الجمعة، 29 يونيو، 2012

زيارة الجامعة الأمريكية في القاهرة




       تقدم باحث إلى قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة قبل سنوات لإعداد رسالة دكتوراه حول الاستشراق في الجامعة الأمريكية في القاهرة، وعلمت أنه زار الجامعة واطلع على بعض نشاطاتها ولمّا كان لا يتقن اللغة الإنجليزية لم يستطع أن يكمل المشوار، وكانت هذه وما زالت المعضلة المزمنة في من يدعي أنه درس ويدرس الاستشراق وهي معضلة من يريد شهادة ويزعم أنه عارف بالاستشراق دون معرفة لغة أجنبية وبخاصة أوروبية. فهل القضية قضية شهادات، إن الناس يضحكون علينا.

المهم أنني أحببت أن أتعرف إلى هذه الجامعة لأن معرفتها إنها هو جزء من التخصص في دراسة الاستشراق. وكنت أقرأ أخبارها في الصحف وتعرفت على بعض أساتذتها في عدد من المؤتمرات الدولية بل وجدت أن الجامعة انتدبت ما يزيد على خمسة وعشرين أستاذاً وطالب دراسات عليا لحضور المؤتمر العالمي الأول حول دراسات الشرق الأوسط الذي عقد في مدينة مينز بألمانيا عام 2002م، وتعجبت من هذا العدد الضخم في حين لم يحضر من السعودية سوى اثني عشر باحثاً ستة منهم من مجلس الشورى للحديث عن مجلسهم ومسؤولياته ونشاطاته (نوع من الدعاية، ولم تكن قوية أو مقنعة)

وها قد جاءت الفرصة لحضور مؤتمر الرابطة العربية الأمريكية الذي عقد فيها في الفترة من 7-9 نوفمبر 2009 م الموافق 19-21 ذو القعدة 1430هـ وكان موضوعها الرئيس "الإعلام الإبداعي في شرق أوسط متغير" ومن الطريف أن شبكات الإعلام الاجتماعية هي موضوع هذا العام وبخاصة فيما يتعلق بالثورات العربية ضد الظلم والاستبداد.

وركبت الطائرة فالتقطت أطراف اتصال بين أحد الركاب وشخص آخر يتكلم فيما يشبه الألغاز ولا أدري ألهذا علاقة بالقاهرة وطبيعة سفره، وكان يقول إن عبد الفتاح سيوصله من المطار ويضيف إنه لا يريد أن يعرف أحد عن الشيء ولا بد أن يأتي بالشيء. ولمّا كانت القاهرة  بلد سياحي ولعل من لوازم السياحة عند البعض أن يعيشوا أجواءً غير عادية. وقد أثارني هذا الحديث لأنني سمعت اليوم قصة العجوز السعودي النجدي ويكنى بأبي إبراهيم الذي يذهب إلى إندونيسيا وعنده بيت كأنه قصر مساحته 1500متر مربع، ويذبح كل ليلة ذبيحة أو ذبيحتين (وكأنه امرؤ القيس يذبح جملاً أو جملين) وله صديق مأذون يأتي له بالبنات فيختار أجملهن ويعقد له عليها، وبعد أسبوع أو أسبوعين يطلقها..فقال له صديق له هل تعقد وأنت تنوي الطلاق؟ قال نعم، قال هل تعرف هل هذا الأمر حلال أو حرام، قال لا أدري ولكني سأسأل المشايخ، فقال له صديقه أعتقد أنك على شفا جرف هار.  وكان عند الصديق رحلة إلى إندونيسيا لاستقدام سائق وخادم فرأى شاباً يمسح أرض السفارة ويشبه أبا إبراهيم، فعاد إلى إبي إبراهيم يقول له يا أبا إبراهيم رأيت كيت وكيت وأنا الآن بحاجة إلى العودة إلى إندونيسيا لإحضار سائق فقال أبو إبراهيم لو أخبرتني لأحضرت لك سائقاً ممتازاً فأنا خبير بالإندونيسيين ونحن نسهر معاً ونقيم حفلات، وذهب أبو إبراهيم ورأى الشاب الذي يعمل فراشاً في السفارة فأعجب به ووعد أن يشتري له بيتاً ولأمه وأن يفعل ويفعل، وقد ثبت أنه ولده بعد إجراء فحص الحمض النووي.

لقد سمعت كثيراً عن رحلات الجنس منذ كنت موظفاً بالخطوط السعودية وشاركت خطوطنا في هذه التجارة الحرام أحياناً بطائراتها وأحياناً أخرى بأخذ عمولات من الشركات الأخرى نظير تنازلها عن حقها في المشاركة وأحياناً عقدت اتفاقيات التشغيل المشترك، وعرفت نماذج بعض الركض وراء الجنس أو اللهاث وراءه وكانت من أهم أسباب هروبي إلى العمل في الجامعة.

وما أن بدأت الاستعداد للإقلاع حتى قال قائد الطائرة طالباً من الملاحين الجلوس في أماكنهم وقال توكلنا على الله. وهي العبارة التي جعل منها الأمريكان دليلاً على زعمهم أن قائد الطائرة المصرية التي كانت تقل عدداً من الضباط المصريين  انتحر فقد قال (توكلنا على الله) وهذا ما جعل عدد كبير من قادة الطائرات يصرون على هذه العبارة تكذيباً للمزاعم الأمريكية.

كم يشعر الإنسان بالاطمئنان حين يسمع قائد الطائرة يذكر الله سبحانه وتعالى وحين يذكّر المسافرون بدعاء السفر وقد سمعت الشيخ كشك يروي عن رجل قيل له أن يقول دعاء السفر فقال لماذا فدابتي جيدة والطريق سهل فما كان إلاّ أن سار قليلاً حتى أسقطته الدابة واندق عنقه ومات.

التمييز الطبقي في مطعم الفندق

        بينما كنت جالساً في المطعم لتناول الإفطار إذ برجل تبدو عليه سيما الوجاهة والثراء والمناصب يتقدمه أحد الطباخين وكان يفتح له أغطية أواني الطعام الساخن حتى إذا انتهى من جولته ذهب ليجلس في مكان من المطعم لم أعرف أين هو ولا أدري هل في المطعم قاعة للأكابر. المهم وبعد قليل خرج أحد العاملين ومعه خبز مصري مخبوز لتوه وسار خلفه شخص آخر يحمل كمية أخرى من الخبر. ولم يكن هذا الخبز متوفراً لجميع الزبائن أو الطاعمين ، فلماذا لم يتوفر الخبر أو هل هو يقدم للشخصيات سخناً وبعد أن يكتفوا يقدمونه لبقية الزبائن؟

        وقد عرفت فيما بعد أن تلك الشخصية إنما هي عميد كلية الشؤون العامة التي يتبعها قسم الإعلام وهنا عرفت أن التمييز موجود في كل مكان من العالم. وعلى كل حال فقد استمتعت بشرائح الخبر الأسمر ولا يهمني إن كانوا وفروا الخبز المصري للجميع أو لا.

         ومع هذه الصورة القبيحة تظل مصر بلاد الخير والبركة ففيها النيل والنيل خير وبركة ونماء، ولو عرف المصريون كيف يصادقونه ويحبونه ويتعاملون معه ، ومازلنا نقرأ عبارة المؤرخ اليوناني هيرودوت "مصر هبة النيل" فلو أن مصرياً أخذ حفنة من القمح ورماها على الأرض وأخذ قليلاً من ماء النيل لنبتت سنابل وسنابل أشبعتهم وأشبعت من حولهم. ولكن في مصر فوضى إدارية (قبل الثورة وأسأل الله النجاح للثورة في توسيد الأمور إلى أهلها) وعندما تنحرف مصر يصدق عليها قول المتنبي

        نامت نواطير مصر عن ثعالبها   فما بشمن وما تفنى العناقيد، وكأنه يعني لتنام النواطير والحراس فمهما سرق السارقون ونهب الناهبون ففي مصر ما يكفي، بل إن هناك أخبار أن في مصر من الأثرياء وقائمة المصريين الذين يشترون المرسيدس أكبر من قائمة دول تبدو أغنى من مصر.

        وفي بلاد أخرى منّ الله على أهلها ببحار أو محيطات من النفط فمهما سرق السارقون ونهب اللصوص مما نأخذ من مستهلكي البترول أو يترك لنا المستخرجون فيبقى الكثير، وسبحان الخالق الذي له ملك السموات والأرض، و(ولله خزائن السموات والأرض)

        ومما يعجبني في مصر محافظتهم على القديم من التراث المعماري ففي القاهرة من المباني القديمة والأثرية ما يشعرك بأنك ذهبت إلى تلك العصور فرأيتها وعشت بين أهلها وأكلت وشربت معهم، وسرت في طرقاتهم، ودخلت غرفهم وعرفت معيشتهم. وصدق من قال من ليس له ماض فليس له حاضر.

        تعجبني رائحة القديم ليس القديم المهمل ولكن القديم حين يعتني به أهله ويزيلون ما عليه من غبار وأتربة وما أجمل منزلاً قديماً رشّوا أمام بابه الماء وكنسوا التراب فتشم رائحة لا يمكن أن تصنعها أعرق بيوتات العطر الباريسية. وتعجبني شوارع القاهرة القديمة الضيقة التي كانت تقرّب بين الناس بعضهم بعضاً حتى يكاد الشخص يعرف من أمامه ومن بجواره ومن خلفه.

       


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق