الأربعاء، 20 يونيو، 2012

الكتابة مهنة عظيمة


                                                           

          لحافظ إبراهيم رحمه الله قصيدة جميلة تناول فيها أهمية العلم ومكانته وتحدث عن عدد من المهن ومنها مهنة الأدب وأنها مهنة سامية شريفة لمن أراد الله له خير الدنيا والآخرة. وهي وزر ثقيل في الدنيا والآخرة لمن جانبه التوفيق. وفيما يأتي هذه الأبيات الجميلة:

والمال إن لم تدخره محصنا                      بالعلم كان  مطيــة الإمــلاق

والعلم إن لم تكتنفه شمائل                     تعليه كان مطيـــة  الإخفـاق.

وتناول حافظ رحمه الله في قصيدته بعض السلبيات التي يقع فيها بعض أصحاب المهن ومنهم الكتّاب مثلاً حيث ذكر أن بعضهم يستخدمون سحر الأدب لينفثوا السموم ويلعبوا بالعقول ويصف الصورة الصحيحة للكاتب بقوله :

لو كان ذا خُلُقٍ لأسعد قومه                   ببيانه ويراعه السبّـاق .

والكتابة مهنة كما ذكر عبد الحميد الهاشمي في كتابه (جواهر الأدب) تحت عنوان "إليكم معشر الكتّاب" ، قال فيها :" فجعلكم معشر الكتّاب في أشرف الجهات أهل الأدب والمروءة والعلم والرواية بكم تنتظم للخلافة محاسنها وتستقيم أمورها وبنصائحكم يصلح الله للخلق سلطانهم ويعمر بلدانهم لا يستغني الملك عنكم ولا يوجد كاف إلاّ منكم ." ويقول الدكتور مصطفى الشكعة في كتابه (معالم الحضارة الإسلامية) :" لقد أصبحت الكتابة تلك الظاهرة الحضارية الثقافية الإسلامية- أسمى المهن مكاناً وأرفع الصنائع رتبة ، وأصبحت وظيفة الكاتب هي نفسها وظيفة الوزير عقل الدولة المفكر ، وعينها المبصرة وآذانها السامعة وقلبها النابض، وأصبح قلمه ينتصف للمظلومين، يبني ويهدم ويحي ويقتل ويرفع من شأن ذاك ويخفض من شأن آخر"

إذا كان هذا حال الكتابة قديماً فإنها لم تقل عن ذلك حديثاً فكم من كاتب انطلق من مهنة الكتابة إلى أرفع المناصب في العصور الحديثة بسبب ما قدّمه قلمه من آراء سليمة وتحليلات دقيقة وإخلاص لأمته في النقد البناء مبتعداً عن المنافع الشخصية بعيداً عن تزييف الحقائق وغير ذلك مما يمكن أن يؤخذ على المثقف عموماً وعلى الكتّاب بصفة خاصة.

ولما كان الكاتب بهذه المنـزلة قديماً وحديثاً فإنه بحاجة إلى أن يكون في وضع مالي واجتماعي مناسب ألا ترى أن الدول تجزل رواتب القضاة ومن في حكمهم ليعيشوا حياة كريمة. وما زلت أذكر من تدريس مادة النظم الإسلامية أن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما ولى عتاب ابن أسيد رضي الله عنه مكة المكرمة فرض له درهماً كل يوم فقال عتاب عن ذلك :" لقد أغناني رسول الله صلى الله عليه وسلم."

والكاتب ليس الذي يكتب المقالة والمقالتين بين الحين والآخر  أو الأستاذ الجامعي الذي يعد من البحوث ما يكفي لترقيته ولكن الكاتب الذي يحترف الكتابة فيكتب المقالة والدراسة والبحث وقد لاحظت أن بعض الكتاب الملتزمين بالكتابة قد يخدموا أمتهم وبلادهم من خلال احتراف الكتابة أفضل بكثير من أن يكون موظفاً يطلب منه الحضور السابعة والنصف صباحاً والانصراف بعض الظهر وقد يطلب منه أكثر من ذلك.

إن الكتابة تحتاج إلى تفرغ حقيقي وإلى عيشة كريمة حتى لا يخضع الكاتب إلى أي مغريات يعرفها الذين عملوا في الصحافة وفي وسائل الإعلام عموماً. ولذلك فإنني أخالف الدكتورة عزيزة المانع الرأي( عكاظ 6شعبان 149)التي تقول " إن التفرغ للكتابة يعني التكسب بها، والتكسب بالقلم هو آفة من أخطر الآفات التي يبتلى بها إنتاج أصحاب الأقلام " وتبرر ذلك بوصف الكتابة بأنها إشعاع روحي وأنها قد تتحول إلى عمل روتيني ..

إن الكاتب صاحب الرسالة لا يمكن أن تصبح الكتابة له كذلك وإن الكتّاب في بلاد الغرب يتقاضون أجوراً محترمة جداً وبخاصة الذين تنشر مقالاتهم في أكثر من صحيفة ونحن تحرص كل صحيفة على أن تحتكر من يكتب فيها إلى حد كبير. إن الأفكار بحر لا ساحل له وكم استفاد الكاتب من الإعداد لمقالاته بالقراءة والاتصال بالجهات التي يكتب عنها وغير ذلك من وسائل تحصيل المعرفة . إن الكتاب عمل شاق ورسالة عظيمة وينبغي أن يعيش الكاتب بلا قلق على الأمور الحياتية الصغيرة ليتفرغ لهذا العمل الكبير.والله الموفق.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق