الأربعاء، 4 يوليو 2012

ثلاثة أيام في باكستان




لا أدري من أين أبدأ الحديث عن اسم باكستان في ذاكرتي؛ أمِنْ مراوح الحرم المدني المصنوعة في باكستان في الحرم الجديد (كان جديداً في زمننا)، وكانت هذه المراوح تشعرني في تلك الأيام أن بلداً إسلامياً استطاع أن يصنع المراوح وكنّا لا نعتقد أن الصناعة إلاّ لدى الأوروبيين والأمريكان. ومن صنع المراوح الكهربائية لا شك يستطيع صناعة غيرها. أو المستوصف الباكستاني الذي كان يقع  في شارع السحيمي أأدري من أين بالقرب من شركة كهرباء المدينة المنورة حيث كان يعمل والدي رحمه الله وزيارتي للمستوصف للعلاج من التهاب اللوز بتلك المسحة التقليدية وهي قطعة القطن الموضوعة في رأس عود طويل وفيها مادة تشبه اليود للمسح على اللوزتين دون الحاجة إلى مضاد حيوي أو غيره؟ هل أبدأ بأستاذ اللغة الإنجليزية الذي ما زلت أذكر اسمه وهو أفتاب الذي كان مدرّس اللغة الإنجليزية بثانوية طيبة. أو من كتب أبي الأعلى المودودي رحمه الله (الحجاب) و(الحضارة الغربية) و(الحكومة الإسلامية) وغيرها من الكتب؟

ولقد عرفت باكستان من خلال جيش من الموظفين الذين كانوا يعملون في وظائف السكرتارية والنسخ (الإنجليزي بالطبع) في الخطوط السعودية وأذكر من هذه الأسماء شاهد علي ملك رحمه الله وقريشي وعلي أصغر وغيرهم كثير كثير، كانوا يعملون بدأب وإخلاص وتفان. وعرفت باكستان أكثر من خلال قراءتي المتواضعة لجهود البروفيسور عبد القدير خان لصناعة القنبلة الذرية الباكستانية حتى إني كتبت مقالاً بعنوان ( القوة من أجل السلام) وقد استعرت هذا العنوان من مجلة متخصصة في الطيران جعلت ذلك العنوان مع صور مقاتلات جوية غلافاً لها. وأكدت المجلة أن الذي يطلب السلام أو ينادي بالسلام لا بد أن يمتلك القوة.

عرفت باكستان من خلال التعاون العسكري بين المملكة وباكستان في فترة من الفترات وقيام رحلات خاصة للشحن لصالح أعضاء البعثة الباكستانية عندما كنت أعمل في الخطوط السعودية.

وكانت باكستان حاضرة في أسرة المطبقاني عندما اختير ابن عم والدي الأستاذ يوسف بن محمد مطبقاني ليكون سفيراً في باكستان، وهنا قال والدي رحمه الله تلك ترقية لابن عمّي فباكستان دولة مهمة بالنسبة للسعودية. ثم ذهب ابني غيث ليلتحق بكلية الطب بجامعة السند في باكستان لدراسة الطب بعد أن أكمل دراسة التقنية الطبية – ولو كنّا نتوسع حقيقة في القبول لوفرت الجامعة على ابني عدة سنوات من الدراسة فأعجبني إصراره على دراسة الطب ونيل شهادتها مهما كانت الصعاب وأنجز المهمة والحمد لله. وكنت أعده أن أزور باكستان في أثناء دراسته فيها ولم يتيسر لي ذلك.

وكما كان والدي رحمه الله يقول (الأمور مرهونة بأوقاتها) فقد جاءت الفرصة حينما وُجِّهت دعوة لرئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل لحضور مؤتمر حول (الإسلام والدولة) للحديث حول الشريعة والحكم في المملكة فاعتذر سموه لارتباطات أخرى فانتدبني المركز للسفر إلى باكستان فقررت أن أخوض غمار التجربة والسفر والمشاركة.

وكان لي  تعامل مع الباكستانيين من خلال سائق خاص عمل لدي أربع سنوات تقريباً وهو كلندر خان الرجل الذي أحب المدينة حبّاً كبيراً حتى كتب الله عز وجل له الوفاة فيها بعد أن وصله خبر من أهله فأصيب بجلطة ولم يكن في المستشفى الحكومي علاجاً له وكان لا بد من نقله إلى مستشفى خاص ولم نتمكن من ذلك فكانت منيته في المدينة وكان رجلاً مخلصاً أمينا رحمه الله رحمة واسعة.

في البداية كان البحث عن رحلة مناسبة تنقلني من الرياض إلى إسلام أباد مباشرة فكان ذلك صعباً لرغبتي أن أقضي يوماً قبل بدء المؤتمر للاطلاع على بلد جديد لم أزره سوى مرة واحدة (البقاء في مطار كراتشي مدة يوم في طريق العودة من الفلبين، فاستأجرت سيارة أجرة مدة ساعة أو ساعتين للسير في شوارع كراتشي.) فكانت الرحلة من الرياض إلى بيشاور ثم لاهور والانتقال بطائرة مروحية من لاهور إلى إسلام أباد. وعلى الرغم من قرب بيشاور من إسلام أباد لكن الرحلة استمرت حتى لاهور وهي أبعد عن إسلام أباد من بيشاور.

وصلت إسلام أباد ظهراً مع أن الرحلة انطلقت من الرياض بعد منتصف الليل ومع فارق التوقيت والمرور بعدة مطارات وصلت إسلام أباد بعد الظهر. وما أن وضعت حقيبتي حتى انطلقت أسير في الشوارع المحيطة بالفندق.فأعجبني اتساع الشوارع المحيطة بالفندق وعموماً فشوارع إسلام أباد معظمها واسع. وفي ذلك الشارع توجد أشجار باسقة وثمة جزيرة مزروعة بالعشب. وربما كانت الأمطار شحيحة هذا العام فمعظم العشب قد جف.

 حصلت على بعض الروبيات من المطار مما وفر علي أن أقوم بالصرف في المطار أو في الفندق المتواضع الذي يطلق عليه (بيت الضيافة) وقد سألني مدير الفندق عنه فقلت له لقد كان الفندق رائعاً قبل عشرين سنة ولكنه الآن كل شيء فيه يحتاج إلى تجديد من جدرانه وحماماته وتدفئته التي كانت في إحدى الغرف (وهي جناح تنفيذي –بزعمهم) مروحة تدور ثم عندما انتقلت إلى غرفة أخرى أو جناح آخر كانت التدفئة بموقد غاز (مخيف بالنسبة لمن لا يتعاملون مع الغاز سوى في موقد الغاز، ولأننا نتعامل مع الغاز في أنابيب أو أسطوانات بينما تقدمت باكستان علينا بإيصال الغاز إلى البيوت.(ولو بدأنا مثل هذا المشروع لاحتجنا إلى عشرة أعوام من الحفريات والحفريات والحفريات).والفندق يحتاج إلى تجديد في سباكته وحماماته وغير ذلك. وقلت له لو كنت رجل أعمال لهدمت الفندق وبنيت بدلاً منه فندقاً كبيراً فلديك من المساحة ما يكفي.

وسرت في الشوارع القريبة وكان يوم أحد وهو عطلة رسمية فالمدينة هادئة سوى من بعض الناس الذي خرجوا إلى بعض الحدائق والمطاعم في شارع جناح (وجناح هو محمد علي جناح مؤسس باكستان وأول رئيس جمهورية لها حين تأسست عام 1947م)

لاحظت أنه ليس في إسلام أباد مواصلات عامة مثل قطارات الأنفاق أو الحافلات الفخمة أو المترو وإنما هي سيارات النقل المزركشة التي تشبه خط البلدة عندنا غير أن سياراتهم أنظف إلى حد ما وإن لم أركبها، أما سيارات الأجرة فغالبها من النوع الصغير والقديمة إلى حد ما حتى إن أحد السائقين لديه حزام مقطوع لا يصل إلى أن يربطه يوهم الشرطة أن لديه حزاماً. وليس ثمة عدادات وإنما الأجرة محددة من منطقة إلى أخرى ولا بد من الاتفاق مع السائق وقد يبالغ السائقون في الأجرة ولعلها من مستلزمات العمل في هذه المهنة –إلاّ من رحم الله- أن الراكب لا بد من استغلاله بأية طريقة.

ورأيت في إسلام أباد مناظر لم تعجبني وأسفت لها وتخيلت أن المدينة بلا بلدية ولا أمانة ولا يحزنون ففيها أرصفة مهدمة ومجارٍ للمياه مكشوفة. وكم أتمنى من أن يكون شرطاً على من يتولى منصب البلدية أو الأمانة أو العمدة أن يسير في شوارع المدينة على الأقدام ليعرف حقيقة ما تحتاج إليه مدينته، وكنت قد قرأت أنه في بعض البلاد يقومون بوزن الأمين أو رئيس البلدية حين يتولى المنصب ويقومون بوزنه حين انتهاء ولايته ليروا على زاد وزنه (معظمهم يزيد وزنه) لقلة المشي ومعرفة ما تحتاجه مدنهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق