الاثنين، 25 يونيو، 2012

العيد وكبير الأسرة


تقديم: قريباً يهلُّ علينا شهر كريم بلّغنا الله وإياكم وأعاننا على صيامه وقيامه، وبعد الصوم يأتي العيد فلعل هذه المقالة تقع من نفس كبير أسرة فيقوم بما أوجب عليه مكانه
كلما حلت علينا مناسبة عيد الفطر أو عيد الأضحى تذكرت كم من  الأسر قد أصابها التمزق والتشتت والفرقة، وقد وصل الأمر ببعضها إلى النزاعات والمحاكم. وهو أمر لا يليق بنا في هذه البلاد التي ما تزال والحمد لله من أكثر البلاد تمسكاً بشرع الله وبالقيم والأخلاق الإسلامية. والأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع وقد حرص الإسلام على هذه اللبنة في تحديد العلاقات الأسرية داخل الأسرة الصغيرة بين الزوج والزوجة ثم بين الأبناء والوالدين واتسع هذا الاهتمام لينال الأسرة الكبيرة التي تضم الأعمام والأخوال والخالات والعمات. ويتضح هذا في قول الله تعالى {وأنذر عشيرتك الأقربين} فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم أقاربه وعشيرته إلى الإسلام. ومن حرص الإسلام على الأسرة الكبيرة أو العشيرة الآيات والأحاديث التي تدعوا إلى صلة الرحم والعناية بها ومن ذلك على سبيل المثال فقط قوله صلى الله عليه وسلم: (من أراد أن يوسع له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه)

 وقبل أن أتحدث عن المشكلة وكيفية حلها أقدم بين يدي موضوعي بعض الأبيات الشعرية التي حفظتها من المرحلة المتوسطة للشاعر الأموي المقل المقنع الكندي، وهو محمد بن ظفر من قبيلة كندة كان له مكانة كبيرة في قومه وكان سمح اليد لا يرد سائلاً. وقد جاء في قصيدته الأبيات الآتية التي يقول فيها :

يعاتبني في الدين قوماً وإنمــا       ديوني في أشيـاء تكسبهم حمـدا

أسد بها ما قد أخلوا وضيعـوا     ثغور حقـوق ما أطاقوا لها سـداً

وفي جفنة ما يغلق الباب دونها   مكللـة لحماً مدفقـــة ثـردا

وفي فرس نهـد عتيق جعلتـه        حجـاباً لبيتي ثم أخدمتـه عبـداً

وإني لعبد الضيف ما دام ثاوياً   وما شيمة لي غيرها تشبـه العبـدا

وإن يأكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن يهدموا مجدي بنيت لهم مجـدا

وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم وإن همو هووا غيي هويت لهم رشدا

ولا أحمل الحقد القديم عليهم     وليس رئيس القوم من يحمل  الحقدا

لهم جل ما لي إن تتابع لي غنى   وإن قل مالي لم أكلفهـم رفــدا

كان هذا المقنع الكندي قبل أكثر من ألف سنة، وقد عرف بأنه كان كثير المال وقد أنفقه في الكرم والسخاء حتى إنه لم يكن يرد سائلاً فلما أتلف ما تركه له أبوه استعلاه بنو عمه وعيرّوه بفقره وبما عليه من دين فقال هذه الأبيات يعاتبهم فيها.  وهو يستمد هذه الشيم مما ينبغي أن يكون عليه شيخ القبيلة أو رئيسها أو كبيرها حتى وإن لم يكن أكبرهم سنّاً.ونظراً لأنه شاعر أموي فلا شك  أنه استمد هذه القيم من ديننا الإسلامي الحنيف الذي يدعو إلى صلة الرحم وإغاثة اللهفان وفك العاني وإصلاح ذات البين .

وإننا لنجد في كلمات السيدة خديجة رضي الله عنها في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم التي أسماها الشيخ محمد الصادق عرجون الكلمات النورانية- أساساّ لهذه القيم الرائعة التي تكاد تضيع - ( كلاّ والله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصدق الحديث، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتغيث الملهوف ، وتعين على نوائب الحق.) وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلاً حتى إنه أعطى أعرابياً غنماً بين جبلين فرجع إلى قومه قائلاً : عدت من عند من يعطي عطاء من لا يخشى الفقر..)

إننا ونحن نستقبل أيام عيد الفطر المبارك  بحاجة إلى أن نرى الكبار في الأسر سواءً كانوا الكبار في السن أو الكبار في المنصب والجاه والمال يتحركوا للم شمل الأسر. فما أعظم هذه الأبيات التي قالها المقنع الكندي. والمال في أيدي كثير من كبار الأسر لا يستخدم لما ذكره المقنع الكندي وإنما بلغت الأنانية وحب النفس مبلغاً عجيباً فأصبحت الأموال الطائلة أرقاماً فلكية في البنوك المحلية والعالمية وأسواق الأسهم والبورصات والشركات. وتظهر هذه الأموال بين الحين والآخر في إقامة الحفلات والمناسبات. أما البحث عمن يستحق أن يساعد من أبناء الأسرة أو في لم شمل الأسرة في المناسبات فقليل ما يحدث هذا.

لاشك أن من حق الكبير أن يذهب الجميع لأداء واجب الاحترام ولكن هذا الكبير في حاجة إلى أن ينفق من وقته بعض الشيء ليجمع أفراد الأسرة حوله ويبحث في شؤونهم. فإن كان يقضي بعضاً من وقته أو معظمه  في دراسة الصفقات التجارية والدراسات وغير ذلك من الأعمال التي لا تنتهي فليخصص من وقته جزءاً للتعرف إلى أفراد أسرته التي يريد أن يكون الكبير فيها دون أن يبذل أي جهد حقيقي ليستحق هذه المكانة.

ومن واجبات كبير الأسرة أن ينفق مما أعطاه الله على ما يجمع به شمل أسرته، وحتى وإن كان لا يريد إنفاق المال فلا أقل من إنفاق بعض الوقت للتعرف على أفراد أسرته وأن يجمع شملهم. فما أجمل تلك الأيام الخوالي التي كانت الأسرة تجتمع في بيت الكبير في اليوم الأول من أيام العيد فإننا في وقت لا يعرف أبناء العم أسماء بعضهم بله أن يعرفون أشخاصهم وهمومهم ومشكلاتهم.

فهل نجعل العيد عيداً حقيقياً يا من منّ الله عليكم بأن جعلكم في موقع الكبير في أسركم وجعل لكم أموالاً طائلة؟ إن صلة الرحم التي وعد الله بوصل من يصلها تناديكم، وإن أعظم الأجر في الإصلاح ذات البين وإزالة الخلافات والحزازات تتطلب نفوساً كبيرة فمن يتقدم في هذا الشهر المبارك أو في أيام العيد. اللهم ردناً إلى دينك رداً جميلاً. اللهم آمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق