الثلاثاء، 3 يوليو 2012

لماذا نهضت كوريا ولم نتقدم؟

ملحوظة: هذه المقالة ضمن كتابي رحلاتي إلى مشرق الشمس وأعيده هنا لأهمية الموضوع، فهل يفيدني أحد كيف يمكن أن نتقدم حقيقة؟

عاد صديق من كوريا قبل أسبوع من سفري، وقال لمّا رأيت حال كوريا بكيت حقيقة على أوضاعنا، فهذه كوريا التي لم تبدأ نهضتها إلاّ قبل أربعين أو خمسين سنة على الأصح أي منذ عام 1961م واستعانت بأموالنا حين أحضرنا عدداً من الشركات الكورية لتسهم في بناء بعض المشروعات العمرانية في بلادنا استطاعت أن تسابق الزمن كما يقولون وأن تبني نهضتها بناءً حقيقيا.

لماذا نهضت كوريا؟ قرأت عبارة أن الدول التي خضعت للاحتلال الياباني كانت أسرع في النهوض لأن اليابان قامت بإنجاز البنية التحتية في البلاد التي احتلتها بينما كانت حركة النهضة في البلاد التي خضعت للاحتلال البريطاني بطيئة على الرغم من أن سمعة الاحتلال الياباني سيئة لوحشيته وعنفه. ولكن هل يمكن أن يكون هذا هو السبب الوحيد. وقد كان أحد الكتب التي فازت بجوائز في مسابقة الكتب كتاب عن الاستعمار والمستعمرات في آسيا وأرجو أن تتاح لي الفرصة لقراءته وفهم أحوال احتلال البلاد الأسيوية وأنواع الاستعمار.

هناك رأي قرأته لكاتب أمريكي يكتب في الصحافة الكورية باللغة الإنجليزية أن العسكر الذين حكموا كوريا في العصر الحديث أصدروا أوامرهم العسكرية فنهضت البلاد، فمعنى ذلك أن الإرادة السياسية أساس في نهضة البلاد متى ما توفر لها الرؤءة والإخلاص وقوة الإرادة والعزيمة والتصميم، ومتى ما تخلصت البلاد من الأنانية والفساد

وأين إرادة الشعوب؟

وأين التعليم؟

أرى مظاهر التقدم المادي في الشوارع المنظمة النظيفة فقد بدأ المطر منذ منتصف النهار بالأمس ولا توجد قطرة ماء واحدة متبقية على الأرض عدا قطرات على الكراس ومنها الكرسي الذي جلستعليه، ومن مظاهر التقدم التي يشاهدها المرء السيارات الكورية التي هي أكثر من خمسة وتسعين بالمائة، والعجيب أن مظاهر السيارات فارهة، فلم يصنّعوا لأنفسهم إلاّ السيارات القوية المتينة، بل لعلهم بالغوا في رفاهية هذه السيارات وجمالها حتى ليشبه بعضها سيارات المرسيدس الألمانية، ويشبه بعضها الآخر السيارات الأمريكية والأوروبية. وكم رأيت من سيارة فظننت أنها أمريكية فإذ بها سيارة كورية.

ورأيت من مظاهر التقدم فيما عرض علينا من فيلم عن المؤسسة الكورية التي تسعى لنشر الثقافة الكورية واللغة الكورية (وليس الكروية التي شغلت بالنا كثيراً في العالم العربي)

هل سبب النهضة الكورية العمل الجماعي والارتفاع فوق الأنانية والنزعات الفردية، فهذه المؤسسة ترعى كما ذكرت سابقاً خمساً وسبعين أستاذاً لتدريس الثقافة الكورية حول العالم، وياليتني كنت شاباً لتخصصت في الثقافة الكورية لأنعم بدعم حقيقي منظم لا أن أكون عبئاً ثقيلاً على الرغم من تخصصي الذي يعد نادراً.

لماذا نهضت كوريا، ولماذا توقفنا أو حتى لم ننطلق؟

كيف اعتنت كوريا بالتعليم؟ هل كوّنت المعلمين تكويناً حقيقياً في معاهد عليا لا يقبل فيها إلاّ من تنطبق عليه مواصفات خاصة، لا من أخفق في الدخول إلى الكليات الأخرى فكان التعليم هو خياره الوحيد. و قد وجدت من خلال تجربتي في التعليم الجامعي في المملك العربية السعودية أن طلاب الدراسات الإسلامية هم في الغالب ممن لا يجد قبولاً في أي مكان آخر، وعندما تسأل لماذا لا ترفعوا نسبة القبول أو تشترطوا مستوى أعلى قالوا هل تريد أن يغلق القسم، والله إن إغلاق القسم أولى من أن يؤتمن على دين الله من لا عقل له ولا فهم ولا طموح ولا أخلاق (أحياناً) ولا تدين حقيقي (أحياناً) ، هذا دين الله يحتاج إلى قدرة عقلية متميزة وليس إلى ما كنّا نسميه (النطيحة والمتردية...)

ثم كيف أعد الكوريون مدارسهم من حيث المباني والتجهيزات؟ هل كانوا كرماء أو عقلاء في أن بنوا المدارس حتى لا يبنوا السجون؟ أو هل قدموا بناء السجون والإصلاحيات على حساب المدارس؟ إني لأخالهم كرماء (المسألة نسبية) فأتاحوا لأبنائهم أن يدرسوا في مدارس محترمة وليست مبان مستأجرة بنيت لتكون شققاً سكنياً ومساكن حتى ليجتمع في الفصل الواحد ما يزيد على خمسين طالباً، أو مبان ينقص فيها الأكسجين حتى ليكاد الطلاب أن يختنقوا من ضيق المكان وسوؤ التهوية كما عرف عن بعض المباني في جامعة الملك سعود في منطقة البديعة وهي من أحياء الرياض الأقل حظاً.

الشعب الكوري شعب عامل لا يحتقر أي عمل ففي هذا الصباح رأيت امرأتين إحداهما تجر عربة جمعت فيها علب الصفيح الفارغة وكانت تجرها خلفها، والمرأة الثانية تجر برميلاً من البلاستيك جمعت فيه الكرتون الفارغ بعد أن طبقته وأعادته إلى حالته قبل أن يصبح في شكل الصندوق.

لماذا نهضت كوريا ولم نتحرك نحن؟ سؤال كبير حقاً، فهل تنقصنا إرادة النهوض؟ أو تنقصنا المؤهلات لننهض؟ لقد نظرت فوجدت أننا أكثر البلاد في العالم طاردة للعقول؟ وأكثر البلاد نزيفاً في العقول؟ لقد طالبت أمريكا قبل سنوات بحقوق اقتباس أفكار الأفلام الأمريكية، ونسي الأمريكان أن عليهم أن يسددوا فاتورة عشرات الألوف من الأطباء والمهندسين الذين استولت عليهم أمريكا أو فرطت فيهم الحكومات المصرية المتعاقبة. إن الطبيب الواحد يكلف مئات الألوف من الدولارات حتى يتخرج ثم تحصل عليه أمريكا دون أن تدفع مليماً أو قرشاً أو جنيها أو دولاراً واحداً.

في إحدى المحاضرات استشهد المحاضر بالأرقام المرعبة لتقرير الأمم المتحدة للتنمية الإنسانية (وليست البشر ية) لدول العالم العربي، فتساءلت هل يلام الطلاب العرب الذين ابتعثوا إلى الغرب وعادوا بعلم وشهادات وروح طموحة ثم واجهوا بيئة لا تشجع على الطموح ولا الإبداع، هل يلاموا أنهم لم يطوروا البلاد؟ هل يلام الأستاذ الجامعي إن كان راتبه حين يحصل على الدكتوراة كان لا يزيد على عشرة آلاف ريال، وحين كانت بعض الجامعات تستأجر سكناً بعشرات الألوف لأساتذتها بينما جامعات أخرى تحول البند إلى مصروفات رئاسة الجامعة أو غير ذلك من البنود التي تحتاج إلى تعزيز أو أستاذ ينتظر خمس سنوات ليصرف له بدل الانتداب بينما يتخاصم المدير مع وكيله على عدد الأيام التي تحستب لأحدهما ولن أفصل.

ننهض حقاً حينما يكون الرجل المناسب في المكان المناسب لا أن يتولى تكون الإدارة تتسم بالفوضى، كم سمعت في بداية حياتي عن انقلابات في العالم العربي تقول في بيانها الأول أنهم جاؤوا للقضاء على الرشوة والمحسوبية والقضاء على الأمراض المزمنة من المرض والفقر والجهل، وإذ بأصحاب الانقلات يكونون أسوأ ممن سبقهم؟ لماذا نجح عسكريو كوريا ولم ينجح العسكريون عندنا مع أن العقلية العسكرية واحدة في كل أنحاء العالم فيما أعتقد؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق