الخميس، 15 أكتوبر 2015

ملخص ورقتي في مؤتمر "التربية والتعليم في سياق التبادل الثقافي" بجامعة نوتردام بلبنان يومي 2و3 يونيه 2011م "ضرورة إنشاء الدراسات الأوروبية والأمريكية في الجامعات العربية " خلفيات تاريخية:


        ذكر المستشرق الألماني رودي بارت في كتابه (الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية) الذي نشر عام 1964 أنه حدث في أحد مؤتمرات المستشرقين أن التفت مستشرق إلى عالم مسلم فقال له: ها نحن ندرسكم ونبحث في قضاياكم وموضوعاتكم، فمتى تبدؤون أنتم بدراستنا"
        وحينما حضر جون اسبوزيتو المتخصص في الدراسات الإسلامية بجامعة جورج تاون بواشنطن العاصمة إلى مهرجان الجنادرية قال في محاضرته: لقد ألفت عشرات الكتب عن الإسلام والمسلمين، فكم عدد العلماء أو الباحثين المسلمين الذين كتبوا في العصر الحاضر عن النصرانية أو اليهودية؟
        وأما حسن حنفي فنشر كتابين أولهما (مقدمة في علم الاستغراب) أكد فيه على ضرورة أن يدرس العرب والمسلمين الغرب وذلك ليقضوا على مركب الاستعلاء والتفوق لدى الغربيين، وثانياً ليتخلصوا من مركب النقص والضعف الذي نعيشه، وقال علينا أن نتحول من ذات موضع الدرس إلى ذات دارسة.
        وكان السيد محمد الشاهد أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قد قدّم اقتراحاً مفصلاً لإنشاء كلية للدراسات الأوروبية والأمريكية، ولكن تلك الجامعة لم تستوعب الاقتراح ولم تفهمه، فخرج الشاهد من الجامعة دون أن يتحقق مخططه.
        وكان لي محاولة للدعوة إلى دراسة الغرب في مقالة بعنوان (متى ينشأ علم الاستغراب؟) نشرت في كل من مجلتي أهلاً وسهلاً ومجلة الفيصل. كما أنني ألقيت محاضرة في النادي الأدبي بأبها عام 1419هـ بعنوان (المعرفة بالآخر دراسة للظواهر الاجتماعية) وقد صدرت الطبعة الأولى عن النادي نفسه، ونشرت طبعة ثانية مزيدة أضفت فيها فصلاً عن بعض الجوانب الإيجابية التي يمكن أن نتعلمها من الغرب.
الأمة الإسلامية رائدة في معرفة الأمم والشعوب الأخرى.
        عندما كانت الأمة الإسلامية أمة راقية متحضرة وكان الإبداع يلقى الدعم والتشجيع عرفنا الأمم والشعوب الأخرى ولعل أول إشارة إلى هذه المعرفة قول الرسول صلى الله عليه وسلم عن النجاشي حاكم الحبشة "إن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد" ولما دخل رسول الجيش الإسلامي على القائد الفارسي وقال له "كانت تبلغنا عنكم الأحلام أنكم تتساوون فيما بينكم فإذ بكم يستعبد بعضكم بعضاً، إن قوماً هذا حالهم فمصيرهم إلى زوال"
        وعرف المسلمون الملل والنحل والأديان فكتب الشهرستاني والبغدادي وابن حزم وابن تيمية، أما أبو الحسن البيروني فسبق المستشرقين والرحالة العرب والأوروبيين حيث ذهب إلى الهند وعاش فيها عشر سنوات تعلم لغات الهند وتاريخها وعقائدها ومجتمعاتها وثقافاتها. لله دره كيف أدرك أهمية الانتقال لدراسة الهند لو لم نكن أمة مستيقظة حقاً.
وكتب أسامة بن منقذ كتابه الرائع (الاعتبار) الذي وصف فيه الصليبيين من النواحي الأخلاقية والخلقية والثقافية وطباعهم وعاداتهم وغير ذلك.
        وعرف العالم الإسلامي الرحّالة الذين جابوا أقطار الدنيا حتى أضحت كتاباتهم مرجعاً للأوروبيين أنفسهم مثل ابن فضلان وابن حوقل وغيرهما، كما عرف العالم الجغرافيين المسلمين الذين درسوا الكرة الأرضية شمالها وجنوبها وشرقها وغربها.
النهضة العربية الحديثة
إن النهضة العربية التي بدأت منذ بداية القرن التاسع عشر قد أخرجت لنا المئات من العلماء الذين عرفوا الغرب وكتبوا عنه من الداخل، ومن أبرز هؤلاء خير الدين التونسي ورفعت رفاعة الطهطاوي وغيرهما، كما عرفت العشرات أو حتى المئات من الدبلوماسيين الذين عملوا سنوات في أوروبا وكتب بعضهم عنها بالتفصيل. ولكن هذه المعرفة لم تتحول إلى عمل مؤسسي على  الرغم من أن هؤلاء عرفوا الاستشراق والمعاهد الاستشراقية وإنتاج المستشرقين بل إن علماء من الأمة الإسلامية شاركوا مع المستشرقين في مؤتمراتهم. لقد تأخرنا ومازلنا متأخرين.
تجارب الأمم الأخرى في دراسة بعضها البعض
بريطانيا:
أدركت الحكومة البريطانية حاجتها إلى المتخصصين في الدراسات الأوربية الشرقية والسلافية والشرقية والإفريقية فكلفت العديد من اللجان على مدى قرن كامل وكان أولها عام 1903 ثم في عام 1947وفي عام 1961 و1985 و1993 وقد عُدّ الإسلام موضوعاً استراتيجياً عام 2007 وخصصت أموال طائلة لدراسة الإسلام والشعوب الإسلامية. ومن الملفت للانتباه أن مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية أسست في لندن بناء على قرار من مجلس النواب البريطاني عام 1916م.وكان هذا الدعم في شكل منح وأموال لتستمر هذه الدراسات وتقوى وتشتد. وقد عانت هذه الدراسات من شح الإمكانيات في عهد رئيس الوزراء توني بلير فاتصل به أعضاء من الجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط لتزيد الحكومة في دعمها لهذه الدراسات.
أما أمريكا فقد ورثت الإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس فكان من أول اهتمامات أمريكا أن تسد النقص الكبير لديها في المتخصصين في الدراسات العربية والإسلامية والدراسات الإقليمية فصدر المرسوم الدفاعي الجمهوري عام 1957 لدعم عدد كبير من مراكز دراسات الشرق الأوسط في عدد من كبريات الجامعات الأمريكية لدراسة العالم العربي والإسلامي. وكان من وسائل سد النقص في هذه المرحلة أن استقدمت الولايات المتحدة الأمريكية عدداً من كبار المستشرقين الأوروبيين من أمثال هاملتون جيب وفون جرونباوم وفيليب حتي وغيرهم. واستمر الاستقدام عن طريق برامج الأساتذة الزائرين الذين كانوا يعملون في الجامعات الأمريكية فترات معينة ومن هؤلاء على سبيل المثال برنارد لويس الذي انتقل إلى أمريكا نهائياً عام 1974م. واستمر هذا الدعم حتى ظهرت الحاجة الماسة إلى مزيد من التعرف على العالم العربي والإسلامي بعد عام 1990 فزاد الدعم لهذه المؤسسات والهيئات، وظهرت الحاجة ماسة أيضا عام 2001 بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر فظهر أن أمريكا بحاجة إلى متخصصين في عدد كبير من لغات العالم وصلت إلى أكثر من مائة لغة، كما أن بعض الجامعات قدمت برامج لتخريج متخصصين في اللغات الأجنبية يتقنونها كأهلها وهذا أمر يكلف الكثير.
وأبدع الأمريكيون في هذا المجال حتى إنهم أسسوا ما سمي الدراسات الإقليمية أو دراسات المناطق التي كانت ملفتة لانتباه اللجنة البريطانية التي كوّنت عام 1961 برئاسة سير وليام هايتر الذي زار عشر جامعات أمريكية للتعرف على هذه التجربة والتعلم منها والإفادة منها في الجامعات البريطانية
وينطبق الأمر نفسه على برامج الدراسات الشرقية والعربية والإسلامية في فرنسا وألمانيا وروسيا وغيرها.  وعدوتنا إسرائيل لها جهود كبيرة في دراستنا فهناك العديد من مراكز دراسات الشرق الأوسط في عدد من الجامعات الإسرائيلية التي تطلع على كل ما يُنتج في بلادنا العربية والإسلامية من إنتاج فكري، كما يشارك باحثون من إسرائيل في كثير من المؤتمرات حول الشرق الأوسط في جميع أنحاء العالم.
الدراسات المتبادلة: الغرب يدرس الغرب والشرق يدرس الغرب
بدأت اليابان في الدراسات الأمريكية بسلسلة محاضرات بدأت عام 1949 بجامعة دوشيشا بمدينة كيوتو، ثم تطورت هذه المحاضرات إلى قسم علمي ثم توسعت اليابان في هذه الدراسات حتى كانت هذه الدراسات موجودة في جامعات طوكيو وكيوتو ودوشيشا وغيرها. بل إن اليابان أسست جامعة في أوزاكا للدراسات الخارجية لتخدم وزارة الشؤون الخارجية. واقتضى التطور في الدراسات الأمريكية أن أنشأت اليابان الرابطة اليابانية للدراسات الأمريكية، كما أنشأت رابطة أخرى لدراسات الشرق الأوسط ورابطة ثالثة للدراسات الأوروبية ولديهم دراسات لدول المحيط الهادي وجنوب شرق آسيا.
     ولم تتأخر الصين عن الدراسات الإقليمية فالأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية كانت تحتل مبنى لا يزيد عدد طوابقه عن الخمسة عام 1947 وفي عام 2000 أصبح المبنى  أكثر من عشرين طابقاً وعقدت الأكاديمية ومعهد دراسات غرب  آسيا وشمال أفريقيا مؤتمراً حول العولمة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ونشأت فيها الدراسات الأمريكية حتى إن هناك الآن أكثر من خمسة عشر مركزاً،
        ووجدت هذه الدراسات في ماليزيا والهند وغيرها من الدول.
الغرب يدرس الغرب.
قرأت إعلاناً عن معهد الدراسات الأمريكية بجامعة لندن فلما راسلتهم وجدت أن لديهم برنامج ماجستير ودكتوراه في الدراسات الأمريكية من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد تحول هذا المعهد من الاقتصار على أمريكا الشمالية  حيث أصبح المعهد لدراسة الأمريكيتين، وقام البريطانيون بتأسيس الرابطة البريطانية للدراسات الأمريكية.
      وفي ألمانيا وجدت أن هناك مركز الدراسات البريطانية الذي يمنح درجة الماجستير في الدراسات البريطانية وفي برلين نفسها يوجد أكبر مركز خارج أمريكا للدراسات الأمريكية وفيه مكتبة ضخمة وهو مركز كنيدي للدراسات الأمريكية. وتوجد هذه الدراسات في معظم الدول الأوروبية حتى إن هذه المؤسسات أسست مؤسستين مهمتين هما: الرابطة الأوروبية للدراسات الأمريكية، كما أن هناك شبكة الدراسات الأمريكية وهي مؤسسة تضم أكثر من تسعة عشر مركزاً مختصاً بهذه الدراسات.
        وتشارك روسياً أيضاً بالدراسات الأمريكية.
لماذا لا تقوم جامعاتنا بالدراسات الأوروبية والأمريكية؟
        لقد تأكد لي من خلال تجربة طويلة في عالم الاستشراق أن مثل هذه الدراسات تحتاج إلى قرار من أعلى مستوى من ملك أو رئيس جمهورية أو رئيس وزراء. فهذه الدراسات لا يمكن أن تعتمد على الجهود الفردية من الجامعات أو من الأفراد أو منظمات المجتمع المدني، وإنما الأصل أن تنطلق الدعوة من قمة السلطة السياسية، فلماذا لا يتحرك الزعماء العرب والمسلمون (عدا ماليزيا) في اتجاه إنشاء هذه الدراسات حتى إن الدراسات الأمريكية في بلادنا في معظمها في جامعات أمريكية أو يقودها أمريكيون.

        فدعوتي هنا أن تنطلق الدراسات الأوروبية والأمريكية في أسرع وقت بل علينا أن نفكر بجد في الانتقال من الدراسات الأمريكية إلى الدراسات الإقليمية لتضم دراسات الصين واليابان والهند وباكستان وتدرس القارة الإفريقية ودراسات أمريكا الجنوبية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق