الثلاثاء، 20 أكتوبر 2015

الإسلام والعالم اليوم


                                     
كلما ظهر خبر في وسائل الإعلام عن تفجيرات أو أعمال إرهابية في العالم، وكلما قامت مشكلة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية في بلد عربي أو مسلم توجهت أصابع الاتهام إلى الإسلام، وبدأ الحديث عن الإسلام من النواحي العقدية والشرعية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وكأنه السبب الوحيد في الخراب والقتل!! وكأن الإسلام دين عنف وقتل وتدمير وليس دين تسامح ومحبة؟؟ وكثرت التساؤلات عن واقع الأمة الإسلامية لماذا تعيش معظمها في نطاق العالم الثالث أو العالم المتخلف. أليس هناك فكر رشيد يفصل بين المسلمين وواقعهم الصعب إن لم نقل المزري، والإسلام العظيم الذي نشر العدل والحق والنور والهداية في ربوع العالم وعاشت البشرية في ظلاله أعظم أيامها على الإطلاق؟
إن الإسلام هو الحضارة التي انطلقت منها أوروبا لتبني نهضتها وحضارتها؟ لقد تعلم روجر بيكون وغيره من أساطين العلم في أوروبا المنهج العلمي من العلماء المسلمين، لقد أعطى المسلمون العالم رقم الصفر الذي بدونه لم يكن لعلم الرياضيات أن يتطور ولم يكن من الممكن للكمبيوتر أن يظهر، كما أعطوا العالم الأرقام الحسابية التي أصبحت معروفة في العالم كله بالأرقام العربية؟ وأبدع المسلمون في علم الطب والتشريح والجراحة، كما أبدعوا في الهندسة، وفي الكيمياء، وفي الزراعة وفي الفيزياء، وفي الرياضيات، وفي الفلك.
وأما في العمران فهذه إسبانيا يزورها أكثر من ستين مليون سائح سنوياً ليشاهدوا عظمة العمران الإسلامي في غرناطة وفي قرطبة وفي إشبيليا وفي مدريد وغيرها؟ إن الإبداع العمراني للمسلمين بدأ منذ عهد مبكر؛ فقد عرف المسلمون أهمية بناء السدود وما تزال آثار السدود التي بنيت في عهد الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان  رضي الله عنه موجودة حتى الآن، وأبدعوا في عمارة المعاهد والمدارس والجامعات والقصور. وهذه آثارهم في الشام، وفي مصر وفي المغرب وفي تركيا وفي أواسط آسيا تدل على عظمة العمران الإسلامي.
إن المسلمين اليوم الذين يتسولون الإدارة وفنونها شرقاً وغرباً عرفوا الإدارة اللامركزية؛ فقد استطاعوا أن ينظموا شؤونهم الإدارية رغم اتساع رقعة دولتهم منذ الخلافة الراشدة حتى أوج قوة الدولة العثمانية. وكان للمسلمين جيوشاً منظمة، وصناعات حربية رائدة. وقد كانوا رواداً في بناء المدن الخاصة بالجيوش، فكأنّي بهم سبقوا غيرهم في بناء المدن العسكرية.
 وفوق ذلك كله قدم المسلمون للعالم مبادئ وقيم وأخلاق منها: الرحمة والإنسانية والحق والعدل؟ وقدم المسلمون القدوة في الأمانة والدقة والإخلاص في العمل؟ ولعل أبرز دليل على عظمة الأخلاق الإسلامية ما جاء على لسان جعفر بن أبي طالب حينما سأله النجاشي عن الإسلام فقال له : كنّا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويّ منّا الضعيف، فكنّا على ذلك حتى بع الله إلينا رسولاً منّا، ونعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، أمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات..."
فلماذا أبدع المسلمون تلك الحضارة العظيمة قديماً وهم يعجزون عن أصغر صناعة اليوم؟ لا شك أن المقومات الأساسية للإبداع اليوم تكاد تكون مفقودة تماماً في العالم الإسلامي؛ ألا وهي الحرية الحقيقية، والكرامة الإنسانية، إن الفرد إذا ما افتقد كرامته وحريته فأنّى له أن يبدع؟ لقد كانت قيمة الفرد المسلم في يوم من الأيام تصل إلى أن تعلن الدولة الإسلامية الحرب على أعدائها، واليوم الفرد المسلم هو أرخص شيء لدى دولته حتى بلغت هجرات المسلمين إلى الخارج بالملايين. وإن المواطن المسلم ليختفي ولا يستطيع أن يعثر له أحد على أثر. بل الذين يختفون لا يكونون إلاّ من الشخصيات العلمية أو الفكرية أو السياسية. وأسأل السجون والمعتقلات في العالم الإسلامي كم مات فيها من عالم، وباحث، وطبيب، ومنهدس؟ إن القانون الإسلامي يفرض على الدولة أن تستنفد كل ما فيها خزينتها لافتداء فرد مسلم واحد.
 لقد استدعى عمر بن الخطاب رضي الله عنه خليفة المسلمين واليه على مصر عمرو بن العاص ليواجه خصماً قبطياً شكى من سلوك الوالي وابنه، وقال عمر بن الخطاب للوالي تلك الكلمة المدوية (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً). هذا القطبي كان يعيش تحت حكم الرومان وهم من أتباع دين واحد ولكنه رأي حكم المسلمين أكثر رحمة وعدلاً.
إن الكرامة الحقيقية التي حققها الفرد المسلم التي جعلت الحاكم المسلم يقدر رغبة مدينة من المدن في رفض حاكمهم بأن يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لو أن أهل الكوفة طلبوني والياً كل يوم لبعثت إليهم"، وقد كان بعض الفقهاء يرون أن الوالي لا حق له في أن تزيد فترة حكمه عن سنة واحدة.
إن الدين الإسلامي دين شامل فقد نظم حياة الفرد والأمة ووضع من القواعد والأنظمة لتشمل شؤون الحياة جميعها في الجوانب الاجتماعية كالعلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع سواءً كانوا أقارب أو جيران أو غير ذلك، وكذلك أمور الزواج والطلاق والميراث والقضاء، ونظم أمور السياسة والعلاقات الدولية حتى أبدع لنا علماء مسلمون موسوعات في العلاقات الدولية كابن الحسن الشيباني. ونظم أمور الحرب فوضع من الوصايا والأنظمة ما لم تصل إليه شعوب الأرض حتى وقت متأخر، ومن يرد تفصيلاً فهناك الوصايا العشر التي وجه الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه قائد جيشه أسامة بن زيد وقد جاء فيها: (قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عنّي:
    1- لا تخونوا،
  2- ولا تُغِلّوا،
  3- ولا تغدروا،
  4- ولا تُمَثّلوا،
  5- ولا تقتلوا طفلاً صغيراً،
  6- ولا شيخاً كبيراً،
  7- ولا امرأة،
  8- ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة،
  9- ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلاّ لمأكلة،
 10- وسوف تمرون بأقوام فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له) فأي تشريع حتى اليوم يصل إلى هذا الرقي؟ ويقول أحمد أبو الفتح عن عظمة الإسلام: "وذهب إلى أبعد من ذلك فحرّمَ من المأكل والمشرب ما يضر بصحة الإنسان، وحرم الميسر الذي يخرب البيوت ويدمر علاقات الناس ويهدد أعصاب المقامر."
ولم يكن الإسلام في يوم من الأيام دين تطرف ولا دين إرهاب. لقد بلغ من عظمة التشريعات الإسلامية أن نهت المسلم أن يروِّع أخاه المسلم، بل بلغ من بعد الإسلام عن ترويع الآمنين أن نهى عن المباغتة في القتال؛ فلا بد من إنذار الأعداء قبل بدء العمليات العسكرية. وقد بلغ من رحمة الإسلام أن كان رحيماً حتى بالحيوان؛ فهذا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يرى حمامة قد أخذ منها أفراخها فيأمر بإعادتهم إليها، ونهي عن التحريش بين الحيوانات ليستمتع الإنسان بمنظر الحيوانات وهي تتقاتل. أيكون دين هذا شأنه دين إرهاب وتخويف؟
 أما الأسباب الأخرى لغياب الإبداع والتقدم والتطور في العالم الإسلامي فهناك أسباب داخلية وأسباب خارجية؟ والأسباب الخارجية معروفة فإن الشركات الكبرى أو العملاقة أو متعددة الجنسيات يصعب عليها أن ترى الشعوب الأخرى وقد انتقلت من دول مستهلكة إلى دول منتجة صانعة؟ فلذلك يسعون بكل ما يملكون لتأخير نهضة الشعوب المتخلفة والتي يراد لها أن تستمر متخلفة إلى أن يشاء الله. كما أن ارتباط معظم الحكام العرب والمسلمين بدوائر صنع القرار في الخارج يعطل أي نهضة حقيقية. إن شعوب الشمال التي لا يزيد تعدادها عن عشرين في المائة من سكان الكرة الأرضية تستأثر بثمانين بالمائة من خيراتها وثرواتها وإيراداتها. وإن كان لنا أن نعترف بالجهود التي يبذلها الشمال في العمل والإنتاج ولكن ثمة وسائل يتخذها هذا الشمال للإبقاء على الجنوب متخلفاً.
أما الأسباب الداخلية فإن الأمة الإسلامية بعد أن عانت من الاحتلال عشرات السنين زادت عن المائة في بعضها، ترسخ في نفوس أبنائها استحالة النهضة والقيام بعد طول الاحتلال والتخلف، ونظراً لما تعانيه من ضياع قيمة الفرد وغياب كرامته فإن القيام من هذا السبات يحتاج إلى استعادة الحرية والكرامة الإنسانية أولاً. ولكن هذه الأمة الإسلامية كغيرها من الأمم شعرت بضرورة النهضة، فكانت بدايات النهضة على أيدي العلماء المسلمين الذين طالبوا بالعودة إلى الشريعة الإسلامية؛ لتحكم حياة الأمة في السياسة، وفي الاقتصاد، وفي الاجتماع، وفي التعليم، وفي جميع شؤون الحياة. وكانت هذه الحركات قد بدأت بذورها قبل رحيل الاستعمار، فحاربها المحتل الأوروبي بشتى الوسائل واتهمها قبل مائة سنة بما تتهم به الحركات الإسلامية التي يطلقون عليها "الأصولية" بكراهية الأجنبي xenophobia وبمعادة التحديث والتطوير. ومع ذلك فحين رحل الاستعمار تسلم الزمام حكومات جربت النظم الغربية والشرقية في الحكم؛ فحُكِمت الأمة بالمبادئ الاشتراكية والشيوعية والنظم الرأسمالية وغاب تطبيق الإسلام غياباً شبه كامل. ولما ثبت فشل هذه النظم جميعاً في تحقيق النهضة الحقيقية للبلاد الإسلامية؛ نهضت الحركات الإسلامية من جديد، وهذه تركيا التي بذل فيها مصطفى كمال وأنصاره من دعاة العلمانية والتغرب كل جهودهم لربطها بأوروبا حتى إنني ما زلت أذكر أن مرشداً سياحياً كان يشرح أمراً على خريطة تركيا فقال "نحن الدولة الرابعة في أوروبا من حيث المساحة." فتعجبت من ربطه تركيا بأوروبا، ولكن ها هي تركيا يفوز فيها حزب الرفاه الإسلامي بنسبة من المقاعد في البرلمان التركي تسمح له الاشتراك في الحكم، فيقف العالم كله يتفرج على مجموعة العسكر المتنفذة في البلاد كيف تحارب الديموقراطية وتنهي فترة حكم حزب الرفاه، بل يصل الأمر بهم أن يحكموا على رئيس الحزب العالم المهندس الصناعي نجم الدين أربكان بالامتناع عن ممارسة السياسة. ومع ذلك تواصل الأحزاب الإسلامية سعيها للوصول إلى الحكم، حتى وصل حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب أردوغان وقد مرّ عليه الآن عدة أعوام؛ وهاهي تركيا تخطو خطوات واسعة نحو التقدم والتطور واحترام حقوق الفرد والإبداع.
   وقد انتشر في الغرب اعتقاد بأن الصحوة الإسلامية تهدد مصالحه في المنطقة، فانبرى يحاربها من هذا المنطلق، ومن المنطلق العقدي التعصبي الذي أشرنا إليه آنفاً. فكان من وسائل الحرب أن تخصص منه عدد من الباحثين لدراسة الصحوة الإسلامية دراسة عميقة؛ فعقدوا المؤتمرات، والندوات لدراسة هذه الصحوة. وأصدروا الكتب والدراسات والبحوث. واستخدم الغربيون في دراساتهم هذه كثيراً من رموز العلمانية في العالم العربي الإسلامي. وكان الخطأ هنا في أنهم قبلوا من أعداء الصحوة الإسلامية أو من تلاميذ الغرب المتغربين أن يقدموا لهم المعلومات عن هذه الاتجاهات التي يعادونها مثلهم. أما المعتدلين من الغربيين فلا تعطى لهم الفرصة الحقيقية لتقديم بحوثهم. ومن الأدلة على ذلك ما واجهه ويواجهه أمثال آن ماري شميل، وجون اسبوزيتو ويوفان يزبك حداد وريتشارد بوليت  وفرانسوا بورجا وغيرهم.
    وأخذت الحرب ضد الحركات الإسلامية شتى الوسائل ومنها حرب النعوت والألقاب. فمن هذه النعوت التي أطلقت على الحركات الإسلامية أو التوجه الإسلامي أو النهضة الإسلامية: التطرف، والتشدد، والحركات المسلحة، والإرهاب، والأصولية. وقد كتب الدكتور سعيد بن عبد الله سلمان من كلية عجمان التقنية بحثاً بهذا الخصوص أوضح أن "الأصولية" مثلاً التي ينعتون بها الحركات الإسلامية إنما هي حركة يهودية ونصرانية (مجلة الباحث عدد 60، تشرين أول 1993م)، وفند حججهم في هذه الحرب الظالمة. وقد اشترك في هذه الحرب معظم المجلات الغربية حتى التي تزعم لنفسها الابتعاد عن الموضوعات الجدلية مثل مجلة (المختار) Readers Digest. ومن العجيب أن كثيراً من الصحف العربية الإسلامية أصبحت مرآة عاكسة لما يكتب في الغرب ضد هذه الحركات، فكأنها بلا عقل يهديها أو كأنها ببغوات تردد ما تسمع دون وعي أو تفكير.
    ويزعم الغرب أن الحركات الإسلامية أو الإسلام يعادي الغرب ويعادي النهضة والتحديث، وقد أصدر المستشرق الأمريكي العديد من الكتب، وألقى الكثير من المحاضرات، وكتب المقالات الطويلة في أبرز الصحف الأمريكية ليتناول أسباب تخلف المسلمين وكراهيتهم للتمدن والتحديث. ومن أبزر محاضراته تلك التي ألقاها في مكتبة الكونجرس الأمريكي عام 1990م وكانت باسم محاضرة توماس جيفرسون السنوية التي يمولها وقف الإنسانيات الأمريكي، ثم نشرها في مجلة أتلانتك الشهرية بعنوان "جذور الغيط الإسلامي". ومما يدحض هذه الفرية الواقع التاريخي للأمة الإسلامية التي لم تنهض إلاّ حينما كانت متمسكة بالإسلام؛ حتى إن الملك جورج الرابع بعث أبناءه وأبناء إخوته إلى الأندلس ليدرسوا في المعاهد الإسلامية، وذيّل خطابه إلى الخليفة المسلم بعبارة (خادمكم المطيع)، ويدحضها ما في القرآن الكريم من إشارة إلى أن الإنسان مستخلف في الأرض لعمارتها، وقد أوردت آيات القرآن الكريم الكثير من الصور للحضارة والمدينة؛ ومنها ذكر العمران، وذكر المصانع والمعامل، وذكر الترف والرفاهية التي لا يمكن أن تتحقق إلاّ بالتقدم العمراني والمدني. ومما يشجع على العلم والتفكر أن عبارات (تعقلون ويعقلون وتتفكروا..). تؤكد بوضوح على أن الإسلام دين العلم والفكر حتى إن الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله أصدر كتاباً بعنوان التفكير فريضة إسلامية.
    هذه الموجة الاستعدائية للإسلام والمسلمين ليست قاصرة على الحركات الإسلامية بل تطول الشأن الإسلامي كله وقد كتب الأستاذ محمد صلاح الدين- وهو من الكتاب الإسلاميين المرموقين- في جريدة "المدينة المنورة"(عدد 11986، في 9رمضان 1416هـ) يشير إلى موقف رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية فيليب ساجان من الحجاب الإسلامي وتشبيهه بعادة حمل الصليب الذهبي، فكان مما كتبه الأستاذ محمد صلاح الدين: "هذا تفكير غريب دون شك ومنطق أغرب، فأنت تمنع تقليداً موجوداً ويمارس منذ زمن على نطاق واسع لمجرد منع تقاليد أخرى لا وجود لها من الظهور. وهذا تصرف انتقائي واستعدائي لا يدفع إليه غير التحيز والتمييز." وأشار الكاتب في مقالته إلى موقف بريطانيا من عزم مؤتمر وزراء العدل الأوروبيين على إصدار قانون أوروبي ضد التمييز وطالبت بريطانيا في وثيقة سرية ألا يتضمن القانون أي مادة تدعو إلى منع الإهانة أو إشاعة الحقد أو التمييز على أسس دينية. وأشار الأستاذ محمد صلاح الدين إلى أن الدوافع خلف هذه المذكرة هو الخوف من تعرض سلمان رشدي للمحاكمة على هذا الأساس. وتساءل الأستاذ محمد صلاح الدين عن الدوافع البريطانية لهذا الموقف بقوله: "هل هو الحب المفرط لسلمان رشدي الذي يدفع بريطانيا لمعاداة الإسلام وشعوبه بمعارضة توفير حماية قانونية أوروبية ضد التمييز والإهانة على أساس الدين أم هو ضعف وهوان المسلمين؟"
   وكتب الأستاذ محمد صلاح الدين أيضاً مقالة رائعة حول قضية المسلمين في اليونان، وفي تراقيا، وحول الخلاف بين تركيا واليونان على جزيرة صخرية في بحر إيجه، ووقوف اللجنة الأوروبية في صف اليونان دون دراسة حقيقية للموقف سوى أن اليونان عضو في الاتحاد الأوروبي بينما تركيا دولة مسلمة. وكان مما كتبه: "إن ما حدث ويحدث للمسلمين الأوروبيين سواءً كانوا سلافيين أو أتراكاً أو يونانيين هو شهادة دامية مؤسفة على إخفاق الحضارة الغربية الأخلاقي المروع، وازدواجية معاييرها وسلوكها، كما إنه شاهد على ضعف الأمة وهوانها على نفسها وعلى الناس."
    ولا يكتمل الحديث عن هذه المواجهة دون الإلمام بالجانب الايجابي الذي يتزعمه بعض المفكرين والساسة الغربيين ـ وإن كانوا يسبحون ضد التيارـ فقد ظهر الأمير تشارلز أمير ويلز وولي العهد البريطاني في محاضرة عامة في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية قبل عامين تقريباً ليطالب الغرب بالتوقف عن الحملات الظالمة ضد الإسلام، وطالب بمحاولة فهم الدين الإسلامي فهماًَ صحيحاً،  وأشار إلى فضل الحضارة الإسلامية على الغرب. وكان موقف الرئيس الألماني من تقديم جائزة السلام للباحثة الألمانية آنا ماري شميل موقفاً إيجابياً. وفي الباحثين الأمريكيين وغيرهم من الأوروبيين من له كتابات جميلة عن الإسلام ومن هؤلاء على سبيل المثال البرفسور جون اسبوزيتو. وهناك أيضا من الباحثين الغربيين المعاصرين من لم يتأثر بالعداء التقليدي للإسلام في الغرب.
  
السعودية وموقفها من الإرهاب:
ولمّا وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، ونشرت وسائل الإعلام الأمريكية نقلاً عن الحكومة الأمريكية وجود مجموعة من الشباب السعودي ضمن ركاب الطائرات التي ضربت برجي التجارة العالميين في نيويورك حتى زاد اهتمام العالم بالسعودية والإسلام فيها. وكان سيل الاتهامات للسعودية والإسلام لا يكاد ينتهي. وتولى كِبر هذه الهجمة عدد من الصحفيين والإعلاميين وبعض الباحثين المتخصصين في الدراسات العربية الإسلامية (المستشرقون) من أمثال برنارد لويس، ودانيال بايبس، ومارتن كريمر، والسفير الإسرائيلي في واشنطن، وعدد من التابعين للتيار الاستشراقي من أمثال فؤاد عجمي، وفريد زكريا وغيرهما. فما حقيقة الأمر؟ والحقيقة أن هذا الهجوم على الإسلام لم يكن وليد الحادي عشر من سبتمبر فالمطلع على الإعلام الغربي، وعلى الإنتاج العلمي لمراكز البحوث وأقسام دراسات الشرق الأوسط يعرف أن هذا الهجوم كان قديماً جداً وقد ازدادت حدته مع سقوط الشيوعية وانفراط عقد الاتحاد السوفيتي سابقاً. وقد كتب القس الأمريكي سبايت من مركز التفاهم الإسلامي النصراني يحذر من جعل الإسلام الشبح الجديد ، وأشار إلى بعض الكتابات في هذا المجال وبخاصة ما كان يكتبه كرس كروتهامر في الصحف الأمريكية عن أن الإسلام سيكون الشبح المخيف الجديد للغرب، وأكد مثل هذا الكلام الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، ثم كانت خاتمة المطاف مع كل من صموئيل هتنقتون في ابتكاره أو إعادة إحياء مصطلح (صدام الحضارات) الذي ابتدعه المستشرق المشهور برنارد لويس منذ السبعينيات في كتابه (الغرب والشرق الأوسط)، وفوكوياما في حديثه عن نهاية التاريخ.
إن المملكة العربية السعودية أعلنت منذ قيامها أن دستورها القرآن، وأن نظامها الأساسي منبثق عن تشريعات الإسلام وقوانينه. وبنت مناهجها الدراسية على الرفع من شأن الإسلام وتكثيف المواد الدينية في المدارس. فما زلت أذكر أن طالب الصف السادس ابتدائي عليه أن يحفظ عشرين حديثاً نبوياً، بالإضافة إلى حفظ عدد من سور القرآن الكريم لا يحفظها طالب في أي مرحلة من مراحل الدراسة في العالم الإسلامي. كما أن الدروس الدينية موزعة على عدة مواد هي القرآن والتفسير والفقه والحديث. ولا يغيب الدين عن دروس اللغة العربية حيث الأمثلة والشواهد من القرآن والسنة، أو من الشعر العربي الأصيل الذي يدعو إلى مكارم الأخلاق.
وكان لمناهج التعليم دورها في المحافظة على إسلامية المجتمع السعودي أو تمسكه بالإسلام، فللمدارس نشاطاتها اللاصفِّية التي تشجع على مزيد من الارتباط بالإسلام وأخلاقه وسلوكياته. فهناك النشاط الكشفي في المراحل الدراسية المختلفة، ثم نشاط الجوالة في المرحلة الجامعية، أما المراكز الصيفية فإنها في أغلبها تتجه نحو الترفيه البرئ، والمحافظة على القيم والأخلاق السامية المستمدة من الإسلام، مع الاهتمام بالتعليم والهوايات المختلفة من رسم ورياضة وغير ذلك.
أما الكتب الدراسية في المناهج السعودية فهي تلتزم بالإسلام عدا بعض الثغرات القليلة في بعض العلوم الحديثة كعلم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ. وهذا الالتزام بالإسلام يقدم صورة بعيدة عن الصور النمطية للشعوب الأخرى. فهي مناهج متوازنة ومعتدلة، ولا يمكن أن ينسب إليها مطلقاً ظهور الفكر الإرهابي التطرفي. نعم يمكننا أن نقول أن بعض الكتب الدينية مكتوبة بلغة مر عليها أكثر من قرنين وكتبت بقوالب محددة لم تشهد أي تطور أو تغيير. إن الزمن الذي كتبت فيه هذه الكتب غير الزمن الذي نحن فيه، ومع ذلك فإن هذه المناهج تحذر من الشرك والكفر وقد تبالغ أحياناً في بعض هذه المسائل ولكنها ليست مسؤولة عن ظهور التطرف.
قد يتهم البعض المجتمع السعودي بالانغلاق، ولكن هذه التهمة لا تقف أمام الأدلة والبراهين على أن المجتمع السعودي من أكثر المجتمعات العربية انفتاحاً على العالم، فمنذ أكثر من أربعين سنة انطلقت البعثات العلمية إلى مختلف دول العالم ابتداءً من مصر إلى الدول الأوروبية وأمريكا، وقد أسهمت شركة أرامكو في ابتعاث عدد كبير، بل لم يقتصر الابتعاث على وزارة المعارف ثم وزارة التعليم العالي بل شاركت مختلف قطاعات الحكومة السعودية في ابتعاث موظفيها إلى الغرب لمواصلة دراساتهم أو الحصول على دورات متخصصة.
وقد بلغت هذه البعثات في وقت من الأوقات عشرات الآلاف، وهؤلاء لا شك تعرفوا إلى المجتمعات الغربية وتأثروا بها وأثروا فيها. وعادوا يحملون فكراً وثقافة تختلف عن الفكر والثقافة التي غادروا بهما. وقد ظهرت تيارات فكرية في المملكة متأثرة بالفكر الغربي ومقلدة له، فقد انتشرت موجة ما يسمى بـ"الحداثة" في الأدب والفكر، وهي حداثة مقلدة لحداثة أوروبا رغم أننا لم نمر بالمراحل التي مرت بها أوروبا، وقد فسح المجال لها أن تعبر عن نفسها في وسائل الإعلام المختلفة من صحافة، وإذاعة وتلفاز. كما أصدرت العديد من الكتب. بل إن بعض رموز الحداثة في بلادنا احتكروا عدداً من المنابر الصحفية وغيرها. وأتيحت الفرصة لمنتقدي الحداثة أن يعبروا عن رأيهم بحرية كتابة ومن خلال المنابر المختلفة.
أما المجتمع السعودي فإن تمسكه بالإسلام تمسك حقيقي، ويتمثل هذا التمسك بالعلاقات الاجتماعية القوية التي تربط أفراد المجتمع بعضهم مع بعض، وكذلك في التلاحم الأسرى، وفي المناسبات العامة من أفراح وأحزان. ويتمثل التمسك بالإسلام في العلاقات المالية بين الناس. ولكن هذه المظاهر التي كانت أقرب إلى التمسك الصحيح أو ربما التشدد بدأت تشهد بعض التغيرات الكبيرة، فازدادت الأفراح بذخاً وربماً فساداً، وكثرت القضايا المالية في المحاكم، وضعف النسيج الاجتماعي عموماً. فظهرت حالات عقوق الوالدين التي لم تكن لتعرف قبل عقود من الزمن، كما ضعف النسيج الاجتماعي الذي كنّا نفخر به في يوم من الأيام. ولعل من أهم أسباب ذلك أننا تعلمنا الدين من الناحية النظرية وغاب التطبيق عنّا، كما أن الطفرات الاقتصادية والركض خلف المال يفقد المجتمعات الكثير من القيم والمثل والمبادئ. والأمر الثالث أننا تمسكنا بمظاهر الدين ولم نتمسك حقيقة بجوهر الدين ولبه، وهذا ما جعل المجتمع سريع التأثر بالإعلام الغربي وإنتاج هوليوود السينمائي الذي يدعو في معظمه إلى الرذيلة والانحطاط الأخلاقي، وصناعة الموضة التي أفسدت النساء وهن ركيزة الأسرة.
ومن المظاهر المهمة في المملكة العربية السعودية وجود هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي تشبه إلى حد كبير شرطة الآداب في البلاد الأخرى سوى أنها تختلف عنها في بعض المهمات، وكذلك في الأسس التي تنطلق منها؛ فهيئة الأمر بالمعروف تنطلق من مبادئ إسلامية أصيلة وهي ضرورة أن يكون في المجتمع فئة (تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتدعو إلى الله على بصيرة) وقد كان لهذه الهيئة دور مبارك، ولكن بعض الأخطاء والتجاوزات بالإضافة إلى وسائل الإعلام العربية والغربية أساءت لها. ولذلك لا يمكن للإنسان أن ينكر أن لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إيجابيات كبيرة في الحد من كثير من مظاهر الفساد التي توجد في المجتمعات البشرية عامة، فقد كان من واجباتها الأساسية دعوة الناس إلى أداء الصلاة، ومتابعة قضايا الفساد من شرب الخمر أو الاتجار بها أو مظاهر الفساد الأخرى من بغاء ودعارة أو توزيع لما يمكن أن يدخل ضمن المواد الخادشة للحياء من أشرطة فيديو وغيرها.
ولما بدأت الطفرة الاقتصادية في أواخر السبعينيات الميلادية ودخل البلاد ملايين الوافدين، كان على الهيئة أن تواصل عملها بقوة واقتدار. وأن تطور من أساليبها ووسائلها وأن تدعم كادرها بعدد أكبر من الموظفين المتخصصين. ولا شك أنها واصلت العمل وحققت بعض النجاحات، كما أخفقت في بعض الأحيان. ولعل من أسباب الهجوم المستمر على الهيئة هو استخدامها بعض الأساليب القائمة على التشدد والتزمت فالناس لا يذكرون إلاّ الأساليب القمعية للهيئة، أما ما ينجحون فيه من حماية المجتمع من الفساد وشروره فإن المجتمع لا يعرفه.ومن أسباب هذه الجفوة مع الهيئة أن البشر يميلون إلى معاداة من يدعوهم إلى الخير والفضيلة ويتثاقلون من قبول النصيحة، ولعل هذا مصداق قول الله عز وجل {ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين}(الأعراف 21)، ولذلك فهم بحاجة إلى حملة علاقات عامة حقيقية ليعرف الناس حقيقة ما يقومون به، كما أنهم يجب أن يفتحوا أبوابهم للنقد البناء، وأن يفتح المجال للعمل في الهيئة وفقاً للكفاءة والعلم لا أن تكون وظيفة يمكن الحصول عليها بالواسطة.
ولا بد من الحديث عن هذا العدد الكبير من الوافدين من عرب ومسلمين وأجانب فهؤلاء أسدوا للبلاد خدمات كبيرة في تقديم علمهم وخبراتهم والإسهام الكبير في نهضة البلاد وتنفيذ خطط التنمية المختلفة. ولكنهم في الوقت نفسه نقلوا إلى المملكة الكثير من العادات والتقاليد والسلوكيات الاجتماعية التي لم تكن مألوفة في السابق. ومن الأمثلة على ذلك أن المرأة الوافدة لم تعرف الحجاب الكامل الذي يتمثل في غطاء الرأس. فبدأت تظهر في المجتمع نساء سعوديات قلدن المرأة الأجنبية. وكان هذا السلوك سبباً في ظهور النقاش حول ضرورة غطاء الوجه. فالأمر الذي لم يكن مسموحاً بالاقتراب من الحديث فيه قبل سنوات أصبح يطرق الآن وبقوة. ومع ذلك فإن في المجتمع السعودي بعض مظاهر التشدد التي قد لا تجدها في بلد آخر.
وليس هذا فحسب بل إن الإعلام الرسمي السعودي ظل ومازال الأقرب إلى روح الإسلام في برامجه، وحتى بعد أن بدأ هذا الإعلام ينطلق مقلداً الإعلام في الدول العربية الأخرى من حيث التركيز على التسلية والترفيه وإظهار المرأة في الغناء وفي التمثيل في أوضاع بعيدة عن الحشمة والحياء، حتى كانت بداية القرن الخامس عشر الهجري ومراجعة وسائل الإعلام سياستها فتقرر وضع حدٍ لهذه الأمور فتوقف ظهور النساء المغنيات، وعاد التلفاز أكثر التزاماً بالقيم والحشمة والحياء.
ولكن ما لم يكن في الحسبان أن انطلقت وسائل إعلام مهاجرة وبخاصة في بريطانيا لتؤسس لعدد من الصحف والمجلات، ووسائل الإعلام الأخرى من قنوات فضائية وإذاعات وبخاصة إذاعات الإف إم لتتخطى الحدود في مسائل الترفيه والتسلية، كما أنها أعطت هامشاً أوسع من الحرية لتناقش كثيراً من ثوابت الأمة. ومن الصعب أن تحسب هذه القنوات على السعودية وإن كان بثها وتوجهها الأساسي هو لهذه البلاد. والدليل على ذلك أن التوقيت السعودي يتقدم في الغالب التوقيت العالمي أو توقيت جرينتش.
  كما ذكرت لا يمكننا أن ننكر دور حركة الشيخ في الإصلاح ومحاربة البدع، ولكن الزمن قد تجاوز هذه الحركة كما تجاوز غيرها. وقد لاحظ حتى بعض أتباعها شيئا تأثير البيئة على طريقة الدعوة وأسلوبها. ولكن علماء السعودية اليوم ليسوا أسرى تلك الفترة التاريخية. فإن صح أن يطلق على بعضهم أنهم متشددون أو متعصبون؛ فإن التعصب موجود لدى جميع الأمم وفي جميع الدول وفي جميع الملل والنحل. فإن كان في المسلمين متعصبون، فإن في النصرانية وفي اليهودية متعصبون أشد وأعنف وأعتى.
وفي الخلاصة فإن الإسلام دين عظيم جاء ليحقق للإنسانية الكرامة التي قال الله فيها {ولقد كرّمنا بني آدم}، وليكون رحمة للعالمين في أخلاقه وفي تشريعاته ونظمه، ويدعو البشرية للعمل في سبيل تطوير وترقية الحياة الإنسانية على هذه الأرض، وليس لتتصارع من أجل البقاء أو تتحارب على الموارد النادرة والمواد الأولية التي قال بها أساطين الفكر الاقتصادي الغربي، بينما يرى الإسلام أن الأرض قد قُدّرت فيها أرزاقها، ويدعو الإسلام إلى التسامح، فكيف ينسى الغرب كلمات المفكر الفرنسي الكبير جوستاف لوبون (لم تعرف البشرية فاتحاً أرحم من المسلمين)، وليتذكر العالم أن اليهود الذين عانوا من الاضطهاد على مدى تاريخهم لم يعرفوا استقراراً وازدهاراً كما عرفوه في تاريخهم مع المسلمين.
وأخيراً علينا أن نفرق بين الإسلام وحال المسلمين اليوم حين ابتعدوا عن الإسلام فلم يعد لهم تلك المكانة التي وصلوا إليها يوماً ما حينما كانوا معلمي البشرية وهداتها.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق