الخميس، 31 ديسمبر 2015

هل نتعلم جودة الصناعة والعرض؟

                                بسم الله الرحمن الرحيم
                    
أتيح لي أن أقوم بتدريس مادة مدخل إلى النظم الإسلامية بكلية الدعوة بالمدينة المنورة عدة فصول دراسية فكانت فرصة لأن أتناول أوضاع العالم الإسلامي الاقتصادية وأن أجعلها فرصة للدعوة لشراء إنتاج البلاد الإسلامية من المواد الغذائية إلى الملبوسات وغيرها. وكنت أحاول في هذه الأثناء أن أطبق ما أدعو إليه.
وكان من محاولاتي في البحث عن البضائع القادمة من بلاد إسلامية على سبيل المثال شراء زيت زيتون من بلد إسلامي. فوجدت أن الزيت يأتينا من أكثر من بلد إسلامي ولكنه في الغالب في تعليب رديء ورديء جداً. فيوضع الزيت في صفائح من التنك أو في أوعية من البلاستيك. بينما الزيت القادم من أوروبا يأتينا في زجاجات جميلة الشكل أو في صفائح معدنية جيدة الصنع والإخراج. وإن كان بعض زيت الزيتون الوارد من بلاد إسلامية معبأ تعبئة ممتازة ولكن هناك مشكلة أخرى تتمثل في أن هذا الزيت غير متوفر في جميع المحلات التجارية. وهنا أتعجب من المسؤول عن غياب منتجات البلاد الإسلامية من الأسواق أو عدم توفرها في جميع المحلات.
وقد سألت أكثر من بائع لماذا لا يتوفر عندكم بضائع من بلاد إسلامية؟ فيكون الرد أن الزبائن يفضلون البضائع الأجنبية وكأننا رجعنا إلى المثل الشعبي (كل فرنجي برنجي) أي متميز. وكنت أود لو استطعت أن أرى أصحاب المحلات التجارية لأسألهم لأن الباعة في المحلات لا يحددون الأصناف ولكن يحددها صاحب المحل، وهؤلاء لا يعرفون محلاتهم في الغالب إلا من خلال المحاسبين والموظفين فما دامت تصلهم الإيرادات فلماذا يستطلعون آراء ورغبات الزبائن؟
ولو حرصت الدول العربية والإسلامية على جودة العرض بالنسبة للتعليب والتغليف فإنني أتساءل عن مسألة الجودة النوعية. وأذكر أنني كنت في أحد أسواق بلد عربي قبل أكثر من عشرة أعوام واحتاج البائع إلى لاصق شفاف فأخرج لاصقاً مصنوعاً صناعة محلية فكان رديئاً جداً وقال بحسرة أين المنتجات الفرنسية؟ فهل نلوم البائع العامي لحبه للبضاعة الفرنسية أو البضاعة الأجنبية عموماً. ولا أدري هل البلاد العربية الأخرى سوى المملكة - لديها هيئات للمواصفات والمقاييس لتحدد الجودة المطلوبة حتى يلتزمها الصانع المحلي ليستطيع منافسة البضاعة الأجنبية. إن الحماية الوطنية التي فرضت في بعض البلاد لا شك قد أضرت كثيراً بالصناعات المحلية لأنها حرمت الصناعة الوطنية من الحوافز لمنافسة البضائع المستوردة. وقد أصبحت كلمة (مستورد) في بعض البلاد دلالة على الجودة والمتانة.
ولشدة إعجابنا بالمستورد أن بلداً عربياً عرف بتقدمه في صناعة النسيج حتى إن اليابان في بداية نهضتها الصناعية أرسلت من يتدرب لديهم. ولمّا لم تجد تلك الدولة إقبالاً على منسوجاتها حصلت على تراخيص لوضع أسماء ماركات أجنبية على بضائعها. وعجيب أمرنا نحن العرب والمسلمين لا نرضى بالبضاعة إلاّ إذا كان مكتوباً عليها بالأحرف اللاتينية فقد اكتسبت تلك الأحرف قداسة عجيبة.
وأمر آخر لا بد أن نذكره هنا أن بعض التجار أو المصدرين من بلاد إسلامية يصرون على أن يرفعوا أسعار منتجاتهم أو إن البضائع الأجنبية تخفض أسعارها بحيث تضرب أسعار البضائع الإسلامية. فأين الغرف التجارية الإسلامية ودراساتها للأسواق لتضع الأسعار المناسبة التي تشجع المسلم أن يشتري بضاعة إسلامية.
والنقطة المهمة أن الدعوة مستمرة منذ عشرات السنين لإنشاء سوق عربية مشتركة أو سوق إسلامية مشتركة لزيادة حجم التبادل بين البلاد العربية والإسلامية. فإن الأرقام التي توردها الصحافة توضح أن التبادل التجاري بين البلاد العربية مازال منخفضاً وأن حجم التبادل بين الدول العربية الإسلامية والدول الغربية هو الأعلى. ويذكر البعض أن بعض البضائع الإسلامية تصلنا عن طريق وسطاء أجانب. وقد رددت الأخبار أن بعض البلاد العربية الإسلامية يسعى إلى الالتحاق بالسوق الأوروبية المشتركة أو الحصول على مزايا التعامل مع تلك السوق.

إنني أرجو أن أرى قريباً البضائع الإسلامية مغلفة تغليفاً متميزاً كما ينبغي أن يكون المسلم دائماً متميزاً- وأن تكون الجودة عالية وبخاصة أن عقيدتنا تدعونا إلى الكسب الحلال وليس أكثر حلالاً من الإخلاص في العمل. وأرجو من تجارنا الكرام ورجال الأعمال أن يلتفتوا إلى توفير البضائع الإسلامية في كل مكان، والله الموفق.

وآت ذا القربى حقه

                 
صاح العم غاضباً: وهل له حق عندي؟ هل بلغت الجرأة أن يدّعي ابن أخي أنني استدنت منه؟ ومن هو حتى أستدين منه أو اقترض منه؟ وكأنه كان يقول في نفسه "أنا صاحب الأموال الطائلة يزعم هذا أنه له حقاً عندي." كان هذا رد العم صاحب الملايين عندما قال له أحد مساعديه المقربين: لماذا لا تساعد أحد أقاربك فهو بحاجة للمال لمساعدته في حياته في الوقت الذي تساعد الغرباء فقريبك أولى بالمساعدة.
أليس هذا التفكير عجيباً أن ينسى كثير من الناس هذه الآية الكريمة (وآت ذا القربى حقه) الذي يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيرها (وأمر بإيتاء ذي القربى لِقُربِ رَحِمِه، وخير الصدقة على الأقارب، وفيها صلة الرحم. وقد فضّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة على الأقارب على عتق الرقاب.. أما المسألة الثانية في الآية فهي كما يقول القرطبي:" بل للقريب حق لازم في البر على كل حال. وقال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورَحِمُه محتاجة."
ويقول صاحب الظلال في تفسير قوله تعالى (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين): " والقرآن يجعل لذوي القربى والمسكين وابن السبيل حقاً في الأعناق يوفى بالإنفاق، فليس هو تفضلاً من أحد على أحد إنما هو الحق فرضه الله، ووصله بعبادته وتوحيده. الحق الذي يؤديه المكلف البريء ذمته ، ويصل المودة بينه وبين من يعطيه ، وإن هو إلاّ مؤد ما عليه لله."
فهو إذن بالمفهوم القرآني حق لازم وليس منّة ولا فضل. ولكننا نجد بعض الأثرياء في العصر الحاضر يسعون إلى التصدق على الغريب والإحسان إلى الغرباء وقد يعيش أقرباؤهم في ضنك من العيش لا يعلم به إلاّ الله. ويرجع البعض كما ذكر الأستاذ سراج فتحي في مقالة له عن التفاوت الكبير في بعض الأسر في مستويات المعيشة أن الأقل دخلاً أو المحتاجين لديهم من عزة النفس ما تمنعهم من السؤال فإنهم إذا احتاجوا لجؤوا إلى الغريب وتركوا قريبهم.
ولعل البعض من الأثرياء يشترط في تقديم المساعدة أن يتحول القريب المحتاج إلى تابع ذليل يقدم فروض الولاء والطاعة والخضوع، ويتبرع بنقل الأخبار والرخيصون عادة يصنعون الأخبار ولا ينقلونها كما هي لينعموا هم وحدهم بالمكاسب- والحقيقة أن مساعدة القريب يجب أن تكون لوجه الله تعالى. فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان ينفق على قريب له، فلما خاض هذا القريب في أمر الإفك أقسم ألّا يساعده فنزل قول الله تعالى (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله فليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) وعندها عاد الصديق رضي الله عنه للإنفاق على قريبه.
وهناك من المساعدة لذوي القربى وبخاصة إذا كانوا من طلاب العلم وكان هذا العلم مما يمكن أن ينتفع به فلا تنقطع ثمرته بمجرد موت صاحبه كما جاء في الحديث الشريف (ينقطع عمل ابن آدم إلاّ من ثلاث، ومنها وعلم ينتفع به) ولقد تقدمت الأمة الإسلامية وازدهرت حضارتها حينما كان الإنفاق على العلماء وطلاب العلم ديدنها.  ورحم الله المقنع الكندي في قصيدته المشهورة:         
يعاتبني في الدين قومي وإنما                   ديوني في أشياء تكسبهم حمداً
        أسد به ما قد أخلوا وضيعوا                    ثغور حقوق ما أطاقوا لها سداً
إلى أن يقول:

      لهم جلّ مالي إن تتابع لي غنى                    وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا

الأمثال الشعبية والتفسير الخاطئ

                                      بسم الله الرحمن الرحيم
                          
المثل في أصله عبارة قصيرة تحكي تجربة إنسانية فيكون بمنـزلة الحكمة التي يحفظها الإنسان ويتمثل بها في المناسبات. وكما تحمل الفصحى في طياتها كثيراً من الأمثال حتى أصبح لدينا عدد من المصادر في هذا المجال ككتاب الأمثال للميداني فإن اللغة المحكية أو الدارجة تحمل أيضاً كثيراً من الأمثال.
وكثير من الناس يستشهد بالأمثال الشعبية في مواقف عديدة وقد لاحظت أن بعضنا يستخدم هذه الأمثال بصرة سلبية. والغريب أن بعض الذين يتمثلون بالأمثال الشعبية هم ممن حصل على درجة عالية من العلم. وتأتي خطورة الاستخدام السلبي لهذه الأمثال أنها تشيع روح التواكل والخنوع والاستسلام. وفيما يأتي بعض هذه الأمثال التي يساء تفسيرها واستخدامها:
1        ) اللي يتزوج أمنا هو عمّنا: يعني المثل في أصله أن زوج الأم يصبح هو سيد المنـزل وبالتالي تجب طاعته لأنه يمثل سلطة الأب ولأنه مادام هو صاحب القوامة على الأم فينتقل ذلك بالتالي إلى الأبناء. أما الفهم الخاطئ لهذا المثل أو الاستشهاد الخاطئ فهو أن يسلم الفرد تسليماً مطلقاً لمن تولى مسؤولية عليه. والأصل الشرعي للطاعة هو أنه (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وأن العلاقة بين المسلمين قائمة على النصيحة كما جاء في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم (الدين النصيحة (قالها ثلاثاً) قلنا: لمن يا رسول الله، قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) ولو أننا أخذنا بهذا المثل لافتقدنا التناصح فيما بيننا. وأين القول المأثور (المؤمن مرآة أخيه.)
2       ) لسانك حصانك إن صنته صانك وإن هنته هانك: هذا مثل جيد في الحرص على أن يفكر الإنسان كثيراً قبل أن يتحدث ويتفق مع الأصل الشرعي بأن الإنسان محاسب على كل ما يقول كما جاء في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين سأل (وهل نؤاخذ بما نقول؟) فقال عليه السلام: (ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلاّ حصائد ألسنتهم) ولكننا أصبحنا نستخدم هذا المثل حتى نقول لأي شخص اسكت لا تتكلم. ففي أمور كثيرة في العمل أو في المنـزل يرى الإنسان أموراً خاطئة أو سلبية عليه أن يحاول تغييرها ولكنه أما سلطة وسطوة مثل هذه الأمثال يضطر للسكوت، أو يُؤمر بالسكوت.
3       ) ألف مرة جبان ولا مرة واحدة الله يرحمه: لا أدري من أين أتت مثل هذه الأمثال؟ لا شك أن غياب الفهم الشرعي أدى إلى مثل هذه الأمثال. فلا بد أن نذكر أولاً أن موقف أهل السنة والجماعة هو طاعة ولي الأمر في المنشط والمكره والعسر واليسر وعدم خلع الطاعة. فنحن إذا أدركنا هذا الموقف الشرعي لأهل السنة والجماعة أدركنا بعد ذلك أن في الأمر سعة. وليس كل كلمة يقولها الإنسان تؤدي به إلى التهلكة. فإن الكثيرين منّا يخافون أن يناقشوا رئيسهم المباشر في أي مشكلة أو يقدموا له النصح خوفاً من أن تقطع أرزاقهم أو يطردوا من العمل. ومتى كانت الأرزاق في يد أحد من البشر. ومن يقرأ أسماء الله الحسنى لا بد أن يتنبه إلى الترتيب (الله الخالق الرازق المحيي المميت) فآجالنا وأرزاقنا بيد الله سبحانه وتعالى.

4       ) حامل مرضع معها أربع طالعة الجبل تشتكي من قلة الخلفة: هذه صورة أدبية كاملة: امرأة ومعها أربعة أطفال منهم الرضيع ومنهم من هو في بطنها وتتسلق جبلاً كناية عن المشقة فهل كثرة الإنجاب سيئة إلى هذا الحد؟ من أين أتت لنا هذه الأمثال المثبطة؟ إن إنجاب المرأة في سن متقدمة _إذا تجاوزت الأربعين- مفيد لها جداً حيث إن الله عز وجل قد هيأ المرأة لهذه المهمة العظيمة وأعطاها بالتالي من القدرات والقوة ما يمكنها من مواجهة كل المتاعب. ويذكر علماء الأحياء أنه في حالة الحمل يحصل استنفار في أجهزة المرأة جميعها وكأن الحمل تجديد لهذه الأجهزة أو توضيب لها أو عَمْرة كما يقول المصريون. فلماذا نكرر مثل هذه الأمثال؟ فهل وصلت حمى تحديد النسل إلى الأمثال الشعبية.0 بالمناسبة ذكرت لي هذا المثل ابنتي التي لم تتجاوز الخامسة عشرة)

درس للصهيونية من طفل صغير

                           بسم الله الرحمن الرحيم
                 
قبل أشهر احتفلت الحركة الصهيونية العالمية بمرور خمسين سنة على مؤتمرها الذي عقد في مدينة بازل بسويسرا (1897م) وتسابقت المحطات التلفزيونية الغربية على مشاركة اليهود والصهاينة في الاحتفالات -كما هي حالهم في مناسبات اليهود جميعها - وكان من بين الاحتفالات استضافة اليهود من جميع الأعمار والخلفيات الثقافية والسياسية والاجتماعية وسؤالهم عن تطلعاتهم لمستقبل اليهود ومستقبل إسرائيل.
وكان من بين الذين استضافتهم القناة الفضائية لهيئة الإذاعة والتلفزيون البريطاني بعض الأطفال اليهود فكان من بين من تحدثوا طفل صغير فقال (إذا كان النازيون هم الذين ارتكبوا المجازر ضد اليهود أو إن ما حدث لليهود كان في أوروبا فلماذا يذهب اليهود إلى فلسطين ليحتلوها ويطردوا أهلها منها وهم لم يرتكبوا هذه المجازر، ليس من العدل أن نعاقب شعباً لا ذنب له في الاضطهاد الذي وقع على اليهود) وقد استطاع المذيع تغيير الحديث بسرعة ونقل الميكرفون لطفل آخر.
ليست الفكرة التي طرحها هذا الطفل بالفكرة الجديدة فكثير من اليهود في أنحاء العالم وبخاصة الذين لا يرغبون في الهجرة ولا يتبنون الفكر الصهيوني أو المبادئ الصهيونية لا يتفقون مع قيام إسرائيل بل يرون أن قيام إسرائيل مخالف للتعاليم الدينية عندهم، كما أن بعضهم يرى أن دولة إسرائيل دولة فاشية. وقد سمعت هذه العبارة من أستاذ يهودي يدّرس الفلسفة في جامعة ألبكركي في ولاية نيو مكسيكو الأمريكية فقد زار إسرائيل وعاد من هناك ينتقد وجود هذا الكيان القائم على التفرقة العنصرية وعلى الفاشية والجريمة.
إن اليهود لم يتفقوا بعد على تعريف اليهود وليس في الدنيا أمة تجد صعوبة في تعريف ذاتها كما الحال عند اليهود، فهل اليهودي هو الذي ولد لأم يهودية أو لأم وأب يهودي وهل يدخل اليهودية من تحول إليها من دين آخر؟ وقد لاحظت في لقاء تلفزيوني مع رئيس الكيان الصهيوني ارتباكاً في تعريف اليهودي وان هذه المسألة راجعة إلى الجهات التشريعية في البلاد. ومن الذين يتحولون اليوم إلى اليهودية؟ لو كانوا يعرفونها حقاً لما تحولوا إليها بل هناك تحول من اليهودية إلى الديانات الأخرى ومنها الإسلام.
وما دام في اليهود مثل هذا الطفل ففيهم من العلماء والباحثين والمفكرين من يكتب منتقداً إسرائيل بصراحة ومنهم جدع جلادي صاحب كتاب (انفجار من الداخل) يتحدث فيه عن اليهود الشرقيين وما يلاقونه من اضطهاد وعنت في العيش في دولة يسيطر عليها اليهود القادمين من أوروبا وأمريكا. أما اليهود الذين قدموا من الشرق أو من البلاد العربية فحالهم سيء جداً. ومن العلماء اليهود الذين ينتقدون دولة يهود أو الدولة العبرية إسرائيل شاحاك صاحب كتاب (الشعب اليهودي الدين اليهودي) وقد ترجم إلى العربية وقدم له الدكتور إدوارد سعيد ولشاحاك كتب أخرى.
إن المطلوب من العالم العربي الإسلامي أن يشجع انتشار هذه الكتابات التي تنتقد الكيان الصهيوني لتوعية العالم بمخاطر الصهيونية وعنصريتها ووحشيتها. وقد تكونت في الولايات المتحدة جمعيات وهيئات تهتم بفضح جرائم اليهود في فلسطين ومن بينها جمعية تهتم بمذبحة دير ياسين.
إننا في الوقت الذي يجب أن نشجع كل من يوضح الحقائق عن هذا الكيان الدخيل على منطقتنا العربية الإسلامية يجب أن نربي أنفسنا وأبناءنا على أن الحق الإسلامي في فلسطين ثابت، وان المعركة مع الصهيونية اليهودية معركة عقدية وأننا يجب أن نستعد للمعركة بالإعداد العقدي والنفسي والثقافي والاقتصادي والعسكري. ولنتذكر قول الله تعالى (كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون))


الحوار الإسلامي الأوروبي

    بسم الله الرحمن الرحيم
          
تابعت قبل أعوام حلقات في إذاعة لندن عن ندوات الحوار العربي الأوروبي التي عقدت برعاية هيئة الإذاعة البريطانية بالاشتراك مع المعهد الملكي للدراسات الدولية البريطاني وبعض الغرف التجارية العربية. وقد عقدت عدة حلقات من هذا الحوار في كل من القاهرة والبحرين. وكتبت إلى الإذاعة البريطانية أطلب تفاصيل أكثر عن هذه الندوات لتعلقها بتخصصي في مجال الاستشراق، وأضفت بأنني لاحظت أن المشاركين في الندوات هم في الغالب من الذين تأثروا بالفكر الغربي أو من العلمانيين العرب وهذا لا يحقق توازناً في وجهات النظر المعروضة. فأرسلت إليّ الإذاعة صفحات من مجلة هنا لندن وبدون توثيق. ولكنهم لم يردوا على ملاحظاتي.
وقد أشارت رسالة الإذاعة إلى أن المعهد الملكي للعلاقات الدولية يقوم بنشر وقائع هذه الندوات. وتمنيت أن أكون قادراً على الحصول عليها أو أن أجدها في أحد مراكز البحث العلمي في المملكة، وأرجو أن يتمكن مركز البحوث الحضارية والاستشراقية بكلية الدعوة في المدينة المنورة من متابعة هذه القضايا وتوفير هذه المواد للباحثين فيه.
ومادام الغرب حريصاً على الحوار العربي الأوروبي والإسلامي الغربي فإنني أذكر أن الحرس الوطني بالمملكة العربية السعودية اختار موضوع العلاقات بين الإسلام والغرب لندوتيه في عامين متتاليين ودعا إليهما عدداً من الباحثين الغربيين وباحثين من لعرب المسلمين. وكان هؤلاء يمثلون الاتجاهات المختلفة في مجال الحوار.
أما الندوات والمؤتمرات الغربية فإن الغالب فيها أن يدعى إليها من يمثل الفكر الغربي أو يميل إلى هذا الفكر فكأنهم يريدون أن يسمعوا صدى أفكارهم وفلسفاتهم. ويمكن للباحث المدقق أن يجد أن عدداً من الأسماء العربية الإسلامية هي التي القاسم المشترك للعديد من الندوات والمؤتمرات وقد كتب قبل مدة الدكتور حسن عزوزي حول هذه المسألة (المسلمون، 27محرم 1419هـ) فقال: " يسعى المنظمون دوماً إلى انتقاء أسماء بعض الباحثين المسلمين من ذوي النزعات العلمانية والأفكار المنحرفة ويستدعونهم للمشاركة علماً منهم بأنهم يحققون لهم كثيراً من المطالب والأهداف ويتنازلون لهم عن مبادئهم الدينية، وهكذا يتم تقديمهم على أساس أنهم يمثلون الإسلام ويتكلمون باسمه." وإن لم يقدم الدكتور عزوزي بعض هذه الأسماء فهي كما يأتي الأسماء المشهور- محمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد سعيد العشماوي، ونوال السعداوي، عزيز العظمة وبسام طيباوي وسعد الدين إبراهيم ناهيك عن الأسماء الكثيرة لغير المشهورين والذين يسيرون في طريق الشهرة التي يحققها لهم الالتحاق بالركب المحارب للإسلام.
وأذكر من تجربتي الشخصية أن المؤتمر العالمي الأول حول الإسلام والقرن الواحد والعشرين الذي عقد في ليدن قبل سنتين تقريباً دعا عدداً من الباحثين العرب المسلمين ليتحدثوا حول الحركات الإسلامية أو الاتجاه الإسلامي فكانوا يمثلون الاتجاه المحارب للدين فاتفق اثنان منهما على تقديم ورقة من قسمين وكالا فيها التهم للحركات الإسلامية تلك التهم الجاهزة-: إنها ستعيد البلاد إلى الخلف وأنها تحارب التقدم وتحارب الغرب، وأنها تضطهد المرأة وتضطهد الأقليات وغير ذلك من التهم. وسألت رئيس الجلسة ألم تجدوا في العالم الإسلامي من يتحدث عن الحركات الإسلامية وبخاصة أن أوروبا مليئة بالباحثين المسلمين الذين يمكن أن يمثلوا التيارات الإسلامية ويتسمون بالاعتدال. فزعم أنه لم يتقدم إليهم أحد ولكنهم سيسعون في المؤتمرات القادمة إلى ذلك.
إن المؤتمرات الغربية أو الحوارات المزعومة لها جانب آخر هو أن نأتي إليهم بمشكلاتنا ودقائق حياتنا وتفاصيل قضايانا ونطرحها على بساط البحث ليفيدوا من هذه المعلومات ويوجهوا الباحثين المسلمين إلى الاتجاهات التي يرغبونها.
والسؤال الذي لا أمل من تقديمه: متى نبدأ نحن في عقد مؤتمرات في بلادنا تتناول مشكلاتنا ونتصارح حول أوضاعنا ثم ننتقل أو حتى في الوقت نفسه نطرح القضايا الفكرية والثقافية التي تواجهها المجتمعات الغربية وندعو باحثيهم لتقديم بحوثهم عندنا؟ متى يكون ذلك متى؟؟؟


الأربعاء، 30 ديسمبر 2015

ليتعلم الغرب منّا ولنتعلم منه

                                                                    بسم الله الرحمن الرحيم
                                                           
           يقولون " فلان أدركته مهنة الأدب" لما في هذه المهنة من مشقة ومعاناة، ويمكن أن نضيف قولاً جديداً وهو " فلان أدركته حرفة الصحافة" وقد أدركتني هذه الحرفة حتى إنني أتصفح أو أطالع عدة صحف يومياً. ومن توابع هذه المطالعة القيام بعمل بعض القصاصات التي يمكن الإفادة منها في كتابة مقالاتي. وقد وجدت في اليومين الماضيين بعض القصاصات التي تتناول ما يمكن أن نتعلمه من الغرب. فقلت نعم ثمة ما يمكن أن نتعلمه من الغرب، ولكن في الوقت نفسه يمكن للغرب أن يتعلم منّا الكثير . وإنني في هذه المقالة سأعرض بعض الصور من الحياة الغربية التي لا حل لها إلاّ في قيم الإسلام وأخلاقه. وأكمل ببعض ما يمكن أن نتعلمه من الغرب.    
        قدمت الإذاعة البريطانية باللغة الإنجليزية قبل عدة أشهر تقريراً حول الاغتصاب وموقف النساء اللاتي يتعرضن للاغتصاب، فكان مما جاء في التقرير أن كثيراً من النساء اللاتي يتعرضن للاغتصاب يتعرض له مرة ثانية وثالثة. وأكدت كثير منهن أن الأحكام التي يصدرها القضاء تعد خفيفة، كما أنهن يتعرضن للمضايقات من أهالي المتهمين ومن الشرطة وحتى من القضاء.  وقبل سنتين تقريباً نشرت جريدة التايمز تقريراً عن المضايقات والتحرشات التي تتعرض لها النساء العاملات في سلك الشرطة حتى بلغت درجة لا تطاق، فقام إدارة الشرطة البريطانية بتكليف مؤسسة للبحوث النفسية بدراسة هذه الظاهرة.
          ومن المشكلات التي يعاني منها المجتمع الأمريكي فقدان الأبناء والبنات في سن صغيرة (من السادسة حتى السادسة عشرة) وقد كونت جمعيات تقوم بمهمة البحث عن الأبناء المفقودين. وقد بلغ أعضاء هذه الجمعيات عشرات الألوف. فلماذا يفقد الغربيون أبناءهم وبناتهم؟ لقد حدث في الدنمرك اكتشاف بعض الجرائم ضد الصغار وهي استغلالهم جنسياً وقتلهم. وقد عقدت مؤتمرات عالمية للبحث في مشكلة استغلال الأطفال جنسيا(تجارياً). وكنت قلت في مقالة لي عندما تعرض بعض أطفال أوروبا للخطر تداعت كل دول العالم لتبحث لهم عن حل، أما أطفال العالم الذين يموتون جوعاً وقتلاً وتشريداً فمن لهم؟ وأطفال البوسنة ونساء البوسنة لم تجف دماؤهم بعد.
    هذه المشكلات الأوروبية تحتاج إلى حلول وليعلم الأوروبيون أن الحل موجود عندنا في الإسلام في نظام الأسرة الإسلامي وفي نظامنا الأخلاقي. فما أروعها من كلمات تلك التي قالها جعفر ابن أبي طالب رضي الله عنه أمام النجاشي عندما سأله عن الإسلام فقال:" أيها الملك كنّا قوماً على الشرك، نعبد الأوثان ونأكل الميتة، ونسيء الجوار، ونستحل المحارم  بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها، لانحل شيئاً ولا نحرمه ، فبعث الله إلينا نبياً من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له ،ونصل الرحم ونحسن الجوار ونصلي ونصوم ولا نعبد غيره."
        أما ما يمكن أن نتعلمه من الغرب فأبدأ بمقالة أميمة الخميس" الشرق الأوسط"(15شعبان 1415) التي تشير فيه إلى أن كثيراً ممن يكتبون عن الغرب يتناولون السلبيات وينسون أن في الغرب جامعات ومسارح ودور ثقافة " التي تظل قلاعاً محكمة نائية بحاجة إلى عزيمة أكيدة وثابتة لاقتحامها." نعم إننا بحاجة لاقتحام تلك القلاع الحضارية الثقافية لنعرف كيف تسير الحياة الثقافية في الغرب، ولنسهم في فعالياتها.
    وتناول الدكتور أنس كتبي في مقالته المعنونة (ماله ثانٍ) موقفين متباينين من الغرب أحدهما الموقف المنبهر الذي ينادي باتخاذ الغرب قدوة ومقياس حضارة، والموقف الآخر الذي لا يرى في الغرب إلاّ على أنه " بؤرة فساد وانحلال" وينادي في مقالته بأنه ثمة في الغرب ما يؤخذ بقوله:" مغالطة القول بأنه ليس لدى أقوام الغرب ما يحتذي به من التجارب في العلوم والبحث واحترام العلم وتقنية النظام. المغالطة الأكبر هي أن ننسى أننا أمة فكر ومنهج وقيم وحضارة لنجوب الأرض نتسوق المنهج والفكر...”
          وكتب الدكتور علي شويل عن الرسائل العليمة في العالم العربي الإسلامي التي تبقى مكدسة في أرفف المكتبات لا يستفيد منها أحد حتى إنك لا تجد ملخصاً شافياً لمعظمها. ولم يشر الدكتور علي إلى أن في الغرب مؤسسة تسمى مؤسسة الميكروفيلم الدولية (International University Microfilm). فالمطلوب من كل باحث يحصل على الدكتوراه أو الماجستير أن يوقع عقداً يسمح بموجبه لهذه المؤسسة أن تحتفظ بنسخة من بحثه وأن تبيع نسخة ورقية أو ميكروفيلمية من رسالته لمن يريدها. فلماذا نستطيع أن نحصل على أي رسالة جامعية في أمريكا وكندا وأوروبا ولا نستطيع الحصول على أي رسالة علمية في عالمنا العربي الإسلامي إلاّ بشق الأنفس.
       وكتب جاري في الصفحة الأستاذ خالد عبد الرحيم المعينا مقالة بعنوان (متى نستفيد من تجارب الآخرين) ضمنها الحديث عن عمليات مسح القدرات التي تقوم بها الوكالة البريطانية لقياس القدرات (BSA) وفائدة مثل عمليات المسح هذه في تقويم العملية التعليمية عندنا. وأود أشير إلى أن في الولايات المتحدة الأمريكية مؤسسات مماثلة حتى إن إحدى تلك المؤسسات أعدت دراسة تكلفت عدة ملايين من الدولارات خرجت بنتيجة تقول (هل نحن أغبى مما كنّا نظن) وقد ختم الأستاذ المعينا مقالته بعبارة  جميلة قال فيها:" ولفائدة مجتمعنا يكون من الضروري التعلم من أخطاء الآخرين وتجاربهم، ولهذا يجب أن نستفيد من ذلك المسح الإنجليزي لكي نتفادى الجهل الحسابي الذي تعاني منه بريطانيا"
وقفة مهمة: اشتكى كثير ممن شاهد برنامج (على الهواء مباشرة) مع الدكتور عبد الرحمن الأنصاري والدكتور عبد الرحمن السبيت حول مهرجان الجنادرية من أسلوب مقدم البرنامج محمد رضا نصر الله في مقاطعة المتحدثين بأسلوب غير لائق. مما أزعج الناس وسبب مضايقتهم. فهل كان هذا متعمداً؟

   

مقدمة كتاب رحلاتي إلى المغرب العربي

المقدمة
        تشتهر عبارة سحر الشرق، ولكن أليس للمغرب سحره؟ أو هي أن أهل الغرب مغرمون بسحر الشرق فلا بد أن يكون أهل الشرق مغرمين بالمغرب وسحره؟ أقول ابتداءً أن ما جذبني إلى المغرب ليس سحراً ولا ساحرين ولا سحرة ولا ساحرات، وإنما ذهبت إلى تونس في المرة الأولى للنقاهة بعد مرض عضال هو التهاب السحايا أو الحمّى الشوكية التي أصبت بها بعد موسم حج عام 1399هـ (1978م) مع والدي رحمه الله، ولا شك أن تونس قد أعجبتني سائحاً في تلك الأيام، حتى إني عدت إليها سائحاً في رحلة ضاعت من الذاكرة كلياً، وأعترف أن فقدان الذاكرة المؤقت يصيبني  أحياناً وهو نعمة كبرى أحمد الله عليها، وكانت تونس جميلة ممتعة وبخاصة أنني كنت برفقة والدي رحمه الله غير أن فارق السنّ جعل بعض أجزاء الرحلة أقل إمتاعاً فإن الأحاديث بيننا مهما طالت فلا بد أن تتوقف في وقت ما. وإن كنت أؤكد أن والدي رحمه الله كان مدرسة كبرى لي وتعلمت منه الكثير وكان له تميزه في مجالات عدة.
أما الرحلة الثانية فلم تكن اختيارية وأقصد بعد أن تعبت أو مللت أو كدت أترك برنامج الماجستير لأن اختيار موضوع الرسالة كان شاقاً جداً إذ بالدكتور لؤي يونس البحري أستاذ التاريخ الذي عاش فترة في الجزائر يقترح علي موضوعاً عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية، ويؤكد أن الموضوع مازال بكراً، فأعددت خطة البحث التي وافق عليها قسم التاريخ بجامعة الملك عبد العزيز بجدة فكان لا بد من السفر إلى الجزائر بحثاً عن المادة العلمية وكان تدريباً عملياً على البحث العلمي، وكانت رحلاتي إلى الجزائر بمعدل رحلتين سنوياً حتى أنجزت رسالة الماجستير، وانعقدت الصلة بيني وبين الجزائر فحتى بعد إنجاز الرسالة زرت الجزائر مرتين لحضور مؤتمرات المجلس الشعبي البلدي بمدينة قسنطينة كما حضرت ملتقى الفكر الإسلامي الواحد والعشرين في مدينة بوحنيفية بولاية معسكر.
ولما تخصصت في الاستشراق دعيت لحضور مؤتمرين في وهران ثم في تلمسان. وأنا والجزائر كما أردد دائماً (كمن وجد قلباً خاوياً فتمكنا)
وأما المغرب فكانت لي محاولات لزيارتها للسياحة فلم يرد الله عز وجل حتى كان مؤتمر الاستشراق والإسلام في مدينة تطوان عام 1417هـ(1997م) وكنت كما يقول الدكتور عز الدين موسى شاباً متحمساً (في الحقيقة لم أكن شاباً فقد كنت أقترب من الخمسين) ولكني كنت في بداية انطلاقتي العلمية حيث حصلت على الدكتوراه قبل ذلك الزمن بثلاث  سنوات فكنت حريصاً على الركض والجري رغبة في تعويض ما فاتني في مجال البحث العلمي وكنت أسافر وأسافر على حسابي الخاص لأن إذن الجامعات يتأخر وقد لا يأتي وقد يأتي الرفض. أما تكاليف السفر فأنا أردد دائماً (وفي السماء رزقكم وما توعدون) وقول الله تعالى (وكَأّيِّن مِنْ دابَّةٍ لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم)، كما أتذكر حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم (لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها، جفت الأقلام وطويت الصحف)
ولم تكن رحلتي إلى تطوان إلاّ بداية رحلات ورحلات ثم مصاهرة ونسب فبعد سنة من حضور مؤتمر جامعة وهران عام 1420هـ (2000م) أراد الله أن أعود إلى المغرب خاطباً وساعدني في الخطبة بعض من لقيت في الجزائر ومنهم الشيخ الدكتور عبد السلام الهراس الذي لقيته في أول مؤتمر أحضره مشاركاً في قسنطينة ثم الدكتور حميد لحمر الإدريسي الذي لقيته في وهران عام 1420هـ.
وأصبحت المغرب جزءاً من حياتي زرتها مرات ومرات حضرت ندوة أصيلة وزرت جامعاتها وحضرت معارض الكتاب وزرتها سياحة بحتة حيث زرت الجديدة وشواطئ سيدي بوزيد كما زرت مراكش وأنزقان وأغادير.
وهذه الصفحات عن رحلاتي إلى المغرب العربي ابتداءً بالمغرب الأقصى الذي كنّا نطلق عليه مراكش ثم الجزائر ثم تونس، قدمت فيها مشاهداتي وملاحظاتي وسياحتي وأرجو أن يكون فيها بعض المتعة والفائدة والطرافة.

                                الرياض في
                 22 جمادى الأولى 1432هـ(26 أبريل 2011م)




    

الفصل الأول: التعريف بمراكز البحوث والمعاهد



     قد يعتقد البعض من أول وهلة أن العاصمة الأمريكية واشنطن عاصمة سياسية فحسب، ولكن بعد الاطلاع على النشاطات العليمة في هذه المدينة نجد أنها تزخر بالجامعات ومراكز البحوث والمعاهد العلمية التي تهتم بالدراسات الإسلامية أو الشرق أوسطية كما يطلقون عليها غالباً. بل إن مثل هذا العدد من المراكز العلمية والمعاهد والأقسام العلمية قلما يتوفر في عاصمة واحدة وفي مجال واحد كدراسات الشرق الأوسط أو الدراسات العربية الإسلامية. وقد تيسر للباحث أن يزور عدداً منها في صيف عام 1416 فتعرف على كبار المسؤولين فيها ونشاطاتهم واستمرت بعض المعاهد بتزويد الباحث بالنشرات والكتب التي تصدر عن هذه المراكز والمعاهد:
     وأبدأ بالتعريف بهذه المعاهد والمراكز والأقسام العلمية:

معهد الولايات المتحدة للسلام

(United States Institute of Peace (*)

التعريف بالمعهد وأهدافه:

     أسس هذا المعهد من قبل الحكومة الأمريكية عام 1984 في عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان Ronald Regan وبتمويل من الحكومة الأمريكية. ويستند في هذا التأسيس إلى مراسيم حكومية تعود إلى العام 1935 التي دعت إلى إنشاء مؤسسات وأقسام تتعلق بالموضوعات ذات العلاقة بالسلام. وهو معهد مستقل وغير منتم لأي حزب أو جهة. هو غير خاضع لأي ضغوط سياسية، ولكنه يقدم المساعدة للفرع التنفيذي من الحكومة وللكونجرس وللآخرين من خلال البحث والتحليل والمعلومات. ويتكون مجلس الإدارة من خمسة عشر عضواً يعينهم الرئيس الأمريكي لإدارة المعهد. ويكون أحد عشر عضواً من خارج الحكومة بينما الأربعة الباقون من العاملين الرسميين في الحكومة.
وللمعهد عدد من الأهداف تتلخص فيما يأتي:
        ·الإفادة من المواهب الوطنية والعالمية من المؤسسات البحثية والجهات الأكاديمية أو الحكومية لمساعدة صانعي السياسية من خلال تقديم البحث المستقل المبدع للتعامل مع المشكلات الدولية.
        ·تقديم حلول للصراعات الدولية من خلال وسائل حل المشكلات
        ·تدريب المتخصصين في الشؤون الدولية في إدارة المشكلات وأساليب الحلول والتفاوض والتوسط.
        ·تقوية المناهج والتعليم ابتداءً من المرحلة الثانوية حتى الدراسات العليا حول تغير طبيعة المشكلات الدولية والأساليب غير العنيفة لإدارة الخلافات الدولية.
   ·رفع الوعي لدى الطلاب والعامة حول المشكلات الدولية وجهود حفظ السلام من خلال المنح الدراسية والنشر ونشر المعلومات الإلكتروني والمؤتمرات. ([2])
     ومن المعلومات المهمة عن المعهد المبادرات الخاصة وتتضمن ما يأتي:
1-              حكم القانون: وهذا يهدف إلى إدراك العلاقة بين حكم القانون وقدرة الأمة على إدارة المشكلات وسيتم القيام بسلسلة من المشروعات لتحقيق ذلك.
2-               السلام والأمن في أفريقيا: يقوم المعهد بتطوير الإمكانات لعقد الاجتماعات والمجموعات الدراسية ومشروعات المنح لاستكشاف أسباب المشكلات والحلول الممكنة.
3-              الشرق الأوسط وجنوب ووسط آسيا. ويركز هذا المشروع على القضايا المؤثرة في السلام والاستقرار في الشرق الأوسط وجنون وأواسط آسيا والقوقاز.
4-              الدين والأعراق وحقوق الإنسان: سيقوم فريق عمل بفحص العلافة بين الدين والقومية كسبب من أسباب الخلافات من خلال دراسة حالة إسرائيل ولبنان ونيجيريا وسري لانكا والسودان والتبت ومنطقة أوكرانيا.
     ويلاحظ هنا أن المبادرات المذكورة أعلاه تناولت شتى مناطق العالم الجغرافية كما اهتمت بمجالات الحياة المختلفة من اقتصادية وسياسية اجتماعية وثقافية. وهي مبادرات مهمة جداً حبذا لو أخذت مراكز البحوث العربية والإسلامية بمثل هذه النماذج من البحث العلمي فنحن بحاجة إلى معرفة العالم معرفة وثيقة وعلمية دقيقة كما نحن بحاجة إلى معرفة الآخرين لأننا أصحاب رسالة هي الإسلام وعلينا أن نعرف كيف نوصل إليهم هذا الدين العظيم عملاً بقوله تعالى ) قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أناومن اتبعني( ([3])


نشاطات المعهد

     وفيما يأتي نماذج من نشاطات المعهد والتي سوف نتناولها فيما بعد:
-  الإسلام والديموقراطية: الفرص والتحديات في الشرق الأوسط: ندوة ليوم واحد (15مايو 1992) وهي ندوة حول الحركات الإسلامية وفرص التطور السياسي، وكذلك حول الحكومات القائمة على التمثيل السياسي ونظرة شاملة للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. شارك في الندوة عدد من الباحثين الأمريكيين والعرب واليهود ومن هؤلاء ممتاز أحمد وشاؤول باخاش وجون إسبوزيتو ومحمد خليل وديفيد ليتل وغيرهم. ([4])
-   جار معاند: تحليل دور تركيا في الشرق الأوسط: 1-2يونيه 1994 وكان من ضمن موضوعات البحث اتجاه تركيا نحو الشرق، ومناقشة المشكلة الكردية. ([5])
-  الإسلام السياسي: ندوة من ثلاث حلقات عقدت الجلسة الأولى في 16يونيه 1994وشارك فيها أكثر من عشرين باحثاً بين باحث حكومي وأكاديمي وصحفي ومتخصص في وضع السياسات. ([6]) وكان من بين الموضوعات التي نوقشت التفريق بين المتطرفين والمحافظين في الحركات الإسلامية، وكذلك مسألة التناسب أو التوافق بين الديموقراطية والإسلام، كما درست بعض المقترحات للتعامل مع الحركات الإسلامية.
-  المؤتمر السنوي العاشر نوفمبر 30-1ديسمبر 1994 حول إدارة الأزمات والمناطق المضطربة مثل البوسنة والصومال وغيرها وكذلك البحث في الصراعات الدينية والعربية والأزمات الإنسانية وشارك في المؤتمر مائة وعشرون باحثاً ومنه بين هؤلاء ليس آسبن Les Aspin وزير دفاع أمريكي سابق، وهنري كسينجر وزير خارجية سابق وغيرهم. ([7])
-  مستقبل باكستان (26فبراير 1997) شارك فيه عدد من الباحثين من أمثال مارفين واينبوم      Marvin Weinbaumأستاذ العلوم السياسية في جامعة إلينويIllinois، ودينيس كوكس Denis Kux من مركز وودرو ويلسون بجامعة برنستون. ([8])
-   أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط: (22 أبريل 1998) تناولت الندوة أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط وأهمية التخلص منها لتحقيق السلام وأشارت الندوة إلى كل من إيران والعراق والقوة النووية غير المعترف بها في إسرائيل منذ عام 1967. ([9])
     لقد تنوع المشاركون في هذا النشاطات فهم في الغالب من الأكاديميين وأحياناً يشترك عدد من كبار المسؤولين في الحكومة الأمريكية ومن هؤلاء على سبيل المثال هنري كسينجر وزير الخارجية الأسبق وليس آسبن وزير الدفاع الأسبق وغيرهما. والمشاركون من الجامعات الأمريكية لم يقتصروا على الباحثين من الجامعات الواقعة في واشنطن العاصمة أو قريباً منها بل تنوعت المشاركات من مختلف الجامعات. كما لم يقتصر الأمر على الجامعات المشهورة والكبيرة بل هناك مشاركون من جامعات أقل شهرة المهم لديهم الكفاءة والقدرة على تناول الموضوع المطروح للبحث.

     ويمكن أن نتساءل كم عدد الوزراء أو المسؤولين العرب والمسلمين الذين يشاركون في ندوات ومؤتمرات البحث العلمي وكم عدد هؤلاء المسؤولين الذين يعودون إلى قاعات المحاضرات ليسهموا بعلمهم وخبرتهم في تعلي الأجيال العربية المسلمة؟ لا شك أنهم قليل. كما يلاحظ أن مراكز البحوث في العالم العربي تقتصر على المتخصصين في البلد الواحد فهي فرصة للتعارف بين الباحثين من مختلف البلاد العربية والإسلامي.




[1]* عنوان المركز هو 1550 M Street NW, Washington, DC 20005, USA والعنوان الإلكتروني هو usip-requsts@usip org.

[2] -  United States Institute of Peace. Facts Sheet,  September 1995.
[3] - سورة يوسف آية 108
[4] -نشرة من صفحتين صادرة عن المركز وهي بمنزلة دعوة لحضور هذه الندوة ، وقد كتبت إلى الأستاذ محمد صلاح الدين ا(لكاتب المعروف بجريدة المدينة المنورة) وصاحب وكالة مكة للإعلان أحثه على الحضور ولإشعاره بكيف يقوم الغرب بدراستنا. وقد توسط لي للحصول على تذكرة مجانية من الخطوط السعودية ولكن لم أتمكن من حضور الندوة.
[5] - Journal of United States Institute of Peace, Vol. VII, No. 4, August 1994.
[6] - Ibid.
[7] -Peace Watch. United States Institute of Peace. Vol. 1, No. 2, February 1995.
[8] - Peace Watch. USIP, Vol. III, No. 3. April 1997.
[9] - Ibid. Vol. IV. No. 4, June 1998.

أبناؤنا والشجاعة الأدبية

                                بسم الله الرحمن الرحيم
                            
دعيت قبل مدة لإلقاء محاضرة في إحدى المدارس الثانوية في المدينة المنورة حول المحافظة على الهوية الإسلامية في عالم يموج بالهويات والثقافات. وانتظرت بعد حديثي الذي لم يزد كثيراً على نصف ساعة أن أسمع أسئلة الطلاب ونقاشهم وقد كدت أظن أن الطلاب لم يفهموا المحاضرة أو أن الموضوع لا يهمهم لولا أن قام طالبان أو ثلاثة فسألوا بعض الأسئلة الجيدة. ثم قام بعض المعلمين بطرح بعض الأسئلة. وهنا تساءلت لماذا لا يملك أبناؤنا الشجاعة الأدبية للسؤال والنقاش؟
وفي هذا المجال تذكرت محاضرة سابقة في ثانوية أخرى بالمدينة المنورة أن الطلاب قدموا أسئلتهم مكتوبة في رقاع صغيرة فكانت أسئلتهم كثيرة جداً ومتنوعة بعضها يتعلق بموضوع المحاضرة وكثير منها لا علاقة له بالمحاضرة. فقلت في نفسي إنهم لو طلب إليهم أن يسألوا شفهياً لما سئلت ربع هذه الأسئلة.
كيف لنا أن ننمي الشجاعة الأدبية عند طلابنا في المرحلة الثانوية أو في الجامعة؟ هل نبدأ من المرحلة الابتدائية أو نبدأ بعد ذلك أو حتى لماذا لا نبدأ تدريبهم على الشجاعة الأدبية قبل ذلك في المنـزل؟ إنني أترك مسألة الإجابة عن هذه الأسئلة للتربويين وإن كان هناك رأي بأن كل أب لا بد أن يكون تربوياً- ولكني أريد أن أرى اليوم الذي يقف فيه الطالب في المرحلة الابتدائية أو المتوسطة أو الثانوية فيناقش أستاذه في فكرة قدمها أو رأي ارتآه.
ومن التجارب التي مررت بها في أثناء دراستي في الولايات المتحدة أنني دعيت إلى إحدى المدارس الثانوية لأتحدث عن الموقف العربي في الصراع العربي الإسرائيلي وكان الفصل الدراسي قد استمع إلى حديث يهودي أو إسرائيلي أو أمريكي صهيوني عن الجانب الآخر. وبعد أن استمع الطلاب للجانبين بدءا مناظرة بين فريقين من الفصل الدراسي، وكانت لجنة من الحكّام تستمع إلى المناظرة لتبدي رأيها في قدرة كل طرف على طرح رأيه وإقناع الخصم به.
إن الشجاعة الأدبية إذا ما تم تكوينها لدى الشباب في هذه المرحلة فإننا نسهم في تطوير البلاد وتقدمها فحين يتخرج هذا الشاب ويعمل في مجال من المجالات ويجد نفسه في اجتماع مع مديره أو أحد رؤسائه فإنه يجد الشجاعة الأدبية ليناقش رئيسه ولعله يقدم رأياً تستفيد منه المؤسسة أو الشركة أو القسم الذي يعمل فيه.
ولنا في السيرة النبوية الشريفة قدوة في تشجيع الشجاعة الأدبية فقد سأل الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه ذات يوم: "أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ولا تحت ورقها،" ولما لم يجب أحد أخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أنها النخلة . وبعد أن انفض المجلس قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:" يا أبتاه وقع في نفسي النخلة، فقال عمر: ما منعك أن تقولها؟ لو قلتها كان أحب إليّ من كذا وكذا... (البخاري ومسلم)
وقد روت لنا الأحاديث الشريفة أن الرسول صلى الله عليه وسلم " كان يصحب الأطفال معه في الطريق، ويركب معهم على الدابة دون تأفف أو ازدراء " وقد وردت أحاديث مثل قوله صلى الله عليه وسلم " يا غلام احفظ الله يحفظك...الحديث" وغيره.
وما زلت أذكر أنني طلبت من أستاذ اللغة العربية في المرحلة الثانوية أن يكلف أحد الطلاب أن يقرأ كتاباً ويأتي في الحصة ويتحدث عن الكتاب ويناقشه الطلاب فيما قرأ. ولكن الأستاذ لم يكن متحمساً فقد كان كتاباً واحداً قرأه أحد الطلاب وهو (هاتف من الأندلس) لعلي الجارم. ولم تتكرر التجربة.
والشجاعة الأدبية كما يقول الدكتور سالم سحاب (المدينة المنورة 23صفر1419): أقفلنا أبواباً كثيرة للإبداع والتفوق تحت أعذار واهية وتوهمات خاطئة، فاعتبرنا النقاش البناء خروجاً على الطاعة وقله أدب في حق المعلم والرئيس، وعددنا الحرية المنضبطة معول هدم في أنظمة حياتنا، ونظرنا إلى الأفكار الجديدة نظرة شك وريبة دون أن نفندها أو ندرسها أو نضع لها الموازين القسط." ولنا في سلفنا الصالح قدوة في هذا المجال حيث كان عبد الله بن عباس وشباب الصحابة كانوا يجالسون الكبار حتى قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ..."
نعم إننا بحاجة إلى الشجاعة الأدبية التي تتمسك بالخلق والأدب ولسنا بحاجة إلى أطفال أو شباب لا يحسن توجيه سؤال أو انتقاد فكرة أو اقتراح رأي، وإن الأمة لا يمكن أن تتطور حقيقة إلاّ إذا أضحت الشجاعة الأدبية خُلُقاً عاماً، والله الموفق.