التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مظاهر المدنية في الحضارة الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين

المحاضرة الحادية عشرة:
                                                                مظاهر المدنية في الحضارة الإسلامية
                                                                         في عصر الخلفاء الراشدين
عندما نتحدث عن المدنية لا شك أن أذهاننا تنطلق إلى الحضارة الغربية المعاصرة التي أصبحت لها الهيمنة والسيطرة في العالم . فهي التي تصنع أدوات المدنية من سيّارات ،وطائرات، والأجهزة  بأنواعها والأسلحة بأنواعها حتى المشروبات الغازية التي أدمنّاها بينما العالم الآخر يستهلك. وهي التي تقول عبر وكالات الأنباء والقنوات الفضائية التي نملكها ويملكونها وعبر الصحافة والإذاعة ونحن الذين نسمع بل ننصت بخشوع ، وهي التي تحكم بما لديها من قوة اقتصادية، وسياسية ،وعسكرية ، وثقافية وعلمية ، وتكنولوجية. فما الفائدة في الحديث عن مظاهر المدنية في الحضارة الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين؟
        نعم ما الفائدة من مثل هذا الحديث؟ إن الأمم التي تريد أن يكون لها وجود في العالم لابد أن أول خطوة تقوم بها أن تحدد هويتها ومشروعها الحضاري ومنهجها الذي تريد السير عليه. فالغرب المسيطر بالرغم من النظريات والفلسفات المختلفة والمتنوعة والمتناقضة التي تسيطر عليه، فإنه واع بذاته وبحضارته وبوجوده وبمناهجه.
        ونحن علينا أن نبحث عن هذه الهوية وهذه الذاتية والمنهج والمشروع الحضاري الذي نريد بناءه في هذا العالم. لذلك فالحديث عن عصر الخلفاء الراشدين هو الحديث عن الانطلاقة لهذه الأمة المباركة التي صنعت حضارة تفيأ ظلالها العالم قروناً عديدة وما زال يجد لديها الكثير لو أحسن أبناؤها فَهْمَ تاريخهم وحضارتهم وأحسنوا التمسك بهويتهم ومشروعهم الحضاري.
        لذلك فهذه الصفحات محاولة لإظهار لمحات من المدنية التي بدأت في عهد الخلفاء الراشدين والتي ينبغي أن لا تكون مادة نحفظها لنؤدي فيها الامتحان بل أن تكون امتحاناً حقيقياً لنا في إيماننا برسالة هذا الدين العظيم الذي اختاره الله خاتمة لرسالاته .
   النظام السياسي
          إن النظام السياسي الإسلامي هو أرقى نظام سياسي عرفته البشرية في تاريخها وقد كان تطبيقه في القمة في فترة  الخلافة الراشدة ثم تراجع المسلمون في التطبيق في جوانب منه لكنهم بقوا متمسكين بمصادر هذا النظام لا يتنازلون عنها وإن كان في ذلك فناؤهم . فما أبرز ملامح هذا النظام؟
أولاً : اختيار الحاكم : لقد قام المسلمون بتطبيق معايير لم يسبقوا إليها في اختيار الحاكم وهذه الأسس هي الشروط التي استنبطها الفقهاء في كتب الأحكام السلطانية . وقد قال الدكتور أكرم العمري معلقاً :" والحق أن انتخاب أبي بكر للخلافة يوضح استعلاء قيم الإيمان وخضوع مقاييس الشخصية لها ، لأن أبا بكر من تيم وتيم من أضعف عشائر قريش. (الخلافة الراشدة، ص46) وأين النظام الديموقراطي الذي يجعل انتخاب الشخص لما يملكه أو لنجاحه في اللعبة الانتخابية حتى لو كان فاسداً صاحب فضائح في نظام ترشيح أهل العقد والحل.
ثانياً: الشورى : فهذا مجتمع بني على الشورى حيث نزلت آية الشورى { وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} والخبر إذا أريد به الإنشاء الطلبي فهو أقوى من الأمر . أما الآية الثانية التي تناولت الشورى فهي قوله تعالى { وشاورهم في الأمر } ويضيف الدكتور العمري:" ليس في القرآن قرينة تصرف هذا الأمر عن الوجوب ، وليس في السنّة كذلك ،بل الأحداث في السيرة تدل على أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالشورى كما في يوم أحد وفي الخندق وفي غيرها. كما إن الشورى في الإسلام تضمن لصاحب الرأي الحرية التامة ليقول رأيه . وكانت الشورى تتناول كلَّ ما لم يرد نص فيه في جميع المجالات.
        وقد عرفت الأمة الإسلامية الاستفتاءات العامة فعندما فتح العراق والشام وكان رأي الخليفة بناءً على رؤيته للمصلحة العامة أن تبقى الأراضي في أيدي أصحابها ويقومون بتقديم الخراج للدولة الإسلامية بدل تقسيمها بين الجنود الذين فتحت على أيديهم. فكان الرأي في هذا للجميع.
الإدارة والقضاء
                يعاني العالم العربي الإسلامي من ضعف شديد في مجال الإدارة بسبب بعدنا عن الأصول الإسلامية في الإدارة والدليل على ذلك أننا نتسول الفكر الإداري من الغرب والشرق( امريكا واليابان) نظراً لنجاحهما في مجال الصناعة ، فهذه الشهادات العليا في الإدارة هي في الغالب من الغرب عامة ومن الولايات المتحدة بصفة خاصة، وأيضاً الدورات الإدارية والكتب المترجمة .
لقد بدأ المسلمون نظامهم الإداري والقضائي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتوسعت الدولة الإسلامية ويمكننا أن نستنبط بعض الأسس لهذا النظام والبراهين على تطبيق هذه الأسس فما على الباحث سوى مراجعة التاريخ الإسلامي مراجعة يسيرة للتأكد من ذلك.
أما هذه الأسس فهي:
1- استعمال الأصلح ، والأصلح هو القوي الأمين ، والحفيظ والعليم .
2- مدة الولاية تخضع لظروف الولاية ونجاح الوالي . ومن الأمثلة على ذلك بقاء معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه أميراً على الشام عشرين سنة. بينما لم تستمر بعض الولايات أكثر من سنة وربما أقل من سنة. وقد ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه فكر أن لا تزيد مدة ولاية أي وال عن سنة واحدة.
3- الابتعاد عن العواطف في تولية الأمراء ومراعات مقتضيات المصلحة العامة.
4- الفصل بين الولاية (الإمارة ) والمسؤولية المالية.
5- مراقبة الولاة في عملهم .
6- محاسبة الولاة أو الأمراء إذا قصروا أو ظلموا أو ارتكبوا ذنباً أو لخصومة اهل الولاية لهم.
القضاء:
وضع المسلمون أسساً للنظام القضائي منها :
1- فصل القضاء عن سلطة الولاة واستقلالية القضاء.
2- اختيار الأصلح.
3- المرتبات المجزية لإعفاف القضاة .
4- تقاضي الخليفة وأي فر إلى قاضي المسلمين والأمثلة على ذلك كثير كتقاضي عمر بن الخطاب وأبي بن كعب والتحاكم إلى  زيد.
النظام الاقتصادي
                حرصت الدولة الإسلامية أن تكون دولة قوية ، وقوة الدولة بقوة شعبها واكتفائه اقتصادياً واستقلالها عن غيرها.  ولذلك حرص عمر بن الخطاب رضي الله عنه على ترك أرض السواد والأراضي المفتوحة عموماً في أيدي أصحابها الأصليين لتكون مصدر دخل مستمر للدولة لإعداد الجيوش والانفاق على الدولة.
وقد اهتمت الدولة بمواردها المالية وهي : الزكاة ، والخراج، والعشور ، والغنائم .وقد اهتمت الدولة الإسلامية بسياسة الانفاق على ما يأتي:
1- بناء المساجد ، تجديد سقف المسجد النبوي، ثم توسعة المسجد وبنائه في عهد عثمان ابن عفان رضي الله عنه بالحجارة.
2-بناء المدن لتكون معسكرات للجيوش الإسلامية قريبة من الماء والمرعى ومن هذه المدن الكوفة والبصرة والفسطاط . وتخطيط هذه المدن تخطيطاً إسلامياً مبتكراً يراعي التشريعات الإسلامية في ذلك مع الابتكار والابداع. فشوراع الكوفة كما شارك في تخطيطها عمر بن الخطاب جعلت الشارع الرئيسي أربعين ذراعا (40×70= 2800سم)(حوالي ثلاثون متراً)
3- حفر الأنهار وإقامة السدود والمنشآت ومن هذه المنشآت استراحات للحجاج بين مكة والمدينة توفر فيها الماء والظل.
الثقافة والتعليم:
ومن عجب أن أمة أول كلمة نزلت في كتابها الكريم {اقرأ} تصبح من دول العالم الثالث أو الدول النامية بينما تسبقها الأمم الأخرى ومن أبرز الأسس لأي مدنية هو العلم . وأما في عصر الخلفاء الراشدين فكانت الثقافة والتعليم في تقدم مستمر وذلك بسبب" الانسجام العقدي والفكري والاجتماعي ، ووضوح الأهداف العامة للدولة والمجتمع دفعا بقوة حركة التعليم بل الحركة الثقافية أيضاً" ( العمري)
        و بالرغم من أن الدولة الإسلامية كانت تقوم بجهد كبير في مجال الفتوحات الإسلامية إلاّ إنها بذلت الكثير في مجال التعليم مما جعل بعض المنصفين من المستشرقين يشيدون بمساهمات المسلمين الفكرية في أسرع وقت كما نقل الدكتور العمري عن بعض هؤلاء:" إن العرب يمثلون ظاهرة خارقة في تاريخ البشرية ...وفي خلال مائة عام من مسيرة الفتوحات رأيناهم يتصدرون أمماً غيرهم في الجهد الفكري."
        أما أسس النظام التعليمي التربوي فيمكن إيجازها فيما يأتي:
1- مسؤولية الدولة عن التعليم فقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم من يعلم الناس أمور دينهم في البوادي ورغم المخاطر المحتملة لمثل هذه المهمات. وقد واجهت إحدى هذه البعثات الغدر من إحدى القبائل العربية.وقد ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه:" اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار ، فإني بعثتهم يعلمون الناس دينهم وسنة نبيهم." وجاء أيضاً أن عمر بن الخطاب أرسل رجلاً يقال له أبو سفيان يستقرئ أهل البوادي القرآن فمن لم يقرأ ضربه بالسوط. 
2- الانسجام بين الدولة والأمة في مشوار التعليم.
3- مجانية التعليم أو ما يسمى في عصرنا الحاضر التعليم للجميع مما جعل الفقراء أحياناً يسبقون الأغنياء .
4-ارتباط العلم بالعمل ، فلم يكن التعليم ترفاً أو مجرد شهادات تعلق على الجدران.
5- إنفاق الدولة على التعليم فقد فرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه خمسة عشر درهما لثلاثة معلمين يعلمون الصبيان .ويقول الدكتور العمري:" ولم يعرف عن طلبة العلم أنهم دفعوا نفقة للتعلم آنذاك." .
6- " حرية التعليم وبعده عن هيمنة الدولة ظلاّ سمة مميزة له طوال القرون اللاحقة ، إلى أن ظهرت المدارس والجامعات الأولى في الإسلام ، تلك التي رعتها  الدولة غير أنها لم تكن في الحقيقة تحت إشراف الدولة إلاّ من حيث إمدادها بالنفقات ومساعدتها على البقاء ، فقد استمرت حرية التعليم بعد ظهور تلك المؤسسات ." ( العمري ص 248)
        ونظراً لهذه السمات للحركة التعليمية الثقافية في الأمة الإسلامية فقد استطاع المسلمون في وقت قصير أن يصبحوا سادة الدنيا ومعلموها بما تمتعوا من تفتح ذهني وبعد نظر وأفق واسع، فلم ينغلقوا على ما عندهم وإنما اطلعوا على الثقافات الأخرى بعد أن تعمقوا في فهم ما عندهم وتأكدت شخصيتهم العلمية والثقافية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

وأحياناً على بكر أخينا إذا لم نجد.. وما أشبه الليلة بالبارحة

                                      بسم الله الرحمن الرحيم                                  ما أصدق بعض الشعر الجاهلي فهذا الشاعر يصف حال بعض القبائل العربية في الغزو والكر والفر وعشقها للقتال حيث يقول البيت:   وأحياناً على بكر أخينا إذا لم نجد إلاّ أخانا. فهم سيقومون بالغزو لا محالة حتى لو كانت الغزوة ضد الأخ القريب. ومنذ أن نزل الاحتلال الأجنبي في ديار المسلمين حتى تحول البعض منّا إلى هذه الصورة البائسة. فتقسمت البلاد وتفسخت إلى أحزاب وفئات متناحرة فأصبح الأخ القريب أشد على أخيه من العدو. بل إن العدو كان يجلس أحياناً ويتفرج على القتال المستحر بين الاخوة وأبناء العمومة وهو في أمان مطمئن إلى أن الحرب التي كانت يجب أن توجه إليه أصبحت بين أبن...

مؤتمر الاقتصاد ودروس التاريخ

                    يسعى أصحاب "مشروع السلام" إلى دفع عجلة هذا المشروع بكل الوسائل الممكنة وغير الممكنة، وقد تفتقت أذهانهم عن فكرة التعجيل فيما يسمى بالتطبيع الاقتصادي فعقد مؤتمر الدار البيضاء ثم مؤتمر عمّان وها هم يسعون إلى عقد مؤتمر القاهرة ويصرون على عقده رغم تردد الدولة المضيفة في قبول انعقاده قبل أن تظهر إسرائيل احترامها الحقيقي ل " مشروع السلام". وقد جمع المؤتمران السابقان عدداً كبيراً من رجال الأعمال أو التجار من العرب المسلمين واليهود بالإضافة إلى المسؤولين الرسميين، وإن تهافت اليهود على هذه المؤتمرات إنما هو بسبب حرصهم الشديد على اختراق أسواق البلاد العربية لعلهم يصيبوا من ثرواتها ما يرون أنهم حرموا منه حتى الآن.      والمسلمون يعرفون اليهود معرفة جيدة، يعرفون طباعهم وأخلاقهم وسلوكهم وحبهم للمال والحرص عليه بأية وسيلة فقد حرصوا أن تكون لهم الهيمنة الاقتصادية في مجتمع المدينة المنورة قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بالإضافة إلى الهيمنة السياسية والفكرية. ويقول الدكتور أكرم العمري: "ولا شك أن ا...