الأحد، 1 يوليو، 2012

ملخص رسالة ماجستير من مصر العظيمة


كلية الآداب

قسم الفلسفة



الدراسات العليا

الفلسفة الإسلامية واليونانية



ملخص رســــــالة ماجســــــتير





الاسْتِشْرَاقُ الأَمْرِيْكيُّ

وَمَوْقِفُهُ مِنَ قَضَايَا الفِكْرِ السِّياسِيِّ الإِسْلامِيِّ المُعَاصِر



بِرْنَارْدُ لِوِيْسُ، وَجُوْنُ ل. إسْبُوزِيْتُو

" نَمُوْذَجًا "



دِرَاسَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ نـَقـْدِيَّةٌ مُقَارِنَةٌ



إعداد

الباحث

سامي صلاح الدين زكي نـجم





تحت إشراف

الأستاذ الدكتور

زينب عفيفي شاكر

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية







1433هـ ـ 2012م



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العــلمين، الرحمــن الرحيم، مــلك يوم الدين

إياك نعبد وإياك نستعين

اهدنا الصراط المستقيم: صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين

اللهم صل وسلم وبارك على خاتم المرسلين وآله وصحبه والتابعين

وبعد..

فإن الاستشراق من جملة المعارف التي يكثر الجدل حولها في أوساط الفلاسفة والمفكرين والساسة على حد سواء ما بين مؤيد ومعارض، سواء انضوت مباحثه تحت اسم (الاستشراق) أو تحت أسماء أخرى كاسم (دراسة المناطق) وغير ذلك، لذا كان من المفترض على الباحثين في الفلسفة بشكل عام، والفلسفة الإسلامية بالأخص، أن يولوا هذا العلم نصيبا أكبر من أبحاثهم، خاصة وأن هناك دعواتٍ تتزايد كل يوم لتأسيس ـ ما يطلِق عليه أصحاب هذه الدعوات ـ  اسم: (علم الاستغراب) كحركة مضادة ومستقلة لدراسة الغرب، فلابد من رسم صورة واضحة عن حقيقة موقف ما يقال له (غرب) تجاه الشرق والشرق الأوسط على وجه الخصوص.

والاستشراق الأمريكي تحديدا يعد أخطر ما يجب على الباحثين تناوله في وقتنا الراهن، لاسيما بعد تلك الهيمنة الأمريكية، وحديث الكثيرين عن نهاية التاريخ، وحتمية سيطرة الفكر الليبرالي الرأسمالي على مقاليد الأنظمة العالمية ـ على الرغم من الرفض الليبرالي للحتميات ـ وتزداد أهمية دراسة هذا الجانب بعد التغير الكبير في السياسة الأمريكية، والمتعلقة ـ خاصة ـ بشئون المنطقة العربية الإسلامية على إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م.

تعد العلاقات السياسية بين الولايات المتحدة ومنطقةِ الشرق الأوسط  من أكثر الإشكاليات التي تواجه المفكرين من الجانبين؛ حيث إن العلوم السياسيةَ في زماننا هذا أصبحت تعتمد ـ بالإضافة إلى الأغراض النفعية وحسابات الاقتصاد وبسط النفوذ ـ على مدى وعي كل فريق بالمكونات الفكرية والثقافية والأيديولوجية للآخر ومدى بعد هذا الوعي أو قربه من الحقيقة.

ولقد اعتمدت السياسة الأمريكية ـ ليس مؤخرا فقط، وإنما كانت كذلك دائما ـ على الاستشراق والمستشرقين ومراكز البحوث والدراسات الشرق أوسطية في تحديد توجهاتهم وبناء أحكامهم وتوجيه قراراتهم المتخذةِ فيما يتعلق بالشرق الأوسط، ولقد ازداد ذلك الاعتماد الآن بسبب تلك المكانة التي أصبح المستشرقون يحتلونها في المطبخ السياسي، مما أثر كثيرا على الاتجاهات الأخيرة في القرار الأمريكي، وقد بدا ذلك واضحا في أحداث العراق مطلع القرن الحادي والعشرين كما ظهر في موقف الولايات المتحدة السياسي المتلون بالمصالح النفعية البرجماتية من ثورات الربيع العربي وموقفهم سواء من التيارات السياسية أو الجماعات ذات الصبغة والمتباينة.

برنارد لويس ـ على وجه التحديد ـ يعتبر شخصا معبرا بشدة عن شخصية المستشرق الأمريكي منذ بدايته؛ نظرا لأن قصة حياته ومراحلها تجسد بشكل كبير الشخصية الأمريكية: في انتقالها من أرض إلى أرض بكل ما تحمله من تراث وثقافة إلى بيئة جديدة، وحلم كبير، لإنشاء حياة أخرى: فبرنارد لويس بدأ حياته بريطانيا حاملا عقيدة يهودية ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليتجنس بعد ذلك بجنسيتها، كما أن عقيدته اليهوديةَ تبلورت بعد ذلك في شكل أيديولوجية صهيونية، وهو ما يشبه إلى حد كبير ما حدث للمجتمع الأمريكي الذي بدأ أكثره أوروبيا معتقدا بالمسيحية المشوبة بالكثير من الحضارة الرومانية في إمبرياليتها والتي تبلورت بعد ذلك لتظهر في شكل عقيدة مسيحية صهيونية بما لها من أطماع معروفة وغايات محددة.

إذا كان برنارد لويس Bernard Lewis يمثل ذلك الرعيلَ الأول لعلم الاستشراق المستجلب من أوروبا لإقامة مدرسة أمريكية استشراقية فإن جون ل. إسبوزيتو يمثل تلك الشخصية التي نشأت وترعرعت في أجواء أمريكية خالصة بما تحمله هذه الكلمة من شعور بالزهو والخيلاء بسبب عظم الدولة التي ينتمي إليها والتي تشكل العنصر الأخطر في المنظومة الدولية، فإذا كان القادمون من أوروبا قد أتوا بتراث صليبي واستعمار أوروبي (يهومسيحي) للأمة الإسلامية فإن إسبوزيتو ينطلق من شعور بالسيطرة ورباطة الجأش التي تمكنه من دراسة الأمم الأخرى بشيء من الثقة والثبات إلى حد كبير.

يعد كل من برنارد لويس وجون لويِس إسبوزيتو  John Louis Esposito من أخطر هؤلاء المستشرقين الذين اقتربوا كثيرا من الساسة والحكام في الولايات المتحدة وأثروا بشكل ملحوظ سواء بأفكارهم الكلية: كرؤية الأول لنظرية صراع الحضارات والصدام الحتمي بين الإسلام والغرب، أو بأفكارهم الجزئية كنظريته أيضا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م في ضرورة ضرب بغداد لكسر الكبرياء العربي الإسلامي باعتبار بغداد العاصمة التاريخية للحضارة الإسلامية العربية، بخلاف إسبوزيتو الذي يدعو إلى التفاهم بين الحضارات وأهمية التحاور وينادي في الأوساط الثقافية الأمريكية بمراعاة التوازنات والمصالح الأمريكية سواء بالمهادنة وحسابات المصلحة أو التحالفات الاقتصادية والعسكرية.

وقد استخدمت خلال هذا البحث منهجا تحليليا لعرض وتحليل مواقف الاستشراق الأمريكي من القضايا السياسية المعاصرة في الشرق الأوسط من خلال أهم نظريات الاستشراق الأمريكي تجاه المنطقة وتوضيحها، وعرض رؤية كل من لويس وإسبوزيتو تجاه هذه المواقف والنظريات. وقد استلزم هذا المنهج عقد المقارنات سواء بين المذاهب أو الأفكار المختلفة داخل المدرسة الاستشراقية الأمريكية، أو بين الشخصيتين نموذج البحث، وتحديد نقاط الافتراق والتلاقي بين مختلف التوجهات. كما اعتمدت على المنهج النقدي لمناقشة خطاب مدرسة الاستشراق الأمريكي المتعلق بالفكر السياسي الإسلامي بعد تفكيكه للخلوص إلى أحكام عامة لسمات فكرها وعرضه على المواقف العربية والإسلامية.

تمثل ذلك في أبواب الرسالة الستة، حيث تناول الأول منها البحث الاستشراقي ـ بصفة عامة ـ نشأته وتطوره عن جذوره التاريخية، بالإضافة إلى دوافعه وموقف علماء ومفكري الإسلام من التعامل معه، بينما جاء الباب الثاني ليتناول بنفس الآلية مدرسة الاستشراق الأمريكي ـ بصفة خاصة ـ والشخصيات موضوع الدراسة على وجه التحديد، ليخلص الباب الثالث إلى الحديث عن دعائم وآليات هذه المدرسة الأمريكية: ممثلة في دعامتين أساسيتين هما: البرجماتية، والفكر الصهيوني، وكذلك في آليتين رئيستين ـ أيضا ـ هما: جناح اليمين المسيحي الأصولي، وجناح المحافظين الجدد، ليبدأ الفصل الرابع في تناول أهم سمات وملامح الفكر السياسي الإسلامي وموقف الاستشراق الأمريكي منه، وقد خصصت الباب الخامس لبحث أهم الإشكالات الفلسفية المتعلقة بالرؤى السياسية للأصولية الإسلامية والتي تجسدت فيما عرف بتيارات الإسلام السياسي، وقد جاء الباب السادس كمحاولة لتحليل نظرية صدام الحضارات والوقوف على الاستجابات الشرقية والغربية المتبادلة بين الجانبين، مؤصلا لأربع استجابات رئيسة بُنِيَتْ عليها فكرة الصراع الحضاري: اثنتين إسلاميتين هما: معاداة السامية، ومعاداة الأمركة، واثنتين غربيتين هما: مشروع الشرق الأوسط الجديد، والإسلاموفوبيا.

استخلصت من خلال هذه الدراسة جملة نتائج، كان منها: أنه إذا كانت النفسية التي تعامل بها الغرب مع الشرق منذ بداية الحضارة في أوروبا محملة بهذا التوجه الحاد نحو الشرق باعتباره آخر/دوني فلا شك أن الإسلام عندما يبدأ في تهديد هذه الحضارة ستكون مواجهة قاسية بين الجانبين، وأنه إذا ما انتصر الإسلام في وقت من الأوقات أو حتى احتمل في داخله بعض ما يؤهله للبقاء والمقاومة كان ذلك داعيا الغرب إلى تجييش العقول بجانب الأجساد مع العتاد للتصدي لهذا العدوان القادم من جهة الشرق ذات الصبغة الشريرة/الدونية في نظر الحضارة اللاتينية/المسيحية فكان ذلك مؤديا إلى ظهور علم الاستشراق، وهو ما يعني أن الاستشراق يمثل في مجمله رد فعل غربي عنيف تجاه حراك شرقي طالما اعتبرته الرؤى الغربية عدوا، وطالما سعت بكل قوتها إلى تقويض بنيانه أو على الأقل تحجيم فاعليته وأثره.

ولذلك كانت الخطة الغربية لمواجهة الإسلام روحيا وماديا، عقديا وثقافيا، إنما هي خطة لمواجهة الشرق بما يحمله ذلك الحد من دلالة لغوية، وبما يأتي به الشرق عبر الزمن من ثقافات وحضارات، وإذا كانت الحرب الغربية ضد الشرق على مدار ألف عام أو يزيد قد تمثلت في حرب غربية على الإسلام، فإن ذلك لكونه قد مثل التوجه الحركي الفعال في الشرق، ولا يأتي سبب كونه دين الإسلام إلا في المقام الثاني.

لا يمكن ـ أيضا ـ أن يعد الاستشراق الأمريكي بحثا منفصلا عن السياسة، وقد تميز بذلك عن نظيره الأوروبي المؤسس ابتداء لخدمة أهداف دينية ومعرفية، وإن بقيت الهيمنة والقوة غرضا مشتركا بين مدارس الاستشراق الغربية. لا تكترث مدرسة الاستشراق الأمريكي كثيرا إلى المعاني الفلسفية والقيم المثالية التي قد يحققها البحث الاستشراقي لها، كما أنها، وعلى الرغم من إيمانها بعقيدة صهيونية، إلا أنها لا تهدف إلى البحث الاستشراقي لترسيخ هذه العقيدة إلا بالقدر الذي تتوافق فيه هذه العقيدة مع المصالح الأمريكية وحسابات المكاسب السياسية والاقتصادية.

تأسست مدرسة الاستشراق الأمريكي على خلفية أمريكية خالصة، بعد تخلصها من نمطية الرؤى الاستشراقية الأوروبية، وقد تمثل ذلك في دعامتين: البرجماتية والصهيونية، ولذلك فهي مدرسة تسعى أولا إلى تحقيق الهيمنة الأمريكية من خلال ضمان السيطرة على ثروات الشعوب والتحكم في مواردها وتسهيل ضخ العائدات الأكبر منها إلى الخزائن الأمريكية، وثانيا تسعى إلى إعداد الشرق الأوسط لتنفيذ وتقبل رؤى الصهيونية المتعلقة بالضرورة بتلك المنطقة، ولذلك فعلى العالم الإسلامي أن يعمل على استغلال الدعامة الأولى في الأيديولوجية الأمريكية والتي من شأنها أن تخفف من وطأة الفكر الصهيوني الذي لا يمكن للعالم الإسلامي أن يقبل مخططاته في الشرق الأوسط، وعليه أيضا أن يدرك أن التحالف البرجماتي الصهيوني تحالف غير دائم بالضرورة، فلو اجتمع للعالم الإسلامي بعض أوراق الضغط على المصالح الأمريكية مع غيرها من المنافع المشتركة التي قد تعود على الجانبين فلعل ذلك يشجع الولايات المتحدة على إعادة التفكير في ذلك التحالف الأيديولوجي.

تعمل هذه المدرسة من خلال آليتين: اليمين المسيحي والمحافظة الجديدة، وعن طريق سيطرتهما على المؤسسات الأمريكية المتعددة؛ لضمان تحرك أمريكي جماعي نحو أهدافها الأيديولوجية، وما من حيلة تجاه ذلك حيث ينطلق الفريق الأول من عقيدة دينية، بينما يستهدف الفريق الأخير تحقيق سيطرة مطلقة على العالم لا تسمح لفكر أو توجه آخر أن يشتمل على بذور كيان قد ينازع الولايات المتحدة يوما ما، وعليه: فما من سبيل غير العمل على القاعدة الشعبية عن طريق الإعلام ومحاولة توصيل رؤى أخرى غير تلك التي يحرص على عرضها اليمين المسيحي والمحافظون الجدد.

تنطلق مدرسة الاستشراق الأمريكي من وجهة نظر أحادية ترى أن الولايات المتحدة ينبغي أن تفعل وأن على الآخرين أن يستجيبوا لذلك الفعل، وأن المصالح الأمريكية لابد أن تكون أهدافا تسعى لتحقيقها كل شعوب العالم، وأن المُعارض لما تصدره أمريكا من قرارات أو ترمي إليه من مخططات لابد أنه إنما يفعل ذلك بناء على خلفية أيديولوجية رافضة لقيم الحضارة الأمريكية التي لم تنجب البشرية خيرا منها.

وينطلق لويس في دراسته للإسلام من خلفيات أيديولوجية تعالجها طبيعة (الرجل السياسي) الذي يبدو أن صفته الأكاديمية لم تستطع التغلب عليها، أو لعله لم يرد لمثل هذه الصفة أن تتغلب، وإذ يعد لويس كذلك، فإن إسبوزيتو يمثل بمنهجيته الاستشراقية الشخصية الأكاديمية الهادئة التي تناقش بموضوعية حقيقة الشرق الأوسط، منطلقا من برجماتية أمريكية واضحة تنظر إلى الحقيقة باعتبارها عين ما هو واقع في الخارج دون تصورات مسبقة، وهو يختلف تماما في منطلقاته وأهدافه مع لويس تماما، وبنفس القدر التي تختلف به نتائج كليهما؛ فبينما ينطلق لويس من أيديولوجية مسبقة وأحكام فلسفية ملقيا بظلالها ـ وبتعميمات في الحكم ـ على واقع العرب والمسلمين، ومقنعا الغرب بتمام مطابقة الفكرة الفلسفية المسبقة للواقع محل الدراسة، يتضح أن إسبوزيتو ينطلق من الواقع ليستخلص أحكاما فلسفية مع ابتعاد ـ قدر الإمكان ـ عن التعميمات التي تضفي على المشهد العربي/الإسلامي المتغير ثباتا وجمودا لا حقيقة لهما، ولذلك يلاحظ أن كثيرا من أحكام إسبوزيتو ـ في الأغلب الأعم ـ نتيجة استبيانات ميدانية واستفتاءات تطبيقية أجريت على شرائح كبيرة كما وكيفا مثلت كثيرا من أفراد وبيئات المجتمعات محل الدراسة، بالإضافة إلى اعتماده على كثير من الأبحاث التي قام بها مسلمون وأشرف هو على إخراجها كمحرر مثلما فعل مع الدكتورة داليا مجاهد في كتابه: من يتحدث باسم الإسلام؟

ثمة إشكالات تنشأ نتيجة اختلاف دلالات الألفاظ على المفاهيم بين اللغات المختلفة، ومن هذا اختلاف مفهوم الدين بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، ولكن كل من لويس وإسبوزيتو كنموذجين لمدرسة الاستشراق الأمريكي يدركان ذلك جيدا، وقد وقفا على حقيقة ذلك الاختلاف.

يحاول لويس أن يرسم الموضوعية في تحليله للإسلام، فيصفه في إطاره العام بشكل جيد، ولكنه يعتمد عند اتهامه بتناقضه مع الديمقراطية والحريات على عدم وجود الدلالة السياسية للفظة (الحرية) في لغة الإسلام السياسية، ويستشهد بوقائع تاريخية جزئية للتدليل على ما ذهب إليه، مؤكدا على أن المسلمين ليس أمامهم إلا خيار واحد من اثنين: إما الديمقراطية وإما الإسلام، بينما يتعامل إسبوزيتو مع هذا الأمر من نفس المنطلق في الإطار العام للإسلام شارحا شموليته، ولكنه يعتمد على استقراء لواقع المسلمين عند التفصيل، ويذهب إلى أن الواقع السياسي المتردي للعالم الإسلامي اليوم ما هو إلا صورة مشابهة للواقع السياسي الغربي المتردي في فترة النهضة، ولا ينفي أن يحافظ المسلمون على الإسلام متزامنا مع تطبيقهم شكلا من أشكال الديمقراطية المتعددة وبما يناسب شمولية دينهم.

يعتقد إسبوزيتو أن التيارات الإسلامية كظاهرة معاصرة متنامية تستطيع أن تعدل مسارها وتتجه صوب نظم سياسية أفضل، وقبول أكثر للتعددية، بينما يذهب لويس ـ مشتركا مع إسبوزيتو في اعتقاده  بتنامي التيار الإسلامي المعاصر ـ إلى أن العالم الإسلامي يتجه إلى أحادية الرؤية، ومندفعا نحو انتهاج نظام (الحرب المقدسة) في التعامل مع الآخر والغرب على وجه الخصوص.

أدرك إسبوزيتو جيدا طبيعة الفروق بين الشريعة والفقه، بما يفسر حقيقة مطالبة المسلمين بتطبيق الشريعة وفي نفس الوقت إقامة دولة دستور وقانون، بينما يؤصل لويس لفكرة عدم صلاحية الشريعة/القانون بنظامها (البدائي) ـ غير المنضبط بآليات تنفيذية، على حد وصفه ـ لمواكبة التغير وروح العصر.

رغم أن لويس يدرك بشدة حقيقة قضاء الإسلام على السلطة الدينية وتقييده للسلطة السياسية، إلا أنه يستشهد بأحداث من التاريخ الإسلامي ليسقط أحكامه على الإسلام شارحا أن تطبيق الإسلام يعني تطبيقا للعصبية والتمييز والاستبداد، وعلى العكس تماما يستشهد إسبوزيتو بأحداث من التاريخ الغربي ليثبت أن المسلمين في تطورهم يتشابهون مع الغرب، وأن الفقه الإسلامي قد يصل ـ متوافقا مع الشريعة ـ إلى ما وصل إليه الفكر السياسي الغربي ـ متوافقا مع عقائدهم الدينية ـ وأن المسألة كلها مجرد وقت يضن الغرب على المسلمين به.

يعترف الاستشراق الأمريكي بتنامي التيارات الإسلامية في أوساط المسلمين، وبينما يرى لويس أن في هذا تهديد صريح للديمقراطية وردة إلى العصور الإمبراطورية، يرى إسبوزيتو أنه نوع من التواصل بين الآباء والأجداد في فهم الإسلام ولا يتنافى مع حقيقتها، ويشترك الاثنان في إنكارهما أن تكون العلمانية صورة من صور الفهم الصحيح للإسلام.

يفرق إسبوزيتو بين صور الفهم المتوارثة عن الإسلام بمفهومه الشامل وبين صور الإسلام الراديكالي المتطرف، ويرى أن السواد الأعظم من جماهير العالم الإسلامي ينتمون إلى النوع الأول، وأنه حتى النوع الآخر لا يمثل ـ على قلته العددية ـ في حقيقته كيفا واحدا، في حين يرى لويس أن التطرف المنسوب إلى الراديكالية الإسلامية له جذوره الضارب في تاريخ المسلمين، وهو يحذر الغرب من مغبة تجاهل ذلك النمو المتزايد للتيارات الإسلامية التي هي في جملتها تمثل أصولية متطرفة لمجرد أنها تدعو إلى العودة إلى الإسلام.

يعد جون إسبوزيتو ـ وهو كالسابح ضد التيار ـ نموذجا فريدا في أوساط مدرسة الاستشراق الأمريكي، وهو متهم من تلك الأوساط بأنه داعية إلى الإسلام، في حين يسود الاتجاه المعادي لتزايد الحس الإسلامي، ورغم وجود تحذيرات من اتخاذ الإسلام عدو أمريكا الأول فإن ذلك مرده إلى اعتقاد البعض أن التحولات داخل المجتمعات الإسلامية ليست تحولات حقيقية إلى الإسلام، أو أنها لا تمثل العدد الذي من شانه أن يثير مخاوف الغرب، وليس هناك من يظن أن الإسلام لا يحمل روح العداء الموجه للغرب.

لا يعد التيار السلفي اتجاها واحدا رغم اتفاقه في مجمله على شمولية الإسلام وصلاحيته للتطبيق ووجوب إعادة الدولة والفعل السياسي إلى حوزة الفقه والاجتهاد المبنيين على ثوابت الشريعة، وهي الأمور التي تكفي لكي يعتبرهم لويس جنودا في حرب مقدسة يقودها الله عز وجل، غير أن إسبوزيتو يعول كثيرا على أهداف وأمال  جماهير المسلمين الذين يرون في الإسلام داعيا إلى الديمقراطية، كما يثق كثيرا في إمكانية قيادة الأصولية المعتدلة للمشهد السياسي والتعبوي، ويبشر بتقلص دور الأصولية المتطرفة سواء العنيفة أو اللاعنفية أمام إصرار ومحاولات جماهير المسلمين.

لا يبدو أن مدرسة الاستشراق في الولايات المتحدة الأمريكية تعول كثيرا على ما يذهب إليه إسبوزيتو من أحكام وإن كانوا ينظرون بعين الاعتبار إلى استبياناته واستطلاعاته للرأي باعتبارها دراسات ميدانية يمكن الاستفادة منها فيما يرسمه اتجاه لويس الاستشراقي من مخططات.

وبينما ينتقد المسلمون ما يرونه مخالفا أو معارضا لهم على أساس من قاعدة المصالح والمضار المتبادلة في التفاعل الإنساني، فإن الراصدين الأمريكيين لمثل ذلك النقد يؤولونه على أنه معاداة غير طبيعية مردها إلى أسباب تتعارض مع ما استقر عليه العالم من حقوق للإنسان.

من الواضح أن الاستجابات الغربية تجاه المسلمين إنما هي استجابات احترازية عملية مبررة، ترسم تغييرا في أرض الواقع سواء استجابة المشروع الأمريكي للشرق الأوسط الذي يحاول تحديث الشرق الأوسط وتطويره، أو حتى الإسلاموفوبيا والتي يتضح من تسميتها  ـ التي أطلقها الغرب بالطبع ـ أنها تعني وجوب اتخاذ التدابير الممكنة للاحتراز من الإسلام ومراقبة المسلمين باعتبارهم مصدر الخوف الذي يعاني منه الغرب.

ومن الواضح أيضا أن الاستجابات المشرقية ـ بحسب ما يراها الغرب حقيقة واقعية ـ إنما هي استجابات هجومية غير مبررة؛ لأنها ـ بحسب رؤية الغرب ـ لا تستند على حجج واقعية غير تمسكهم بأمجاد تاريخية ومعتقدات عنصرية تجاوزها الفكر الإنساني وحضارته، بالإضافة إلى أنها ـ إن صحت ـ ليس لها آلية عملية إيجابية، من جهة أن العالم الإسلامي غير قادر على الفعل، إلا أن تكون أفعال جبن ممثلة في الإرهاب الذي يثير مخاوف العالم الغربي أجمع.

لا يعتمد الحكم  باحتمالية الصدام أو حتميته على التحقق من صحة هذه الاستجابات ومدى واقعيتها، وإنما يعتمد في المقام الأول على مدى إيمان الطرف الفاعل بواقعية هذه الاستجابات وتحققها، ومدى مقاومة الطرف المتفاعل لما يتخذه الطرف الأول من تدابير واحترازات.

وأخيرا، أذكر أنه قد صادفني الكثير من الصعوبات في هذا البحث؛ نظرا لتشعب الآراء والأفكار حول هذا الموضوع، بل تغير الرؤى والاستنتاجات ـ أيضا ـ نظرا لتداعي الأحداث السياسية المعاصرة وتلاحقها بسرعة كبيرة وحدوث تغيرات سياسية هامة سواء على المستوى العالمي والمستوى العربي الإسلامي، وإنني لأرجو أن أكون قد وفقت إلى حد ما في تحليلي واستخلاص نتائج هذا البحث مع أملي أن يستكمل الباحثون ما قصرت عن إدراكه في هذه الرسالة.

ومع نهاية عرضي لهذه الرسالة أقرر إجلالي وإعظامي لأعضاء لجنة المناقشة الموقرة:

الأستاذ الدكتور: زينب عفيفي شاكر، أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب ـ جامعة المنوفية.

الأستاذ الدكتور: جمال رجب سيدبي، أستاذ الفلسفة الإسلامية ووكيل كلية التربية بجامعة قناة السويس.

الدكتور: أمين حافظ السعدني، أستاذ فلسفة السياسة بكلية الآداب ـ جامعة المنوفية.

كما لا أملك إلا أن أتقدم بخالص شكري، وعميق امتناني، وإعزازي وتقديري، لكل هؤلاء الذين عضدوني وأرشدوني، وأولئك الذين أحاطوني بكمال العناية والرعاية لإتمام هذه الدراسة، معترفا بأنها ما كانت لتوجد لولا ما قدموه لي من دعاء وحض ونصح، وتوجيه كريم سمح، وما أبدوه من كرم ونبل، وبديع خير وإحسان وفضل.

وأخص بالشكر أستاذتي والمشرفةَ على هذه الرسالة الأستاذ الدكتور/ زينب عفيفي شاكر؛ لما أرشدت ووجهت وأعانت، ولسعة صدرها وجميل صبرها على أسئلتي، ومثابرتها في سبيل إعدادي وتهيئتي، كما أشكر أساتذتي وزملائي بقسم الفلسفة، الذين شعرت بينهم ليس فقط برعاية الأستاذ لتلميذه وحرص الزميل على زميله، ولكن لما أحاطوني به من دفء الأسرة وشفقة الأبوة ومودة الأخوة.

ولا يفوتني أن أتقدم بخالص شكري وامتناني لصديقي المهندس محمد صلاح الدين عوض، لما قدمه لي من ترجمات وبحث في شبكة المعلومات العنكبوتية، لم تكن معالم طريقي لتتضح لولا أن يسره الله لي صديقا ووزيرا.

وأتوجه بالشكر لصديقي المحامي فارس عبد الله غنيم، وزميلي العزيز الباحث محمد شحاتة سويدان؛ بما بذلاه لي من حث واستنفار، وبما شدا به من أزري في مواقف ولحظات كانت لتودي بهذا المشروع إلى حيث لم أكن لأمثل به بين أياديكم اليوم.

ربما لا يمكنني أن أذكر تفصيلا كل هؤلاء الذين شجعوني واهتموا لأمري ولأمر هذه الدراسة، وكانوا معي خطوة بخطوة؛ لئلا تطرأ على الشكر آفة النسيان البشرية، ولكني أقر أن كثيرين  وقفوا مع هذه الدراسة لتظهر إلى الوجود، فشكرا لهم.

وفي النهاية أذكر أن من وراء إتمام هذه الدراسة زوجةً رائعةً، لا أمَلَّ من ذكر أنها قدمت لبحثي هذا أكثرَ مما قدمتُ، فكانت رسالتي بها، لتكون في النهاية لي، فشكرا لها.

والله أسأل لي ولكل هؤلاء وللأمة تمام العفو وأحسن العافية، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصل اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق