الثلاثاء، 19 يونيو 2012

لقاء صحفي مع جريدة الأنباء الكويتية ولا أدري نشر أو لا (جزء منه)


قضايا إسلامية معاصرة

بعث إلي مندوب صحيفة الأنباء الكويتية مجموعة من الأسئلة للإجابة عنها لنشرها في الملحق الديني للصحيفة . وفيما يأتي الموضوعات التي سأل عنها وإجاباتي :

أولاً: الإسلام والغرب ووسائل الإعلام.

موضوع الإسلام والغرب من موضوعات الساعة ،وأصبح يطرق بكثرة في وسائل الإعلام ،فلمَ هذا الاهتمام والزخم الإعلامي الكبير حول هذا الموضوع؟

لقد دأبت وسائل الإعلام الغربية على الاهتمام بالإسلام والمسلمين منذ ظهور الحركات الإسلامية بقيادة العلماء المسلمين داعية إلى التحرر من النفوذ الغربي ، وكان تناولها لهذه الحركات يتسم بالهجوم على هذه الحركات ووصمها بالتعصب والدعوة إلى كره الأجنبي . وتناولت قضايا محدودة في الإسلام كمسألة علاقة الإسلام بالحضارة الغربية، وموضوع المرأة، ووضع الأقليات غير المسـلمة في البلاد الإسلامية.  لقد اهتمت وسائل الإعلام الفرنسية مثلا بحركة الشيخ عبد الحميد بن بـاديس رحمه الله ( جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) كما اهتمت الصحافة الإنجليزية والأمريكية بحركات التحرر في البلاد التي كانت خاضعة للنفوذ الإنجليزي.

           وما زلت أذكر مقالة الشيخ عبد الحميد بن باديس (حيث أصدرت‘ ترجمة للشيخ في سلسلة أعلام المسلمين )بعنوان:"وخز الدبابيس " ينتقد فيها جريدة الطان الفرنسية  Le Temps التي سماها " عجوز الصحف الفرنسية" لتناولها الإسلام بأسلوب يتسم بالعداء والتهجم.

          ولم يتوقف اهتمام الإعلام الغربي بالإسلام وقضايا المسلمين ، فالإعلام الغربي بالرغم من أنه ليس إعلاما حكوميا لكنه يميل إلى تأييد مواقف الحكومات الغربية التي تحرص على مصالحها  الرأسمالـية ، والإعلام تملكه ( الرأسمالية الغربية) وكان الإعلام الغربي يحارب على جبهتين : الشيوعيـة والإسلام ، وكان يقرن بينهما دائما. حتى إذا سقطت الشيوعية وجد الإعلام الغربي فراغاً كبيراً مما جعله يتجه إلى ملئه بالعداء المضاعف للإسلام. وقد نبهت إلى ذلك نشرة تصدر عن معهد هارتفورد اللاهوتيHartford بمقالة بقلم رئيس مكتب الاهتمامات النصرانية الإسلامية القس مارستون سبايت Rev.Marston Spight حيث ذكر القس أن انتهاء الحرب الباردة بين المعسكر الرأسمالي والشيوعي يثير تساؤلا : هل  يصبح الإسلام الشبح الجديد ؟ وقد جاء في المقال :"لم تعد قوة العالم الشيوعي تشكل تهديداً كما كانت في الماضي وذلك نتيجة للأحداث الصاخبة والمدهشة في أوروبا الشرقية ، وهكذا وجد الأمريكيون الذين كانوا يسهبون في الحديث عن الخطر المفترض من الشيوعية، وجد هؤلاء أنفسهم فجأة محرومين من موضوعهم المحبب ... وقال القس :" والسؤال الـذي يطرح نفسه هل تختار العناصر (الإعلام) التي تتولى تحذير الشعب الأمريكي من الخطر مجموعة أخرى من البشر لوضعها أمام الجمهور على أنها تهديد لأمريكا والعالم؟ إن الصورة السيئة التي يصوَّر بها الإسلام في وسائل الإعلام الأمريكية تثير انتباه بعضنا إلى جعل الإسلام الشبح الجديد. " وقد أكد القس كلامه بأمثلة من الصحافة الأمريكية تتمثل في تلخيص لمقال لكاتب أمريكي هو شارلز كروتهامر Charles Kruthammer .

          لا شك أن اهتمام القسيس يثير التساؤل ، فهل كانت صورة الإسلام في الإعلام الغربي جيدة قبل نهاية الحرب الباردة ؟ وكأنّ القسيس يريد أن يبرئ الإعلام الغربي و المنصرين من إثارة العداء ضد الإسلام قبل سقوط الشيوعية. وقد نبهت إلى هذا العداء ضد الإسلام وقبل سقوط الشيوعـية حينما تحدث نائب الرئيس الأمريكي دان كويل في خطابه الذي ألقاه في حفلة تخريج دفعـة من البحرية الأمريكيـة يوم 30 مايو 1990 فربط فيه بين الإسلام والشيوعية على أنهما أكبر الأخطار التي تواجـه العالم في القرن العشرين ، وقد صور نائب الرئيس الحركات الإسلامية بأنها حركات" أصولية متشددة."

          إن اهتمام وسائل الإعلام بالعلاقة بين الإسلام والغرب له أسباب كثيرة منها أن معظم البلاد العربية الإسلامية تعتمد حكوماتها على الدعم الغربي في صور عديدة أهمها الديون الخارجية التي بلغت مئـات البلايين من الدولارات ،والدعم المعنوي للأنظمة الحاكمة، وأن الغرب هو الذي يرعى مسألـة الصلح مع اليهود وهذه نقطة خلاف رئيسة بين الحكومات العربية الإسلامية التي تنفذ مشيئة الغرب وبين الحركات الإسلامية.

          ولاشك أن في الغرب بعض الأصوات المعتدلة التي تحاول أن تنظر إلى العلاقة بين الإسلام والغرب نظرة موضوعية ، ومن هؤلاء أساتذة جامعيون ومفكرون وسياسيون ، ويجب أن نتساءل ما حجم هذا التيار المعتدل ، وما حجم نفوذه؟ إن الوقت الذي تحدث فيه الأمير شارلز ولي عهد بريطانيـا حديثا نال الاستحسان والإعجاب في العالم الإسلامي نتساءل هل له تأثير حقيقي في بـلاده؟ الأمير يمتدح الإسلام ورئيس الوزراء يلتقي سلمان رشدي ، والحكومة البريطانية تنفق آلاف الجنيهـات على حماية هذا المارق ، وتبخل بالقليل على المدارس الإسلامية حتى لو كان المتقدم بطلب المساعدة بريطانيا أباً عن جد وهو يوسف إسلام الذي استاء من موقف حكومته فتقدم يشكوها إلى لجنة حقوق الإنسان الأوروبية.

ثانياً :الإسلاميون والسياسة



         قبل أن تقع الثورة الإيرانية بعدة أشهر جمعني مجلس مع أحد الصحافيين المشهورين ، فأخذ يتحدث عن حكم الشاه في إيران ، وكيف أن إيران ستنتقل قريبا جداً من دول العالم الثالث إلى دول العالم الأول ، و أفاض في مدح الشاه وما فعله لبلاده ، وما حققه من معجزات التنمية. ومضت الأيام وسقط الشاه وجاء نوع آخر من الحكم قيل إنه حكم (رجال الدين) أو (الملالي) فعاد هذا الصحافي نفسه إلى الحديث عن أن الفقهاء لا يصلحون للحكم والسياسة ، وهذه أفعالهم تدل على عنفهم وقسوتهم ووحشيتهم ، وأضاف بأنهم مغفلون في مجال السياسة التي تتطلب قدراً من الحنكة والخبرة والدهاء.

          تعجبت من هذه النقلة في فكر شخص لديه من الإمكانات للاطلاع على كثير من الأسرار التي تغيب على معظم الناس . فهل كان يظن أني نسيت حديثه الأول . أين كان فهمه إدراكه حينما تحدث عن عظمة الشاه من المظالم الاجتماعية التي كانت تسود البلاد ، أين كان عن فساد أجهزة المخابرات التي كانت تأخذ الناس بالظنة وبالوشاية وتأخذ الطائع بالعاصي؟ هل كان جاهلاً بكل ذلك أو كان يريد مني أن أقبل ما يقول وأسلّم له ؟

          إن موضوع الإسلاميين والسياسة موضوع لا يحتاج إلى كل هذه الضجة لولا أن كثيرا من المفاهيم قد تشوهت وكثيرا من الحقائق قد غابت أو غيّبت . هذا الموضوع يحتاج منّا إلى إحساس بالتاريخ قبل المعرفة الحقيقة الموثقة. إننا إذا تساءلنا عن التدين والسياسة نقع في تجاهل أساس مهم من أسـس العقيدة الإسلامية . لقد جاء الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الدين العظيم فكان رسولا نبياً ، وقائداً عسكريا وقاضيا وحاكما إدارياً وزعيماً سياسياً . ويكفي أن يطلع الإنسان على أي كتاب في السيرة ليدرك هذا. ولكني احب أن أذكر كتاب العلامة عبد الحي كتاني المعنون ( التراتيب الإدارية ) أو الحكومة النبوية ففيه تفصيل رائع لهذا الأمر.

     وجاء الخلفاء الراشدون فكانوا رؤساء دول وحكاماً سياسيين ، فهذه الدولة الإسلامية في عهد الحليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه تضم الجزيرة العربية والشام والعراق ومصر ، ودام حكمه أكثر من عشر سنوات مارس فيها السياسة بكل تفاصيلها ومعانيها. ولقد كان لعمر بن الخطاب مجلس شوراه ، وأجرى الاستفتاءات الشعبية العامة ، -ولم تكن نتائجها كتلك المحددة سلفا - فعندمـا فتـح المسلمون أرض السواد( العراق) وحدث خلاف حول تقسيم الأرض ولم يبق أحـد له رأي مخالف سوى بلال بن رباح رضي الله عنه فلم يجبره ابن الخطاب رضي الله عنه أن يغير رأيـه ولم يعاقبه على أن له رأيا يخالف الحاكم بل ما كان من عمر إلاّ أن أخذ يدعو الله عز وجل أن يشرح صدر بلال إلى الحق.وقد تناول أبو يوسف صاحب كتاب الخراج هذه المسألة في مقدمة الكتاب الذي يعد بمنزلة النصيحة الموجهة لهارون الرشيد.

          ولو رجعنا إلى كتب (الأحكام السلطانية) التي تمثل الفكر السياسي الإسلامي لوجدنا أن من شـروط الحاكم المسلم أن يتصف ب (العدالة الجامعة لشروطها) ولو فسرنا هذه العبارة بلغة العصر نجدها  تعني أن يكون متدينا أو أن يكون من الإسلاميين ، وهذا التدين هو ما يحلو للإعلام الغربي أن يطلق عليه التشدد والتطرف والأصولية وقد أصابت العدوى الإعلام الإسلامي فنسي مصطلحاته وقـلد مصطلحات الإعلام الغربي. ولو رجعنا إلى التاريخ الإسلامي وطبقنا شرط العدالة هذا نجد أنه لا يتوفر أحيانا فيكون الانحراف في السلوك الفردي للحاكم أو بعض أتباعه ولكنه لا يمكن أن يصبح تياراً يسيطر على الأمة ،بل كان هؤلاء الحكام مدافعين عن الشريعة الإسلامية حماة لها.

          وثمة شرط آخر يجب أن يتصف به الحاكم المسلم وهو (العلم) الذي يرى بعض الفقهاء أنه يجب أن يصل درجة الاجتهاد . ولو استعرضنا التاريخ الإسلامي على مدى ألف عام وزيادة لوجدنا العلماء الحكام أو الفقهاء الحكام ، وتبدأ هذه السلسلة المباركة بالخلفاء الراشدين فقد كانوا من أعلم الأمـة بالإسلام ، ثم جاء معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، وكان من خلفاء بني أمية العلماء عمر بن عبد العزيز و عبد الملك بن مروان. وتواصلت هذه السلسلة حتى عصرنا الحاضر.

          هكذا كان تاريخ هذه الأمة فمتى أصبح المتدينون شبحا مخيفاً لقد أصبحوا هكذا عندما خافهم الغرب على مصالحه أو توهم أنهم خطر على مصالحه. فأصبحوا مشجبا تعلق عليه كل العيوب والآثام حتى تفنن من المسلمين من وصفهم بالظلاميين بدل الإسلاميين، وأطلق التنوير على الإظلام الذي جاء به لويس عوض وعلى عبد الرازق وسلامة موسى وطه حسين وغيرهم.

           إن الأمة الإسلامية لمن أعرق الأمم في التسامح واتساع الأفق والانفتاح على الثقافات الأخـرى إذا لم يصل الأمر إلى الطعن في العقيدة ، وهذه الفرق التي ظهرت في تاريخ هذه الأمة رغم خطورة معظمها ووجود عناصر خارجية فيها إلاّ إن المسلمين تركوها وناظروها ، أليس في هذه الأعداد الضخمة من المخطوطات والكتب ما يدل على التسامح .      

          أما اتهام الإسلاميين أو المتدينين بأنهم سيستبدون إذا ما وصلوا إلى الحكم ، فأين الدليل عل

هذه الاتهام ، وكأني بأصحاب هذا الاتهام كما يقول المثل ( رمتني بدائها وانسلت ) وقديما قال المتنبي في أمثال هؤلاء:

 إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه                وصدّ ق ما يعتاد من توهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق