الأحد، 17 يونيو، 2012

اعترافات جاسوس




ملاحظة: وجدت هذه المقالة في مجلة الحديقة التي كان يصدرها محب الدين الخطيب رحمه الله في عدد ذي الحجة عام 1337هـ

ندبت الحكومة الفرنسية في القرن الماضي المسيو  ليون روش ليكون جاسوساً على الأمير عبد القادر الجزائري، وأوعزت له أن يتظاهر بالإسلام وأن يتوصل إلى أن يكون موضع ثقته ومحل أمانته. ففعل ذلك ونجح وأقام في ديار المسلمين ثلاثين عاماً تعلم في ثنائها اللغة العربية وفنونها والإسلام وعلومه، واختبر الأوطان الإسلامية المهمة: الجزائر، وتونس، ومصر، والحجاز والقسطنطينيةة. ثم ألف كتباً اسمه (ثلاثون عاماً في الإسلام) قال فيه:

"اعتنقت دين الإسلام زمناً طويلاً لأدخل عند الأمير عبد القادر دسيسة من قبل فرنسا، وقد نجحت في الحيلة فوثق بي الأمير وثوقاً تاماً واتخذني سكرتيراً فه. فوجدت هذا الدين -الذي يعيبه الكثيرين منّا- أفضل دين عرفته ، فهو دين إنساني طبيعي اقتصادي أدبي. ولم أذكر شيئاً من قوانيننا الوضعية إلاّ وجدته مشروعاً فيه. بل إنني عدت إلى الشريعة التي بسميها (جول سيمون) الشريعة الطبيعية فوجدتها كأنها أخذت عن الشريعة الإسلامية أخذاً. ثم بحثت عن تأثير هذا الدين في نفوس المسلمين فوجدته قد ملأها شجاعة وشهامة ووداعة وجمالاً وكرما. بل وجدت هذه النفوس على مثال ما يحلم به الفلاسفة من نفوس الخير والرحمة والمعروف في عالم لا يعرف الشر واللغو والكذب. فالمسلم بسيط لا يظن بأحد سوءاً هو لا يستحل محرماً في طلب الرزق، ولذلك كان أقل مالاً من الإسرائيلين وبعض المسيحيين.

" ولقد وجدت في افسلام حل المسألتينالاجتماعيتين اللتين تشغلان العالم طرّاً: الأولى في قول القرآن (إنما المؤمنون إخوة) فهذا أجمل مبادئ الاشتراكية، والثانية في فرض الزكاة على كل ذي مال. وتخويل الفقراء ([1])حق أخذها غصباً إن امتنع الأغنياء عن دفعها طوعاً. وهذا دواء الفوضوية."

"إن الإسلام دين المحامد والفضائل. ولو أنه وجد رجالاً يعلّمونه حقّ التعليم ويفسرونه تمام التفسير، لكان المسلمون اليوم أرقى العالمين وأسبقهم في كل الميادين، ولكن وُجد بينهم شيوخ يحرفون كلمه، ويمسخون جماله، ويُدخلون عليه ما ليس منه. وأني تمكنت من استغواء بعض هؤلاء الشيوخ في القيروان والإسكندرية ومكة ، فكتبوا إلى المسلمين في الجزائر يُفتونهم بوجوب الطاعة للفرنسيين، وبأن لا ينزعوا إلى الثورة، وبأن فرنسا خير دولة أخرجت للناس([2]) وكل ذلك لم يكلفني غير بعض الآنية الذهبية."







[1] - يواسطة ولي الأمر المسلم
2- أمثال هؤلاء المشايخ كثيرون في كل الدنيا ومنهم من يقع نظره على هذا المقال ولا يشعر بشيء من اليحاء في نفسه، مع أن هذه الكلمات الخارجة من فم جاسوس فرنسوي في وصف المشايخ الخونة أهون منها البصقة يبصقها في وجوههم، وهؤلاء غير محسوبين على الإسلام لأن دينهم ومعبودهم تلك المنفعة الخسيسة التي يضحك بها عليهم عدو أمتهم وبلادهم. ومن أقوال نامق كمال بك الشاعر التركي الشهير: الكلب هو الذي يتلذذ بخدمة الصياد الجائر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق