الأربعاء، 11 يوليو 2012

دراسة موجزة لأسلوب الأستاذ أحمد محمد جمال رحمه الله



    

 

 

من تعريفات الأسلوب التي يدرسها طلاب الأدب واللغة ما يقال :" إن الرجل هو الأسلوب" ولذلك تتعدد الأساليب بتعدد الأشخاص ، وذلك لأن كل كاتب يضفي على كتابته ملامح شخصيته هو، فلا بد أن الشخص الساخر في حياته العادية يكون أسلوبه ساخراً ، والشخص الرومانسي تكون كتابته رومانسية، وكذلك الشخص الجاد تكون كتابته جادة. والشخص الذي تتسم شخصيته بالعقد النفسية والصعوبة تكون كتابته كذلك. ولذلك يمكننا أن نعتمد على هذه المقولة "إن الشخص هو الأسلوب"
ومع ذلك فإن الكتاب يشتركون أحياناً في ملامح عامة تحدد الأساليب فلا يمكن أن يكون الشخص ساخراً كل الوقت، ولا يكون رومانسياً كذلك كما لا يمكن أن يكون جاداً الوقت كله.
والأستاذ أحمد محمد جمال رحمه الله تعالى ابن مكة المكرمة ولد عام 1343، درس في المعهد العلمي بمكة المكرمة، عمل في المجال الحكومي في العديد من المجالات منها القضاء وكتابة العدل . كما عمل في وزارة الداخلية مسؤولاً عن الشؤون الثقافية وعمل أيضاً في إدارة الجوازات. تم اختياره عضواً بمجلس الشورى السعودي عندما كان بمكة المكرمة. ولعل من أهم الوظائف التي عمل بها وأبرزها التدريس بجامعة الملك عبد العزيز في جدة وفي فرعها بمكة المكرمة أستاذاً للثقافة الإسلامية. كما عمل في المجال الصحفي من سكرتارية التحرير إلى رئاسة التحرير في عدد من الصحف هي البلاد السعودية والندوة وحراء.
فإذا كان الرجل هو الأسلوب فيجب أن نبحث عن البيئة التي عاش فيها الكاتب فالأستاذ أحمد محمد جمال ابن مكة المكرمة تأثر بمناخها وطبيعتها وبما تتميز به من طبيعة قاسية من جبال صخرية ومناخ شديد الحرارة والقيظ معظم أيام السنة يجعل من شخصية أديبنا الكبير شخصية تتسم بشيء من القسوة والعنف في بعض الأحيان لولا أن الإسلام يضفي على الإنسان طابع الرحمة والرأفة والشفقة واقتداءً بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه ربّه سبحانه وتعالى ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) فكذلك ابن مكة البار كان لا بد أن يتسم بجانب الرأفة. ولعل من تأثيرات البيئة اتساع أفق الشيخ رحمه الله لأن مكة موئل قلوب المسلمين من كل أنحاء الدنيا فالاحتكاك بهؤلاء يوسع الثقافة والمدارك. كما أن عمل الشيخ رحمه الله في مجالات متعددة أعطاه خبرة واسعة في الحياة وفي الناس جعلته يدرك همومهم وآلامهم وطموحاتهم.
أما مؤلفات الأستاذ أحمد محمد جمال فمتنوعة في مجال العلوم الشرعية وفي الثقافة الإسلامية عموماً وفي مجال التربية وفي مجال المرأة وفيما يأتي بعض كتبه:
1-     مع المفسرين والكتاب ، صدر في مصر عام 1373 وقد ضم دراسات نقدية لآراء عدد من الكتاب والمذاهب ومن الكتاب الباقوري والعقاد وسيد قطب ومحمد أحمد خلف الله وغيرهم
2-     نحو سياسة عربية صريحة ( 1381تقريباً) وفيه قدم المؤلف مطالعات ودراسات حول السياسة العربية المعاصرة وقضايا العرب ومشكلاتهم والجامعة العربية والاشتراكية ومسؤولية الزعماء العرب عن انحراف عبد الناصر والخلاف بين الإسلاميين والقوميين والوحدة.
3-             ماذا في الحجاز
4-             سعد قال لي
5-             من أجل الشباب
6-             نحو تربية إسلامية
7-      الاقتصاد الإسلامي ( كتبه بناء على طلب من الغرفة التجارية الصناعية بمكة المكرمة إجابة عن بعض أسئلة التجار في مكة المكرمة)
8-             المسلمون حديث ذو شجون ، صدر عن رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة عام 1411هـ.
9-     محاضرات في الثقافة الإسلامية صدرت عن درا الفكر ببيروت وهي عبارة عن محاضرات الأستاذ لطلبة الثقافة الإسلامية بالجامعة في جدة وفي مكة المكرمة.
10-        مكانك تحمدي
11-         مفتريات على الإسلام.
12-         الصحافة في نصف عمود.
وكان الشيخ أحمد محمد جمال غزير الإنتاج يكتب في أكثر من صحيفة في وقت واحد فقد كتب في صحيفة ( المدينة المنورة ) حيث كان يحرر صفحة كاملة بعنوان  (من الجمعة للجمعة) كما كتب في جريدة الشرق الأوسط عدة أعوام وكتب في الندوة وفي البلاد وفي غيرها من الصحف والمجلات.
     كما كان للأستاذ أحمد جمال مشاركاته في الإذاعة والتلفزيون
     إذا أردنا أن نتحدث عن أسلوب الشيخ أحمد محمد جمال فإننا لابد أن ندرك المجالات المتعددة التي كتب فيها فهو أساساً أديب وشاعر ولكنه هجر الشعر والأدب للبحث والكتابة الإسلامية الجادة. ولذلك فإن تكوينه الأدبي والشعري كان له انعكاسه على أسلوبه من حيث السلاسة في الألفاظ ورقة العبارات والأسلوب الواضح البعيد عن الغموض.
     ونظراً لأن الأستاذ أحمد محمد جمال نشأ في الوقت الذي انهارت فيه الخلافة الإسلامية في تركيا أو بعد ذلك بقليل ، وظهرت الدعوات القومية والاشتراكية والبعثة والشيوعية فكان لابد أن ينافح عن الإسلام كما أن دخول المدينة الغربية إلى حياة المجتمعات الإسلامية أدت إلى تغيرات في أنماط السلوك والمعيشة أدت إلى أن تثور الغيرة في نفس الأستاذ فيكتب بأسلوب قوي العبارة مشرق الديباجة، صادق العاطفة. ولذلك ابتعدت كتاباته عن الأسلوب الأدبي المشبع بالمحسنات البديعية والجناس والطباق والسجع وغير ذلك والأخيلة الأدبية. وإن كانت لم تخل تماماً من الروح الدينية في اختيار العبارة المعبرة عن الفكرة والدقة في ذلك فإن الكاتب كان واسع المعرفة في اللغة العربية ولذلك فإنه حين كتب للصحافة لم ينزل بمستواه الأدبي إلى العامة بل حاول رفع العامة إلى أسلوبه الأدبي الراقي الجاد والرصين.

        وقد قال عنه اللواء علي زين العابدين " إن الأستاذ أحمد يكتب بأسلوب سهل شيق يستحث على المضي في القراءة دون ملل، يتخذ أسلوبه طريق الإقناع ويسق الأدلة من القرآن الكريم ، ومن الهدي النبوي الشريف ، ومن أقوال الصحابة والتابعين ، ثم يعمد إلى الأحداث المتتابعة في حياة الناس اليومية ويستخلص منها الأدلة الدامغة على صدق ما يقول وما يكتب وما يدعو إليه."

        وفي هذه المقالة الموجزة عن أسلوب الشيخ الأستاذ أحمد محمد جمال أورد بعض الأسطر من آخر كتبه ( الصحافة في نصف عمود) الذي صدر عام 1412هـ. الذي جمع فيه العديد من مقالاته التي نشرت في الصحف . والمقال الذي اخترته تحدث فيه الأستاذ أحمد جمال عن السعودة تحت عنوان ( العامل السعودي أولاًولكن!) جاء فيه:" الأمر الذي صدر مؤخراً بتشغيل السواقين السعوديين العاطلين فيه حكمة ورحمة، لا تقبلان الجدل والنقاش وهو من أجل ذلك مشكور ومأجور. فإنهم أحق بالعمل في بلادهم وأجدر أن يعيشوا قبل غيرهم، أو مع غيرهم على أقل تقدير ، ونحن إذ نطالب بتفضيل السعودي على الأجنبي في كل وظيفة أو عمل أو صناعة شأن كل دولة في بلادها- لا نريد ظلماً ولا نرتكب جرماً ، ولا نكون  بدعاً بين الشعوب والحكومات."
        في هذه الأسطر نلاحظ الجمل القصيرة والكلمات السهلة البعيدة عن العبارات أو الكلمات القاموسية ومع ذلك فهناك بعض الملامح الأدبية مثل قوله " وهو ( القرار) من أجل ذلك مشكور ومأجور"، وكذلك عبارته " لا نريد ظلماً ولا نرتكب جرماً" كما يتضح تأثير القرآن الكريم في أسلوبه في التكرار والعطف؟
        وللأستاذ جمال مواقف قوية وشجاعة في مواجهة ما تعرض له المسلمون في البوسنة والهرسك حيث نادى بقوة أن يقاطع المسلمون الصرب ونادي أن تسعى منظمة المؤتمر الإسلامي أن تكون لها قوات قادرة على ردع العدوان عن أي شعب مسلم . إن الألبان يلوحون بحب وعاطفة لجنود حلف الأطلسي فماذا كان لو أن المسلمين هم الذين حرروا كوسوفا؟
رحم الله الأستاذ أحمد محمد جمال وحبذا لو التفتت أقسام الدراسات العليا في بلادنا لإعداد دراسات عليا حول كتاباته كالماجستير والدكتوراه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق