الأربعاء، 4 يوليو 2012

من طرائف حضور المؤتمرات أين من يريد أن يتعلم.


ملتقى الفكر الإسلامي الواحد والعشرين – بوحنيفية ، ولاية معسكر

"الحياة الروحية في الإسلام"

1محرم 1408هـ 26أغسطس 1987م

علمت عن المؤتمر فأسرعت إلى كتابة رسالة لمسؤول الملتقيات بوزارة الشؤون الدينية في الجزائر فجاءت الموافقة على حضوري الملتقى على أن أحضر إلى الجزائر على حسابي ويكون تنقلي وإعاشتي في الجزائر على حساب الوزارة. وافقت ولم يكن أمامي سوى الموافقة فما أنا سوى محاضر بجامعة سعودية ليس لي حق في طلب نفقات حضور مؤتمر في أي مكان. وقد حصل أمامي أن شجعت الابن الدكتور فهد السنيدي على حضور مؤتمر حول الاستشراق في جامعة المنيا وكان محاضراً ويعد رسالة الدكتوراه، فجاء الجواب أن "صاحب الصلاحية" (من هو؟) لا يوافق على سفره وكان هذا عام 1427هـ فما بالكم في عام 1407هـ وفي تلك الأجواء العدائية التي كنت أعيشها لأنني أظهرت اختلافاً في الرأي مع العميد العتيد.

وسافرت بالفعل لحضور المؤتمر في  بلد أصبحت أعرف كثيراً من الأشخاص، وهذا المؤتمر عن الحياة الروحية في الإسلام جذب العديد من المسلمين الأوروبيين الذين وجهت إليهم الدعوة للحديث عن تجربتهم، فكان منهم مسلم فرنسي شاب وله لحية جميلة ونور يضيء وجهه وقد أسلم وجهه لله وتعلم العربية تعلماً لا أقول جيداً فحسب بل كان رائعاً ومتميزاً وقد قرأ بعض الآيات وقرأ بعض الأحاديث الشريفة فكان يتقن اللغة العربية حتى الحروف الصعبة التي لا توجد في اللغات الأوروبية كالحاء والخاء والعين والغين والضاد ، وكان يتقن التجويد.

وبدأ المؤتمر بكلمة للأستاذ مولود قاسم نايت بلقاسم، وكان متحدثاً عنيفاً وغير منضبط وثوري، حديثه طويل ولا يلتزم بالوقت، المهم أنه يخاصم فرنسا وما أسماه الاستدمار بدلاً من الاستعمار. وعندما سئل عن تربية المرأة روحياً فأشار إلى أن المسألة تقع في مسؤولية الأسرة ثم الأسرة ثم الأسرة ثم المؤسسات والهيئات الحكومية كل فيما يخصها، وأما الأسرة فقد قال عن أمه أنها لا تقرأ ولا تكتب وتهتم بإيقاظ أولادها فجراً لحفظ ربع الحزب ثم الذهاب إلى المدرسة. وهاجم في حديثه الصوفية هجوماً عنيفاً وقال لا داعي لاختلاف الآراء والبلبلة حول التصوف أو عدم التصوف وقال لنعد إلى القرون الأولى قبل أن تظهر هذه الفئة

وتحدث مولود بلقاسم عن مكانة المرأة في الثورة الجزائرية وأنها قامت بعمل كبير في الثورة وقال إن منطقة جرجرة وبالذات مدينة تيزي ووزو كتب في شوارعها أيام الملتقى السابع عام 1393هـ (1973م)(فاطمة انسومر رجل وكم رجل امرأة) وقد أيّد محمد أبو زهرة العالم المصري رحمه الله هذه الفكرة كما قال مولود قاسم.

تناول مولود قاسم عن أحد أبرز المستشرقين حديثاً غاضباً وبخاصة اهتمام ماسنيون بالحلاج وانتقد انتساب المستشرق لعدد من المجامع اللغوية العربية وذكر أنه يعرف ماسنيون شخصياً وأنه زاره في بتيه، وأنه يقدر للمستشرق إخلاصه لأمته، ولكنه لم يكن يعمل حقيقة على تطوير اللغة العربية ونحت ألفاظ جديدة لتعود اللغة العربية إلى ما كانت عليه في عهودها الزاهرة في عهد المأمون حينما كانت هي اللغة اللغة. The Language ، وكان من الذين تحدثوا عن اللغة العربية أنها كانت قادرة على التعبير عن التجربة الصوفية فيقول عن اللغة تعجز أحياناً عن التعبير عن عواطفنا وأحاسيسنا العادية اليومية فما بالك بالتجارب الوطنية وللسادة الصوفية تعابير خاصة عجيبة منها: الوجد، والباطن، والظاهر، والكشف، وأهل الحقيقة والمحجوب والتجلي والانجذاب وأشياء أخرى كثيرة لا داعي لها.

ومن الأشياء التي تحدث بها انتقاده للطريقة التي أصبح الجزائريون والمغاربة يكتبون بها أسماءهم رضوخاً لما فرضه الفرنسيون المحتلون وقال نحن نقول : عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، وحتى الغربيون ينادون أنفسهم بالاسم الشخصي ثم اللقب فتقول شارل ديقول، فاليري جيسكار ديستان، ونابليون بونابرت فلماذا أدخلتم علينا هذه الطريقة؟

وحرصت على الحديث مع الأستاذ مولود قاسم وعرّفته بنفسي وقلت له إنني كتبت رسالة ماجستير عن جمعية العلماء وكتب لها د. أبو القاسم سعد الله مقدمة، فأعطاني موعداً للقائه في اليوم التالي بعد العصر. وقد لاحظت أنه ما زال منفعلاً من الحديث من على المنصة، ولم يهتم بي كثيراً، ولعل له عذر وأنت تلوم.

وكان من بين الأسماء التي وردت في قوائم الضيوف الدكتور محمد عبده يماني، ود. محمد العلوي المالكي (رحمهما الله) قلت لا أدري ولكن ربما لم يؤذن لهما غير أني لا أجزم بذلك. وحتى الدكتور عبد الله التركي المتخصص في السفر إلى جميع المؤتمرات العالمية لم يحضر والسبب أن المؤتمر سيكون فرصة لكثير من الطرق الصوفية أن تحضر فاختفى هو وأتباعه. وأسمح لنفسي أن أشكك في نياتهم في حضور المؤتمرات هو الوجاهة وانتدابات السفر والهدايا وإلاّ إن تحدث أصحاب الطرق عن طرقهم وتربيتهم الروحية ألم يكن من الممكن أن يحضر ليقدم للناس وللجمهور التربية الروحية وفقاً لأهل السنّة والجماعة حيث حضر الشيخ يوسف القرضاوي ومحمد سعيد رمضان البوطي، ومحمد الغزالي وكثير من علماء السنّة والجماعة.

وكنت أتمنى أن يتحدث أحد رجالات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وقد كانوا كثر عن التربية الروحية لدى الجمعية. ولذلك فكّرت في أن أطلب الكلمة. وكنت متردداً فالقاعة تغص بالحضور من كبار العلماء والمسؤولين من الجزائر وأنحاء العالم الإسلامي. وقدمت رجلاً وأخرت أخرى وكان هناك من أصدقائي الجزائريين من يشجعني أن أتحدث. وأخيراً قدمت ورقة أطلب التعليق، وخرجت من القاعة ونودي على اسمي ولم أكن موجوداً ولكن قيل لي عد إلى القاعة فسوف يعطونك الفرصة للحديث.

وبالفعل رجعت إلى القاعة ونودي علي مرة  أخرى ووقفت أمام الجمهور الضخم الذي لم أقف أمام جمهور مثله، وكنت أخشى أن لا أستطيع أتحدث أمام هذا العدد الضخم، وكما يقال استجمعت شجاعتي وبدأت حديثي بتقديم الشكر لوزارة الشؤون الدينية في الجزائر على هذه السنّة العظيمة وهي دعوة نفر من علماء الأمة الإسلامية ودعاته إلى مؤتمرها السنوي الذي يعد فريداً ممن نوعه، فليس هناك أي دولة إسلامية تقوم بمثل هذا العمل المبارك.

وبحكم تخصصي في التاريخ الجزائري الحديث فكم كان بودي أن أرى بحثاً من إعداد أحد علماء الجزائر عن التربية الروحية التي قامت بها جمعية العلماء منذ تأسيسها أو قبل تأسيسها بعد عودة ابن باديس رحمه الله من تونس. إن الحياة المادية التي نعيشها الآن واجهها ابن باديس بعمل جبار في تربية تلاميذه، فسؤالي موجه إلى مشايخ جمعية العلماء عن ماذا كان يفعله الشيخ وزملاؤه في تحبيب الناشئة إلى العبادات المختلفة من قراءة القرآن (وهي قمة الذكر) والصيام التطوعي وقيام الليل والنوافل. إننا نعلم عن بعض الحركات السلفية المعاصرة أنهم ألّفوا كتباً في الأذكار والأدعية وأعدوا لأتباعهم أوراداً لتقوية الصلة الروحية بينهم، ومع اعتزازنا بأقطاب التصوف الذين التزموا الكتاب والسنّة، ولكن لماذا نذهب بعيداً ونترك المثل القريب. وفق الله الجزائر في الاستمرار في هذا المؤتمر المبارك وخدمة الإسلام.

وما أن خرجت من القاعة قال لي أحدهم وأعتقد أنه الأستاذ محمد بن سمينة أحد علماء الجزائر لقد جئت من المدينة المنورة لتتحدث عن العلماء الجزائريين الذين سكتوا، وينطبق عليك وعليهم (فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق