الجمعة، 29 يونيو، 2012

يوم مبارك وأناس مباركون في بيروت



        كتب أحد القراء الكرام في منتدى أهل التفسير مبدياً انزعاجه من حديثي عن جوانب من لبنان وبيروت على الخصوص، وتمنى لو أخبرته قبل سفري لأرشدني إلى الأماكن الطيبة في بيروت وإلى المناطق التي تكثر فيها المساجد والمصلون والأماكن الصالحة.و كان مما كتبه الأستاذة سمر الأرناؤوط: "أولاً لو علمت بمقدمك لكنا في استقبالك على المطار زوجي وأنا واستضفناك في بيتنا المتواضع، ثانياً ساءني أن يكون الفندق الذي نزلت فيه في منطقة الكسليك المارونية المسيحية بامتياز حيث الملاهي الليلية والخمارات وكل ما خالف الشرع والأعراف ولو سألت قبل ذهابك لأرشدتك إلى أحد فنادق بيروت الهادئة بجوار مساجد بيروت القديمة أو الحديثة في عقر دار السُنة المساكين لكن قدر الله وما شاء فعل" وأضافت في موضع آخر قولها: "ولكن اسمح لي أن أذكرك أن في لبنان مناطق في غاية الهدوء والسكينة وأهلها مسلمون مؤمنون يجتمعون في حلق الذكر في البيوت وفي المساجد وتعقد الندوات العلمية ويستضاف العلماء ولدينا من الشباب الملتزم الكثير بحيث تضيق بهم المساجد في الصلوات ولدينا من المحجبات والمنقبات الكثير بفضل الله تعالى لكن في مناطقهم المحافظة فأدعوك لزيارة بيروت ثانية لأريك هذه المعالم حتى لا تبقى في الذاكرة صورة سيئة الذكر عن بلدي الذي كانت نساؤه من عهد قريب لا تخرجن إلا منتقبات وعاصرتهن في بداية عمري
هي على حق فقد كانت تلك الصورة قاتمة وهي تعترف بوجودها ولكن ليست هي بيروت كلها. ففي البداية أقول له إنني لم أختر الفندق وإنما كان اختيار المنظمين للمؤتمر لأنه الأقرب إلى مقر المؤتمر ولأن الوكالة التي يتعاملون معها هي التي حددته. وثانياً لقد جئت إلى بيروت من  أجل حضور المؤتمر فأنا ضيف إلى حد ما (على حسابي) والضيف كما تقول العرب في حكم المضيف أو أسير للمضيف.
        وكنت مسافراً حتى لقيت من أحب من أهل بيروت وكما ينسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله قوله:            أحـب الصالحيـن ولسـت منهـم ***لعلي أن أنال بهم شفاعة
                           وأكـره مـن تجارتـه المعاصـي *** ولـو كنـا سـواء فـي البضاعـة
وإن كان أجمل من هذا سؤال الرجل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال له عليه الصلاة والسلام(وماذا أعددت لها) فقال: لم أعد لها كثير صلاة ولا صيام ولكني أحب الله ورسوله، فقال صلى الله عليه وسلم (المرء مع من أحب) فقال راوي الحديث رضي الله عنه "ما فرحنا بشيء بعد إسلامنا بفرحنا بهذا الحديث" فقد وجدت من أحب ومن لست منهم وإليكم تفاصيل ما حدث.
        ذكرت أنني قبل سنوات كنت أشارك في برنامج (حوار بلا أسوار) مع الأستاذ جاسم المطوع (الذي نسيني حين أصبح مدير قناة (اقرأ) ) فلقيت بعض الشباب والشابات ممن يعمل في مجال الدعوة  فعرفوني بالمنتدى الإسلامي وجمعية الاتحاد الإسلامي. فكانت معرفة مباركة لأناس فيهم الخير والبركة نحسبهم كذلك والله حسيبنا وحسيبهم. فتوطدت العلاقات بيننا وبخاصة الشاب محمد العربي الذي قدمني في محاضرة عن الاستشراق في المنتدى.
        وفي هذه الرحلة قبل أن أسافر إلى بيروت دخلت الشبكة العنكبوتية ووضعت اسم المنتدى فوجدت عنوانهم وهواتفهم فأرسلت رسالة عن طريق المنتدى أنني سأكون في بيروت في الفترة من 1-4 يونيو (حزيران) وأرغب في زيارة المنتدى وربما تقديم محاضرة. فما أن وصلت بيروت وفي الليلة الأولى وصلني اتصال من الأستاذ أحمد زعيتر الذي يشرف على المنتدى بالإضافة إلى عمله في حقل التربية والتعليم مما يتطلب منه العمل من الثامنة صباحاً حتى السابعة مساءً، وهي طاقة وهمة عالية. وهذا أمر معروف عن اللبنانيين التفاني في العمل والإخلاص. وكذلك فاللبناني يحب أن يعيش عيشاً رغيداً فيعمل بطاقة عالية لا يقدر عليها كثير من الناس في بلاد أخرى. والدليل على محبة اللبنانيين لرغد العيش أنك ترى الرجل يرتدي من الملابس ما تظن أنه من الأثرياء ولكنه قد يقتر على نفسه في المأكل والمشرب وغير ذلك ليكون في أبهى منظر (دون إسراف عند البعض) وكأنهم يعملون بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم (فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كالشامة في الناس فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش) وفسر ذلك المناوي بقوله: (أحسنوا ) ندبا (لباسكم) بالكسر أي ما تلبسونه من نحو إزار ورداء أو قميص وعمامة أي نظفوه واجتنبوا البالغ في الخشونة (وأصلحوا رحالكم) أي أثاثكم أو سروجكم التي تركبون عليها أو الكل (حتى تكونوا كأنكم شامة) بفتح فسكون وقد تهمز وتخفف وهي أثر يغاير لونه لون البدن يسمى خالا وأثرا والمراد كونوا في أصلح زي وأحسن هيئة حتى تظهروا (في الناس) فيرونكم بالتوقير والإكرام والاحترام كما تستملحون الشامة لئلا تحتقروا في أعين العوام والكفار فيزدريكم أهل الجهل والضلال فيندب تنظيف نحو الثوب والعمامة والبدن وتحسينها لكن بلا مبالغة ولا مباهاة ولا إعجاب (فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي)
        ولما جاءني الاتصال من الأستاذ زعيتر اتفقنا أن نلتقي في صبيحة اليوم التالي لانتهاء المؤتمر وهو يوم عودتي. فتواعدنا على العاشرة صباحاً وقبل العاشرة بربع ساعة كان الأستاذ أحمد في صالة الفندق وكنت مستعداً والحمد لله فبدأنا يوماً مباركاً أحدثكم فيما يأتي عن تفاصيله.
        بعد الترحيب والكلام الزين اللطيف الذي يتقنه إخواننا في لبنان وهم كما كانت أمي رحمها الله تقول (ياخذوا العقل) أي يأسروا العقل واللب، بحسن كلامهم ولطفهم بل إنهم يقولون من الألفاظ اللطيفة ما لا تسمعه على لسان غيرهم وأتعجب أن اللبنانيين احتكوا ببعض الناس الذين غلب عليهم الجلافة والجفاء فلم يؤثروا فيهم ولا أدري ما السبب. فاللبناني يقول (حبيبي ، عيوني، تؤبرني، يا روحي وغير ذلك) انطلقنا فشرح لي أن النصارى في القديم لجأوا إلى هذه المنطقة من لبنان حين أفتى الأوزاعي رحمه الله بتركهم بعد صراعات مع أهل السنّة، فامتلكوها وحرّموا على مسلم أن يكون معهم أو بينهم.
        وصلنا المنتدى الذي يقع خلف أسوار الجامعة الأمريكية الذي يحتل موقعين أحدهما مكتبة وقاعة محاضرات والثانية المكاتب الإدارية وكتب التعريف بالإسلام حيث تحتوي المكتبة على كتب بست وأربعين لغة تقريباً ويرسلون هذه الكتب إلى شتى أرجاء العالم. والمنتدى يعمل داخل الجامعة الأمريكية من خلال الطلاب المسلمين الذين ينشطون ثقافياً واجتماعياً في الجامعة. كما علمت أن المنتدى يدخل في حوارات مع علماء من الغربيين حول الإسلام حتى أسلم على يديهم عدد من العلماء الكبار وفي موقعهم تفصيل لذلك وعنوان الموقع على الشبكة هو http://www.islam-forum.net/ كما أود التنبيه إلى موقع مجلة منبر الداعيات وهو http://www.itihad.org/minbar
        أصحاب هذا المنتدى أصحاب همة عالية وطموح كبير فقد استضافوا في منتداهم كبار العلماء من أنحاء العالم الإسلامي، ولأن عملهم واضح وسليم فإن هؤلاء العلماء ما كانوا ليتشجموا عناء الزيارة وإلقاء المحاضرات وإعطاء المقابلات لمجلة منبر الداعيات وأذكر منهم العالم الفقيه الدكتور محمد موسى الشريف والشيخ غازي التوبة والشيخ الدكتور حاكم المطيري وغيرهم كثير.
        وبعد أن تجولت في المنطقة حيث مررنا بمقر الشيخ فيصل مولوي وهو العلم البارز في العمل الإسلامي الدعوي الذي كتب في موقعه بعد وفاته رحمه الله ما يأتي: ومولوي من مواليد (1941م طرابلس- لبنان)، وهو داعية ومفكّر إسلامي، معروفٌ في لبنان والعالم العربي والإسلامي والأوروبي.وكان مولوي رئيسًا لجمعية التربية الإسلامية في لبنان وشغل منصب الأمين العام للجماعة الإسلامية في لبنان، ورئيس بيت الدعوة والدعاة منذ تأسيسه سنة 1990 وعضو اللجنة الإدارية للمؤتمر القومي الإسلامي.
        وبعد العصر مباشرة كان اللقاء مع مجلس إدارة جمعية الاتحاد الإسلامي ورئيسه الشيخ حسن قاطرجي. ودار حديث عن نشاطات الاتحاد وبخاصة عزم الاتحاد أن يشترك الشباب اللبناني في المحافل الأكاديمية والمؤتمرات وطريقة إعداد هؤلاء الشباب فعلمت أنهم انتدبوا شابين لحضور دورة في إسبانيا في مركز إسلامي هنا حول التفكير النقدي (وهو ما نفتقده كثيراً في عالمنا العربي الإسلامي) للخروج على الحفظ والتلقين والاستسلام مع أن القرآن الكريم نبه إلى أهمية التعقل والتدبر والنظر والتفقه.
        وأمطروني أسئلة حول نشاطاتي العام الماضي وتفاهمنا على بعض الأمور لتدريب بعض الشباب والشابات على حضور المؤتمرات والندوات والمناظرة وغيرها من الأمور. 
        ورأيت لوحة عند الباب فيها إعلان عن التهجد يوماً في الأسبوع مع تحديد الساعات. وهو أمر كم أغفلناه وجميل أن يحرص المسلمون عليه عملاً بقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (وصلوا بالليل والناس نيام) وقد شاهدت شيئاً من هذا في عزبة طلاب جامعة الملك عبد العزيز قبل أكثر من ثلاثين سنة، فكنا في فصل الشتاء ننام في باحة المنزل فلو تحركت قليلاً لوجدت بعض الشباب راكعاً ساجداً تالياً لكلام الله عز وجل فما أروعه وأجمله من منظر.
        كم أود أن أطيل في الحديث عن هؤلاء الناس وجهودهم ونشاطاتهم ولكن يكفي من العقد ما أحاط بالجيد ولكن أسأل الله أن يحسن لي ولهم النية والعمل، وأن يبارك في جهودهم وأن يخذل دعاة الانحراف والفساد في كل مكان.



       



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق