السبت، 23 يونيو، 2012

إذا كنّا نريد أن ننهض...؟


                                     

                 

لله در الشابي رحمه الله حين قال : ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر.... وكم تساءلت هل نحن نريد أن ننهض حقيقة؟ ولا يتبادر إلى الذهن أنني أقصد أن نشيد البنايات الضخمة والمصانع العملاقة والطرقات الفسيحة والقصور المشيدة. فما هذه إلاّ بعض مظاهر للعمران والبناء وليست النهضة الحقيقية.

نريد نفوساً كبيرة تحب صعود الجبال ولا ترضى من الحياة أن تعيش وتشترك في الخصائص المعروفة مع الكائنات الحية حتى زعم زعيم عربي ذات يوم بقوله" إن العرب يعيشون حياة بيولوجية." وكأن سيادة الزعيم يعيش حياة مختلفة أو إنه ليس أحد أسباب هذه الحياة البيولوجية.

نريد نفوساً لا يحدها فضاء الأكل والشرب وبقية الخصائص التي تميز الكائن الحي سواء ً كان من ذوي الخلية الواحدة أو كائنات ملايين الخلايا. وما أعظم الآيات القرآنية التي نعت على الذين يعيشون حياة هامشية ( نحيا ونموت وما يهلكنا إلاّ الدهر) بل يهلكهم خمولهم ونومهم ودعتهم وتخلفهم. يهلكهم أنهم لا يعرفون الحياة الحقيقية.

فما النهضة الحقيقية إذن؟ لقد كتبت الدكتورة عزيزة المانع في أحد مقالاتها عن بعض شروط النهوض فبدأت بشرط لا يراه الكثيرون مهماً أو خطيراً ألا وهو المحافظة على الكرامة البشرية. فهذا عنصر أساسي في نهوض الأمم. إن الذي يفتقد كرامته لا يمكن أن يبدع إنه يعمل كالعبد أو كالآلة. فالعبد يحسن بعض الأعمال مثل الحلب والصر (حبس اللبن في ضرع الشاه أو الناقة) حتى قال عنترة حينما طلب منه أن يكر فقال:" العبد لا يحسن الكر ولكن يحسن الحلب والصر"

وقد ذكروا أن اليونانيين أبدعوا النظام الديموقراطي ولكن أية ديموقراطية تلك التي كانت محرومة من قدرات وعقول أكثر من ثلثي الشعب حيث كان العبيد مستبعدين من الدخول إلى مجال السياسة بل هم للخدمة والتسلية.

ما الكرامة البشرية؟ هل هي شيء محسوس ملموس؟ أم هي أفكار مجردة تعيش في مخيلة فئة من الناس تحب الكلام والفلسفة؟ الكرامة البشرية شيء كبير وخطير إنه أهم من الأكسجين الذي يتنفسه الإنسان لقد بلغت المبالغة بالشاعر أن قال

لا تسقني كأس الحياة بذلة بل                 فاسقني بالعز كأس الحنظل

الكرامة أن يحس الإنسان أن حياته لها قيمة ومعنى. نعم هي أمر ينبع أساساً من نفس الإنسان فالذي لا يستشعر كرامته عليه أن لا ينتظر الآخرين أن يستشعروها.

ومهما قلنا عن مسؤولية الفردية عن تحقيق الكرامة والدفاع عنها فإننا يجب أن لا ننسى أن الإنسان يفقد كرامته أحياناً تدريجياً. وكم قالوا الوظيفة قيد ، الوظيفة سجن ، إن توظفت فلا تنتظر أن يكون لك كرامة حتى إن أحد الأمثلة الشعبية التي لا يليق ذكرها يصر على أنك في الوظيفة يجب أن تقبل كل ما يأتي من الرئيس.

إن الكرامة الإنسانية لم يحققها شيء كما حققها الإسلام  ولذلك وجدنا كيف استعذب المستضعفون من المسلمين كل ألوان العذاب عندما وجدوا أن الإسلام قد حقق لهم الكرامة الإنسانية الحقيقية. إن من أشهر قصص التعذيب ما نال بلال بن رباح رضي الله عنه من إخراجه في شمس مكة الحارقة ورمضائها ووضع الصخور الكبيرة على بطنه وهو يئن تحت التعذيب فلا يزيد على قول (أحد أحد) فيزيد الكفار غيضاً وحنقاً.      

 إن الكرامة البشرية حينما حققها الإسلام لأتباعه ولمن دخل في ذمة المسلمين جعلت الجندي المسلم يدخل إلى كسرى فيريد أن يجلس معه على عرشه فلمّا أرادوا أن يبعدوه قال للحاكم الفارسي تلك القولة العميقة (التي دونها فلسفة الفلاسفة ومنمقات الحكماء) :" كنّا نظنكم أولي أحلام تتساوون فيما بينكم فإذ بكم يستعبد بعضكم بعضاً، إننا لا نقبل مثل هذه العبودية إلاّ حينما كنّا في جاهلية وكان الرجل يقاتل الرجل فإن قدر عليه استعبده، أما بعد أن جاءنا الإسلام فقد تحققت لنا المساواة التي لا تعرفونها"

فإن أردنا أن ننهض حقاً فلنسع إلى تحقيق الكرامة الإنسانية، وفي مقالة قادمة أنقل بعض النماذج من ضياع الكرامة وكيف أن العرب والمسلمين يصح في كثير منهم (وما لجرح بميت إيلام)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق