضعيفة أو هزيلة لا يتجاور عدد الكتب عن الجزائر أصابع اليد الواحدة ولكن كان من بين الموجود (الحركة الوطنية الجزائرية: الجزء الثالث) للدكتور أبو القاسم سعد الله رحمه الله فكان هو المرجع الأساس الذي ساعدني في إعداد خطة البحث التي لم تستغرق وقتاً طويلاً حتى قُبلت في القسم.
        كانت الخطوة الأولى السفر إلى مصر للبحث عن مراجع للبحث فلم تكن الرحلة موفقة كثيراً فكان لا بد من السفر إلى الجزائر وقد أرشدني المشرف أن عليّ زيارة الدكتور أبو القاسم سعد الله والاستماع لتوجيهاته. ووصلت إلى الجزائر اليوم الخامس من شوال 1403هـ وشاء الله أن يُعقد بعد أيام ملتقى الفكر السابع عشر في قسنطينة فيسّر الله لي حضور الملتقى ومقابلة عدد من رجالات الجمعية. ولكن كانت هذه اللقاءات قليلة الجدوى لأنني لم أكن قد كونت فكرة كافية لأستطيع توجيه الأسئلة الصحيحة والمفيدة.
        عدت إلى الجزائر فكان اللقاء بالدكتور أبو القاسم سعد الله رحمه الله فرسم لي خطة رائعة لكل ما يجب علي فعله والمصادر التي أبحث عنها والأشخاص الذين ينبغي مقابلتهم. ولكن الخطة تلك كانت خطوطاً عريضة تسمح للباحث أن يتحرك بحرية فمثلاً قال تحت عنوان "الاستجوابات" وذكر أهم العلماء من الجيل الأول والجيل الثاني كما كان رجلاً منصفاً حقاً فلم يدع المخالفين أو المختلفين مع الجمعية فذكر منهم محمد قنانش وفرحات عباس وذكر أيضاً مقابلة الطرق الصوفية.
        قطعت شوطاً طويلاً في إعداد الرسالة حتى إذا أوشكت على الانتهاء وقد زرت المكتبة الوطنية في الجزائرية والأرشيف الوطني في قسنطينة وزرت فرنسا وبخاصة الأرشيف الوطني لما وراء البحار طلب إليّ المشرف أن أعرض مسودة الرسالة كاملة على الدكتور سعد الله. وأخذت منه توجيهاته الأخيرة وعدت فكان لا بد من المناقشين ووقع الاختيار على الدكتور سعد الله رحمه الله ليكون مناقشاً خارجياً ولصعوبة الاتصالات حينذاك سعيت لإتمام إجراءات الاستضافة في الجامعة وحملت الدعوة وتوجهت إلى الجزائر في الخامس والعشرين من شهر رمضان في زيارة لم تدم أكثر من ثلاثة أيام. سلّمت الرسالة والدعوة.
        وكانت المناقشة فكانت مناقشته حول الموضوع لا يفعل كما يفعل كثير من المناقشين همهم الأول إظهار علمهم واستعراض عضلاتهم على الطالب وإرهابه وتخويفه بل كان علمياً موضوعياً حتى إذا سكت أما سيل الأسئلة من المناقش الآخر قال رحمه الله: عرفتك باحثاً جيداً ولكن مالك لا تدافع عن رسالتك، فقلت له وهل ترك لي الأستاذ فرصة وهنا تجرأت قليلاً في الدفاع.
        استمرت الصلة بيني وبين الدكتور سعد الله حتى إنه بعد أعوام قليلة اتصل بي ليخبرني بملتقى يوم العلم في قسنطينة وشجعني على الكتابة للمجلس الشعبي البلدي لأعرض عليهم دعوتي للحضور والمشاركة وقد كان حيث حضرت أكثر من مرة.
        وكلما نزلت الجزائر حرصت على لقائه رحمه الله والأنس بصحبته والتعلم منه وفي أثناء البحث كان يرى كأنه مشرف علي وكان لديه إحساس أنه سيكون المناقش فلم أتشرف بزيارته في بيته حتى إنه عندما اختير مناقشاً تحرج قليلاً فقد قال أسهمت في الإشراف فكيف أكون مناقشاً ولكنه أدى دور المناقش ببراعة وأكاديمية عالية وبهدوء بديع رحمه الله رحمة واسعة.
        وبعد المناقشة تواصلت المراسلات واللقاءات ودعاني إلى بيته الكريم واستمتعت بصحبته مع صديق هو الأستاذ عبد القادر ربّاني.
        ومن أجمل اللقاءات أنه حين زارنا في المدينة وكان اللقاء بينه وبين أبي رحمهما الله امتد الحديث لأحداث المنطقة المعاصرة ولمس لدى والدي رحمهما الله وعياً كبيراً وفهماً عميقا حتى إنه لامني فيما بعد أنني لم أدون ما لدى والدي من معلومات وتحليلات وآراء.
        إن موت الدكتور سعد الله فقد كبير للعلم والمعرفة ولكنه ترك ثروة كبيرة جداً ليت الشباب يعكفون على دراستها والإفادة مما فيها من علم بل ليتهم يفيدون من سيرته العظيمة ودأبه ونشاطه الذي لا يعرف الكلل ولا الملل.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق