الأربعاء، 20 يونيو 2012

الغرب والتفكير المنطقي المزعوم

             


          يتردد في وسائل الإعلام الغربية المختلفة بين الحين والآخر أن أخشى ما تخشاه الدول الغربية وبخاصـة فرنسا انه عندما يحكم الإسلام في بلد ما فإنهذا البلد سيفرغ من أهله تماماً أو من العلمانيين منهم وستكون الهجرة إلى أوروبا بالملايين.وقد كتبت مجلة "االمختار"(الريدرز دايجست ) Reader's Digest عن امرأة من بلد عربي محافظ طلبت اللجوء السياسي، وترددت السلطات الكندية ، وكان المبرر أن السماح لها سيفتح الباب أما الملايين من النساء المسلمات للهجرة لأنهن لا يحصلن على حقوقهن في بلادهن.[ومن هذه الحقوق خلع الحجاب والمساواة المزعومة]

          لم يكن يخطر ببالي أن أحلل هذه الافتراءات لأنها تتكرر كثيراً ، ولكني بعد أن قرأت مقالة الأستاذ رضا لاري في جريدة المدينة المنورة يوم الأحد 14 شعبان 1415 الذي يقول فيه:"إن الطلبة الذين  تخرجوا من هذه المدارس الأجنبية اكتسبوا القدرة على التفكير وسبل استخدام العلم فيما يخدم أوطانهم.."وكأن الأستاذ لاري يرى أن هذه المدارس تعلم التفكير وسبل استخدام العلم .قد يكون هذا صحيحا في بعض الأحيان .والحقيقة أن التفكير السليم نعمة يهبها الله عز وجل من يشاء من عباده سواءً درسوا في مدارس أجنبية أم يعرفوا هذه المدارس مطلقا أو حتى لم يدخلوا المدارس على أبداً.والقدرة على التفكير وسبل استخدام العلم يغيبان أو يتعطلان حينما يتعلق الأمر  بقضايا الإسلام والمسلمين ،  وما زلت أذكر حواراً مع أحد خريجي مدرسة الملكة فيكتوريا مجّد فيه إنجازات مصطفى كمال(أتاتورك) وأضفى عليه من صنوف العظمة حتى كدت أظنه يتحدث عن أحد الخلفاء الراشدين وليس الأستاذ رضا وحده الذي يقول بهذا، فغيره كثيرون يرون أن الغرب هو منبع التفكير العلمي حتى إن  زكي نجيب محمود في محاضرة له في النادي الأدبي في جدة قبل أكثر من عشرة أعوام زعم ان البشر ينقسمون إلى ثلاثة أصناف :الأول الأوروبيون يتميزون باستخدام العقل والمنطق فاليونان هي مهـد التفكير المنطقي.والقسم الثاني هم العرب وغيرهم الذين تغلب عليهم العاطفة ، والقسم الثالث وهم العجم وجنوب شرق آسيا الذين يغلب عليهم الفن والتأمل.وقد ردّ عليه الدكتور كمال عيسى أستـاذ  الثـقافة الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز برد رائع أوضح له التفكير المنطقي والمنهج العلمي  في جدال القرآن الكريم مع المشركين وغيرهم ، وكذلك في اللغة العربية.ولعلي أفرد مقالة لما أتذكره من ذلك التعقيب.

          ولست في مجال الرد على هذه التقسيمات لكني أريد أن أناقش منطقية وعلمية هذه الافتراءات لأننا ابتلينا بأن بعضنا يرى أن كل ما يأتي من الغرب هو الصواب والحق . فهل صحيح أن  الناس يفرون من الإسلام إذا حكم ؟ وكأني بالغرب في نشره لهذه الفرية كمثل أشعب حين ضاق بالصبيان يطاردونه فحثهم على الذهاب إلى وليمة في أحد البيوت ، ولما تركوه فكر قليلا أن الأمر قد يكون صحيحا فلحقهم.

    لقد مرت هجرة المسلمين إلى ديار الغرب بعدة مراحل : إحداها أن الغرب كان في حاجة الى عمالة رخيصة أقرب إلى السخرة فلجأ إلى أبناء المستعمرات فأغراهم بالهجرة إلى بلده لبناء المرافق الأساسية مثل القطارات التحتية وغيرها . وكذلك احتاج إلى أبناء المستعمرات في حروبه ؛فقد فرضت فرنسا التجنيد الإجباري على شعوب مستعمراتها عام 1911 ، وفي عام 1914 وجدت من هؤلاء مئات الألوف للعمل في جيوشها للدفاع عنها أو للعمل في مصانعها لتغطية النقص الحاصل بسبب الحرب.

       وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية رأت أوروبا أنه لا طاقة لها باستمرار الاحتلال العسكري فوجدت من أهل البلاد المستعمَرة من يستطيع أن يحل محلها وتجد مصالحها من يرعاها.وتوقفت الحـروب داخل أوروبا لتشتعل في كل مكان مخلفة أوضاعاً اقتصادية واجتماعية وسياسية صعبة جدا، ولذلك لم يكن من الممكن لذوي الطاقات الفكرية والعلمية المتميزة أن تستمر في العيش في بلادٍ محطمة .وما أن خرج المستعمر حتى كان خلفاؤه اشد عنفا في حرب الإسلام والمسلمين في كثير من الأقطار العربية الإسلامية. وبدأت موجات جديدة من الهجرة تحت سمع وبصر الغرب. ورضي الغرب عنها لأنها كانت تحقق له عدة أهداف أولها التمكين للأنظمة الحاكمة ، وثانيا توفير البد العاملة بجميع صنوفها وبخاصة الطاقات المبدعة التي يحصل عليها بدون أن يتحمل تكاليف إعدادها.

      والحديث عن هجرة العلماء أو ما يطلق عليه نزيف الأدمغة طويل ولا يحتاج إلى تفصيل ، فلماذا هاجر هؤلاء والحكومات العربية الإسلامية في غالبها لم تتخل يوما عن المستشارين الغربيين. فهل إذا حكم الإسلام يبق لهؤلاء الوجود الذي يتمتعون به الآن ؟

          أما آن أن تسقط أسطورة التفكير الأوروبي العلمي المنطقي ، وبخاصة حينما يتعلق الأمر بالإسلام والمسلمين ؟ نحن لا نشك في أنهم يتميزون بهذا التفكير في حل مشكلاتهم وقضاياهم الداخلية أما أن يكون هذا الأمر مسلم به على إطلاقه فكلاّ وألف كلا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق