الثلاثاء، 19 يونيو، 2012

مكانة العلم في الإسلام

تقديم: هذا المقال جزء من مذكرات كنت كتبتها لطلابي في مادة مدخل لدراسة النظم الإسلامية


      لم تعتن أمة بالعلم والعلماء كعناية الأمة الإسلامية فقد كانت أول نزلت من كتاب الله عز وجل هي {اقرأ} وقد أقسم الله سبحانه وتعالى بالقلم {ن ، والقلم وما يسطرون} وأشار القرآن الكريم إلى أن العلماء هم أكثر الناس خشية لله سبحانه وتعالى { إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء} وبين مكانة العلماء في قوله تعالى{ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} وقوله تعالى{قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} وقد وردت كلمة العلم في 426 موضعاً من القرآن الكريم.

       كما زخرت الأحاديث النبوية الشريفة بالدعوة إلى العلم والتعليم فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) وقوله صلى الله عليه وسلم ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلاّ حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده ) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) ويقول الدكتور أكرم العمري :" وفقه الدين يقتضي فهم الحياة والنظر إلى أحداثها وقضاياها وفق مفاهيم الإسلام الذي انتظم جوانب الحياة المتنوعة ، فلا عجب إذا ما تفتحت بصيرة المسلم على الاجتماع و الاقتصاد والحس والذوق وقيم الجمال بصورة أرحب وأعمق وأشمل كلما ازداد بصيرة في دينه." ويقول صلى الله عليه وسلم ( نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فبلّغها إلى من لم يسمعها فرُبّ مبلَّغٍ أوعى من سامع أو رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) 

          وقد اعتنى الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه بتعليم أصحابه فكان يلتقي بهم في دار الأرقم بن أبي الأرقم ليعلمهم ما نزل من الوحي. وأرسل مصعب بن عمير رضي الله عنه إلى المدينة المنورة ليعلم أهلها الإسلام. وكان يبعث أصحابه لتعليم الناس الإسلام فبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاذ بن جبل وغيرهما لتعليم أهل اليمن الإسلام. كما بعث عدداً كبيراً من القراء لتعليم بعض القبائل العربية الإسلام رغم المخاطر في بعض هذه المهمات، وهو ما يجب أن يدركه شبابنا حينما يأتي تكليفهم بالتدريس في المناطق البعيدة عن مكان إقامتهم فإنهم باستجابتهم لهذا الأمر يقتدون بالصحابة الكرام رضوان الله عليهم . ومن الطريف أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أخذت بهذه الطريقة في تكليف أساتذة للعمل في مناطق أخرى غير مناطقهم الأصلية فربما تكون الحكمة من ذلك تقوية أواصر المجتمع.

          وسار الخلفاء الراشدون على هدي النبوة في مسألة الاهتمام بالعلم والتعليم فكان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يقول :" لم أبعث عمّالي عليكم ليضربوا أبشاركم ولكن ليعلموكم كتاب ربكم " وقد بعث كبار الصحابة لتعليم المسلمين أمور دينهم. وكانت للعلماء مكانة خاصة لدى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكان يقرّب القراء رغم حداثة أعمار بعضهم ويستشيرهم في أمور المسلمين تقديراً منه للعلماء.

          والعلم مسؤولية كبيرة و العالم يُسأَلُ يوم القيامة عن علمه ( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال ..وعن علمه ما ذا عمل فيه.) ولذلك فالعالم مسؤول عن العلم والعمل ومسؤول أن ينشر العلم كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة)

          وقد كان هذا دأب الأمة الإسلامية وبخاصة الجيل الأول ، فقد وردت الكثير من الروايات عن احترام العلم والعلماء فكان عبد الله بن العباس رضي الله عنها يسعى إلى كبار الصحابة يطلب العلم منهم . ويقول هكذا أُمرنا أن نفعل بعلمائنا.

          وظلت الدولة الإسلامية قوية مهابة الجانب ما احترمت العلماء وأنزلتهم منازلهم التي يستحقونها . ومن الأمثلة على ذلك أن الدولة الأيوبية اهتمت بالعلماء ففي مجلس صلاح الدين الأيوبي حيث كان يجتمع قادته العسكريون والعلماء التفت إلى القادة وقال لهم :" لا تظنوا أني بسيوفكم وحدت البلاد ولكن وحدتها بقلم القاضي الفاضل).

          ولما بدأت أوروبا نهضتها مستندة إلى الإنجازات العلمية التي توصل إليها المسلمون اهتمت بالعلماء اهتماماً حقيقياً وما زالت تهتم بهم فلا تخلو جلسات مجلس الشيوخ ومجلس النواب الأمريكيين من آراء العلماء في جميع المجالات من التعليم إلى الذرة إلى التسليح إلى السياسة الخارجية. وعرفت الصين الوطنية وكوريا الجنوبية وغيرها من البلاد أهمية العلم فخصصت المبالغ الكبيرة للبحث العلمي . ويمكن أن تلاحظوا الاهتمام بالعلماء في نشرات الأخبار في الإذاعات الموجهة أو في القنوات الفضائية حيث يستضاف العلماء ليدلوا بآرائهم في القضايا المطروحة.

  ومن الضروري الإشارة إلى أن مجلس الوزراء الحالي في مملكتنا الحبيبة يضم عدداً كبيراً من العلماء في المجالات المختلفة ، كما ضم مجلس الشورى عدداً مباركاً من أساتذة الجامعات ومدرائها السابقين .بالإضافة إلى اهتمام بلادنا بالتعليم حينما أنشأت المدارس في مختلف المراحل وكذلك إنشاء عدد كبير من الكليات والجامعات.ومن المؤمل أن يقوم القطاع الخاص في المملكة بدعم الجامعات بالتبرعات والهبات . فمن المعروف في الغرب أن الشخص يدرس في جامعة معينة وبعد سنوات يكون قد أصبح ثرياً فيتذكر مدرسته الثانوية أو جامعته وحتى مدرسته الابتدائية فيزورها ويقدم لها الهبات والتبرعات . 


منهج  التربية   في  الإسلام

        يتميز منهج التربية في الإسلام أنه يسعى إلى تكوين " الإنسان " الصالح " الإنسان على إطلاقه ، بمعناه الإنساني الشامل بجوهره الكامن في أعماقه . الإنسان من حيث هو إنسان ، لا من حيث هو "مواطن" في هذه البقعة من الأرض أو في ذلك المكان ."( محمد قطب، منهج التربية الإسلامية الجزء الأول ، ص13 )

   ومن خصائص هذا المنهج ما يأتي :

1-” معالجة الكائن البشري كله معالجة شاملة لا تترك شيئاً ولا تغفل عن شي ، جسمه وروحه وعقله، حياته المادية والمعنوية وكل نشاطه على الأرض."

2- إنه منهج يتناول الفطرة التي خلق الله الإنسان عليها ، لا يغفل منها شيئاً ولا يفرض عليها شيئاً .

3- الاهتمام المتوازن بين جانب الروح وجانب الجسد. " فالإسلام يؤمن بكيان الإنسان المادي المحسوس وأنه قبضة من طين { إني خالق بشراً من طين.} وفي الوقت نفسه فهناك جانب روحي لأن في الإنسان نفخة من روح الله سبحانه وتعالى { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} وهناك مناهج تربوية اهتمت بالروح على حساب البدن أهملت الجسد ،دعت إلى التعبد والتنسك وأن على الإنسان أن يترفع عن مطالب الجسد وأنها رجس. وثمة مناهج اهتمت بالجسد وأهملت الروح " أهملت كل ما لا تدركه الحواس ، أهملت العقيدة وما يشع من العقيدة من مثل وأخلاق.

وهذا المزج بين الروح والجسد أو بين الجسم والعقل والروح يضمن أمرين هما:

أ- " استغلال طاقات الإنسان كلها فلا تهدر منها طاقة واحدة يمكن أن ينتفع بها الإنسان في عمارة الأرض والخلافة عن الله ... فمن الكفر بأنعم الله ألاّ يستخدم الإنسان طاقته الحيوية في عمارة الأرض بالتنقيب عن كنوزها ، والتعرف على رزق الله الواسع فيها واستغلال ذلك كله لترقية الحياة وتنميتها ، والوصول بها كل يوم إلى مستوى جديد.

ب-  " استغلال هذه الطاقات مجتمعة يحدث توازنا في داخل النفس وواقع الحياة سواء.

4- الإيجابية "فالإنسان -كما يريده الله - قوة فاعلة موجهة مريدة ومن ثَمّ فهو قوة موجبة في واقع الحياة ، قوة دافعة إلى الأمام  ، قوة تسيطر على القوى المادية وتستغلها للعمارة."{ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه}  والإيجابية يجب أن تخلو من الطغيان الذي يكبت بعض الطاقات ليبرز بعضها الآخر كأن يكبت طاقة الروح ليبرز طاقة الجسد أو العكس ، أو طغيان الإنسان على غيره. وفي هذا المجال تناول الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله تعالى في تفسيره لآية{ أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون} فلما لاحظ أن المفسرين القدماء ابتعدوا عن وصف المصانع بمعناها الحرفي وهو المعامل التي تنتج أدوات الحضارة والمدنية فتساءل متعجباً : ما الذي منعهم عن هذا التفسير، فالمصانع ليست مذمومة لذاتها ولكنها مذمومة إذا انحرفت أهدافها عن منهج الله سبحانه وتعالى ، وكانت مصانع لإنتاج أدوات الدمار والتخريب ، وكانت مبنية على الظلم والاستبداد بالعمال . كما إن التربية الإسلامية تحارب السلبية لأن " كلاهما اختلال لا يليق بخليفة الله في الأرض."

5- المثالية والواقعية : فكما تسعى التربية الإسلامية أن تستغل طاقات الإنسان ليحقق أعلى الإنجازات تدرك في الوقت نفسه المطالب والضرورات { لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها } وهناك ضعف تجاه المغريات { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث} ويقول الحق سبحانه وتعالى{ يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً}.

آداب  العلماء


          العلماء هم ورثة الأنبياء كما جاء في حديث سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ولهم في المجتمع مكانة كبيرة فهم مسؤولون عن صلاح المجتمع أو فساده كما جاء في الحديث الشريف (اثنان  إذا  صلحوا  صلح الناس  وإذا  فسدوا  فسد  الناس : العلماء والأمراء) . وقد تميزت الأمة الإسلامية بعلمائها على مر العصور الذين نشروا الهداية وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وكانوا في مقدمة الصفوف إذا تعرضت الأمة للخطر يهبون أرواحهم في سبيل الله ونصرة الحق.

          وقد أدرك العلماء شرف مهنة التعليم فوضعوا القواعد التي توضح آداب العلماء وهي بلا شك مقدمة على آداب طلبة العلم ؛لأن العلماء هم القدوة ما داموا (ورثة الأنبياء ) وقد أكد القرآن الكريم مكانة العلماء في أكثر من آية كريمة منها قوله تعالى { إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء } وقوله تعالى { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } .

          ومن العلماء الذين وضعوا القواعد في آداب العلماء والمتعلمين ابن جماعة الكناني (ت733) في كتابه (تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم) ومنها هذه الآداب:

1- دوام مراقبة الله تعالى في السر والعلن.

2- المحافظة على خوفه تعالى في جميع حركاته وسكناته وأقواله وأفعاله { لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون}. وقوله تعالى{ بما استخفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون}

3- دوام السكينة والوقار والخشوع والتواضع لله . كتب مالك إلى الرشيد:" إذا علمت علماً فليُر عليك علمه وسكينته و سمته ووقاره وحلمه."

4-أن يصون العلم كما صانه علماء السلف فلا يبذله بذهابه ومشيه إلى غير أهله من أبناء الدنيا من غير ضرورة أو حاجة.

ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي                           لأخدم من لا قيــــــت بل لأخدما

ءأشقى به غرساً وأجنيه ذِلّــــــــةً                          إذاً فاتبـــاع الجهل قد  كان أحـزما

ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهــم                          ولو عظموه في النفوس لعظـمـــــــا

5- التخلق بالزهد في الدنيا والتقلل منها بقدر الإمكان الذي لا يضر بنفسه أو بعياله.

6- تنزيه العلم عن جعله سُلّماً للوصول إلى الأغراض الدنيوية .قال سفيان بن عيينه :" كنت قد أوتيت فهم القرآن فلما قبلت الصرة ( المال) من أبي جعفر سُلِبته فنسأل الله المسامحة."

7- التنزه عن دني المكاسب ورذيلها وعن مكروهها عادة.

8- المحافظة على القيام بشعائر الإسلام مثل: الصلاة في جماعة،و إفشاء السلام للخواص والعوام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

9- التحلّي بمكارم الأخلاق والابتعاد عن الغل والحسد والبغي والغضب لغير الله تعالى والنفس، والابتعاد عن الكبر والرياء والعجب والسمعة والبخل...الخ.

10- دوام الحرص على الازدياد من العلم بملازمة الجد والاجتهاد والمواظبة على الأوراد من العبادة ولا يضيع شيئاً من عمره في غير ما هو بصدده من العلم والعمل.

11- الاستفادة من الأصاغر : أي أن لا يستنكف أن يستفيد ما لا يعلمه ممن هو دونه منصباً أو نسباً وسناً .

12- الاشتغال بالتصنيف والجمع والتأليف مع تمام الفضيلة وكمال الأهلية.

وثمة آداب يجب على العالم أن يتحلى بها في أثناء إلقاء درسه وفي التهيؤ لذلك ومنها:

1- التهيؤ للدرس بالتطهر من الحدث والخبث ويتنظف ويتطيب ويلبس من أحسن ثيابه.

2- الدعاء قبل الخروج من بيته ( اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أُضَل أو أزل أو أُزل أو أظلم أو أًُظلم أو أجهل أو يُجهل علي  ،عز جارك وجل ثناؤك لا إله غيرك ثم يقول بسم الله حسبي الله توكلت على الله) 3- أن يجلس بارزاً لجميع الحاضرين ويوقر أفاضلهم بالعلم والسن والصلاح والشرف ويرفعهم على حسب تقديمهم في الإمامة. 4- أن يبدأ بشيء من القرآن تيمناً وتبركاً. 5- إذا تعددت الدروس قدّم الأشرف فالأشرف فيقدم تفسير القرآن ثم الحديث...     6- عدم رفع الصوت وإعادة الكلمة ثلاثاً

7- صيانة المجلس عن اللغط وعن رفع الأصوات واختلاف جهات البحث.

8- زجر من أساء الأدب. 9- قول لا أدري لما لا يعرف ، والتودد للغرباء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق