الأربعاء، 4 يوليو، 2012

هل نـتعلم الشفافية والأمانة من سائق الحافلة الصيني؟



كنت قبل أيام ضمن وفد إلى الصين الوطنية في ضيافة وزارة الخارجية الصينية أو التايوانية، وكانت تنقلاتنا تتم بواسطة حافلة، وكان الجو حاراً نسبياً مع ارتفاع في درجات الرطوبة، فطلبنا ذات مرة من السائق أن يدير محرك السيارة ويشغل التكييف قبل موعد انطلاق الحافلة في مشاويرنا المختلفة. وكان يستجيب لنا ولكن قبل أن يبدأ المشوار بخمس دقائق فقط. وذات مرة خرجت إلى الحافلة قبل الموعد بأكثر من خمس دقائق فوجدت السائق يجلس في الحافلة فاتحاً النوافذ ومحرك الحافلة لا يعمل، فسألته وما السر في ذلك؟ فقال لا أستطيع أن أجلس في السيارة والمكيف يعمل أكثر من خمس دقائق، ولو رآني أحد المواطنين أو الصحفيين لالتقط صورة للحافلة وأنا بداخلها ونشرها في الصحف ليعلن أن موظفي الدولة يستغلون أموال الدولة أو يرفّهون أنفسهم على حساب دافع الضرائب. ولذلك لا أستطيع أن أشغل التكييف قبل أكثر من خمس دقائق من انطلاق المشوار.

تعجبت من هذه الأمانة وهذه الشفافية لدى سائق الحافلة في الصين الوطنية، هو بلا شك يخاف من عيون الرقباء وعقوبة الإدارة التي يعمل بها، وليست القضية قضية ضمير وإن كنت لا أستبعد ذلك ولكن مبررات السائق كانت واضحة. وكم مرة أمر من جوار بعض أسواقنا فأجد السيارات محركاتها تعمل وقد اتخذها السائقون أو أبناؤنا المدللون غرف نوم متنقلة، فقد يعمل المحرك والمكيف نصف ساعة أو ساعة أو أكثر، وهذا كما يقع من أصحاب السيارات الخاصة بسياراتهم أو سيارات مكفوليهم أو يحدث في سيارات الحكومة.

وقد تخيلت مرآب سيارات إحدى الإدارات الحكومية ولنقل على سبيل المثال الشرطة أو المرور فإنك ستجد مئات بل ربما آلاف السيارات وقد أصبحت خردة قبل أن تكمل عامها الثالث أو الرابع، ولم أسمع مطلقاً مزاداً لبيع سيارات الحكومة أو الإدارات الحكومية المختلفة وربما كان السبب أن هذه السيارات تصبح لا قيمة لها في خلال فترة وجيزة، بل علمت أن بعض الجهات الحكومية تحيل بعض سياراتها إلى التشليح في وقت قصير لتصبح مصدراً لقطع الغيار بدلاً من شراء تلك القطع من السوق.

فإذا كان هذا ما يفعله سائق الحافلة التايواني فكيف يفعل غيره من موظفي الحكومة أو القطاع العام في مواقع أخرى. جميل أن نتلقى الدرس من سائق الحافلة الصيني التايواني ولكننا في الوقت نفسه نعلم أن تاريخنا الإداري حافل بالنماذج الرائعة في المحافظة على الأمانة والشفافية. وأول قصة ترد إلى خاطري قصة الرجل الذي كلّفه الرسول صلى الله عليه وسلم بجمع الزكاة؛ فقد روى البخاري عن أبي حميد الساعدي قال (استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة ، فلما قدم قال : هذا لكم وهذا لي ، قال عليه الصلاة والسلام : هلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيهدى له أم لا).

وثمة قصة أخرى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان في الحج فسأل غلامه: كم بلغت نفقتنا في الحج؟ فقال: ثمانية عشر ديناراً يا أمير المؤمنين، فنظر إليه عمر وقال: "ثمانية عشر ديناراً !! لقد أجحفنا بيت مال المسلمين"

ولو نظرنا في أوضاعنا اليوم وما يضيع من أموال الأمة هدراً أو يستغل بعض المسؤولين مناصبهم في منافعهم الخاصة لعجزنا عن إحصاء تلك الحالات. والعجيب أنني مررت بحالات يرفض المسؤول أن يسمح لمراسل الكلية أن يأتي إلى الأستاذ ببريده من إدارة البريد أو أن يوصل بريد الأستاذ إلى مكتب البريد بينما لا يمتنع هو عن استخدام سائق الكلية أو المعهد في إيصال أنبوبة الغاز إلى بيته أو شراء حاجياته من السوق، وكل ذلك والمسؤول يدعي الأمانة والخوف من الحرام.

وقريباً من هذه القصة العميد الذي وضع قانوناً وكان أول من خالفه وبطريقة حاول فيها أن يستغفل أو يضحك على أعضاء مجلس الكلية.

كم نحن بحاجة إلى أن نتعلم من السائق الصيني فنحرص على الأموال العامة من الهدر وأن نحرص على أن لا نكسب إلاّ حلالاً ولا نطعم أبناءنا وأهلينا إلاّ طعاماً طيباً ونتذكر قول المصطفى صلى الله عليه وسلم (أيما جسد نبت من الحرام فالنار أولى به)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق