الجمعة، 29 يونيو، 2012

بيروت قديماً وحديثاً- زبارات علمية وليست سياحة




وصلت بيروت في شهر أكتوبر (تشرين أول) 1968م ويعني هذا الخريف حيث الجو معتدل نهاراً يميل إلى البرودة ليلاً، فكانت فسحتنا أنا ورفيق الرحلة حسين عبد الله أبو الطاهر التجول في ساحة البرج فكانت كما قلت أول رحلة لي خارج المملكة وربما كذلك لزميلي وصناعة السياحة لم تكن قد تطورت ولم يخطر في بالنا أن نسأل أين نذهب في بيروت. وكنّا إذا تجولنا في الساحة هجم علينا المصورون بكاميراتهم نصوركم، وغداً نأتي لكم بالصور ولكن الدفع مقدماً، ونحن غرباء يصعب علينا أن نصدق أي شخص، وربما قبلنا أحد العروض وربما لم نقبل أي عرض. ولكني أذكر من تلك الأيام صحن الفول صباحاً حتى إني ما زلت أتذكر أن صحن الفول بما يرافقه من خضروات كالبقدونس والبصل الأخضر  والفجل والنعناع والفليفلة ولطعمه الرائع قلت إن صحن الفول ذاك ألذ من الكوزي في المدينة المنورة.

وذكرتني ساحة الشهداء في بيروت بالساحات في المدينة المنورة مدينتي الحبيبة تاج المدن في العالم ودرتها تلك الساحات التي ضاعت بالهدم والتدمير المبَرّر وغير المبرر، والتي يصعب الكلام فيها الآن، ففي فمي يا عراق ماء كثير *** كيف يشكو من في فيه ماء؟ فقد كان في المدينة المنورة ساحة باب المصري وساحات المناخة وأسواق جميلة بديعة مثل شارع العينية وسويقة وغيرها من الأسواق التي اندثرت ليحل محلها غابات الإسمنت المسلح.

والساحة فيها التماثيل من يقف على أرجله ومن يركب حصاناً ومن لا يبدو منه إلاّ جمجمته أو حتى صدره وقرأت على تماثيل جامعة نوتردام أنها نحتت بإزميل فلان أو فلان. والتماثيل تريد إقناعنا بعظمة تلك الزعامات والأشخاص وقد يصدق الاحتفاء وقد لا يصدق ففي إحدى ساحات بيروت أو شوارعه تمثال ضخم استغرق كمية كبيرة من النحاس (هل هو نحاس صاف أو مخلوط) لرفيق الحريري لأنه كان رجلاً ضخم الجثة.

وعدت إلى بيروت عام 1970أو 1971 ولم تكن الحرب الأهلية قد وقعت وكانت مروراً إلى عمّان ولكني نزلت في فندق تُفتح نوافذه على البحر فشممت رائحة البحر الذي أعرف رائحته من جدة وشعرت بجميل نسائم البحر.

       وشاء الله أن أنتقل من العمل الإداري في الخطوط السعودية عام 1406هـ(1986م) بعد حصولي على درجة الماجستير في التاريخ من جامعة الملك عبد العزيز عن بحثي حول جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. ومضيت في رحلتي العلمية في المدينة المنورة للحصول على الدكتوراه التي لم أحصل عليها حتى عام 1414هـ (1994م) بعد معاناة شديدة وآلام ومخاض (سأتحدث عنها يوماً ما إن شاء الله) واستمرت المعاناة ولكني كنت أحفر في الصخر حتى كان عام 1410هـ (2000م) فزار المدينة الأستاذ جاسم المطوع ليسجل حلقات من برنامجه (علماء مبدعون) فأخبروه أني من المبدعين، فاتصل بي وقال سوف نسجل معك حلقتين عن مسيرتك العلمية وإبداعك وعندما حضرت إلى الفندق إذ به يقول لي: سأبدأ التسجيل فإن لم يكن الحديث يستحق التسجيل فسوف نوقف التصوير. فقلت هذا والله تهديد، فإما أن تكون مقتنعاً وإما أن لا تكون. وقبلت التحدي أو هي الرغبة في أن يقال عني مبدع، فالمبدعون مساكين في عالمنا العربي ينتظرون أية التفاتة لأن إبداعهم يقتل ويموتون كمداً. وسجلت حلقتين استغرقت كل حلقة ما يزيد على الساعة. وخرجت بكيس فيه بعض العطور (عنبر وليس عوداً) ولا أدري هل بُثّ البرنامج حتى الآن أو لا، ولكني أنظر إلى الوراء فأقول إن زعموا أنني كنت مبدعاً عام 2000فأحمد الله أنني ربما ازددت إبداعاً خلال العشر سنوات الماضية.  وأعطاني الأستاذ جاسم عنوانه ووعد أن يتصل بي فيما بعد للمشاركة في بعض برامجه.

        وشاء الله أن تبدأ رحلاتي إلى بيروت برفقة زوجي خديجة محمد رفوح نعم الرفيق، فلم تكن رحلات سياحية وإن شاهدنا كثيراً من المعالم السياحية ولكنها رحلات علمية في المقام الأول فسبحان من أعادني إلى بيروت بعد أن كنت طالباً لا يعرف كتابة جملة واحدة سليمة إلى محاضر ومحاور ومناظر.

وفي يوم من الأيام دلفت إلى مكتبتي فوجدت رقم الأستاذ جاسم فاتصلت به وقلت له أين وعودك للمشاركة في برامجك. فقال نعم لدينا حلقتين من برنامج حوار بلا أسوار نسجلها في بيروت لتوفر الضيوف المجانيين ولو كان من خارج بيروت فلا نستضيفهم لأن ميزانية البرنامج محدودة. والحلقتان هما أمركة الإسلام، والحوار الإسلامي المسيحي بين الحقيقة والادعاء، فقلت له أما الموضوع الأول فأستطيع أن أتحدث فيه وبخاصة أن سيد قطب منذ الستينيات كتب حول الموضوع في كتابه (الإسلام والسلام العالمي) وتطورت الفكرة، أما حوار الأديان فلا علاقة لي به غير أنني مقتنع أن المشاركين من المسلمين ليسوا على قدر المهمة فيخرج ضعيفاً من جانبنا، ولذلك أرجو أن تعذرني، فقال دعني أتشاور مع فريق البرنامج فإذ به يتصل بي بعد فترة ليقول ستشارك في الحلقتين. وسألته ومن أين تكاليف الرحلة، قال نعطيك مائة دولار للفندق لمدة يومين. فوافقت على الفور، ويسر الله لي الحصول على التذاكر والإقامة في فندق بحدود المائة دولار. وسافرت ولقيت الأستاذ جاسم وسجلت الحلقتين اللتين بثتا من خلال قناة اقرأ وقناة راديو وتلفزيون العرب ART. ولما كان بعض الشباب المشارك في فريق الإعداد من أبناء طرابلس ولأبيهم مكانة علمية بارزة فزرت وخديجة طرابلس وكان في مدخلها لوحة كبيرة مكتوب عليها آخر معاقل السنة، وعلمت أن اللوحة قد غُيِّرت حديثاً. ومررنا ببعض الجبال التي فيها ثلوج ولعبنا كرات الثلج.

وكان يحضر التسجيل بعض الجمهور الذين لم يسمعوا بمازن مطبقاني ولا يدرون من أي بلاد الدنيا هو. وبعد البرنامج تم التعارف بيني وبين الأستاذ محمد العربي وبعض طالبات إحدى الجامعات الإسلامية، وطالبات كلية الدعوة. فدعيت لزيارة هذه الأماكن كما تعرفت إلى المنتدى للتعريف بالإسلام وجمعية الاتحاد الإسلامي. ولما كانت مدة الزيارة قصيرة فقد وعدتهم بالمشاركة في نشاطاتهم الثقافية إن تيسر لي العودة إلى بيروت.

وجاءت الفرصة حينما تقدمت إلى المؤتمر الإعلامي الثاني لمعهد بيروت لفنون الاتصال بالجامعة اللبنانية الأمريكية في الفترة من 20-24شعبان 1422هـ (5-9 نوفمبر 2001م) ببحث عنوانه "مواجهة الصور النمطية للعرب والمسلمين من خلال شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)".فأخبرت الإخوة في المنتدى والجمعية بقدومي إلى بيروت فرتبوا لي أن أقوم ببعض النشاط على هامش المؤتمر  وكانت المحاضرتان :

·       بدعوة من جمعية الاتحاد الإسلامي ببيروت دعيت لإلقاء محاضرة في مركز طبارة ببيروت بعنوان (المرأة المسلمة في كتابات المستشرقين) في 27شوال 1422هـ.(8 نوفمبر 2001م)

·       بدعوة من المنتدى الإسلامي للتعريف بالإسلام وحوار الثقافات   ببيروت دعيت لإلقاء محاضرة بعنوان "جولة في الاستشراق المعاصر" في 25شوال 1422هـ (10نوفمبر 2001م).

ثم أتيحت لي الفرصة لحضور المؤتمر الثاني لمؤسسة الفكر العربي الذي عقد في بيروت أيام 11-12 شوال 1424هـ (4-6ديسمبر2003م) وكان المؤتمر بعنوان استشراف مستقبل العالم العربي. وأذكر أنني كتبت تقريراً موجزاً عن ذلك المؤتمر فيما يلي نصّه:

أولاً  : كان محاور المؤتمر مهمة جداً وتعبر عن تطلعات المؤسسة إلى دور فاعل في صياغة مستقبل الأمة العربية حيث تناولت الجوانب الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وعلاقات الأمة العربية مع الشعوب والأمم الأخرى.

ثانياً: تميز المؤتمر باختيار عدد من المتخصصين البارزين في شتى المجالات حيث قدموا أوراقاً متميزة في الموضوعات التي تناولوها.

ثالثاً: إن إشراك الشباب في تقديم آرائهم وأفكارهم وطموحاتهم وهمومهم ميزة انفرد بها المؤتمر عن كثير من المناشط الفكرية المختلفة في العالم العربي.

        وبالرغم من هذه الإيجابيات وغيرها فإن العمل الإنساني لا بد أن يعتريه بعض التقصير ومن السلبيات في هذا المؤتمر ما يأتي:

1-    ضخامة المحاور التي تناولها المؤتمر حيث إن كل محور من هذه المحاور يستحق أن ينفرد بمؤتمر أو أكثر فعلى سبيل المثال الحديث عن أوضاع العالم العربي الراهنة فقد تضمن تناول الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وهذه موضوعات كبيرة بالفعل.

2-    اقتصار أوراق العمل أو البحوث على بحث أو بحثين وتعدد المعقبين على الورقة حيث من المعتاد في المؤتمرات العلمية الأكاديمية أن يكون المتحدثون ثلاثة أو أكثر في كل جلسة ويكون هناك معقب أو معقبان فقط أو يترك الأمر للحضور.

3-    تقديم الأوراق كلها في جلسة واحدة عامة أضاع الفرصة على الباحثين المتخصصين فلو كانت هناك عدة قاعات في وقت واحد وتوزعت الأوراق على أكثر من جلسة لكانت الإفادة أكبر وكانت الفرصة للنقاش أوسع.

4-    لم يتوفر للحضور المشاركة في النقاش حيث كان يتقدم لطلب التعقيب عشرون شخصاً ولا يسمح لأكثر من خمسة أو ستة في الجلسة الواحدة.

5-    حبذا لو تم اختيار الشباب المشاركين من طلبة الدراسات العليا أو من الذين حققوا قدراً من الإنجاز الفكري فليس المهم فقط مشاركة الشباب ولكن نحن بحاجة إلى نوع معين من الشباب نتطلع إلى مشاركته في حمل الهم الفكري للأمة العربية.

6-    حبذا لو كان اختيار المتحدثين والمعقبين من الأشخاص الأكثر تخصصاً والأبعد عن المناصب السياسية والذين يمكن أن توجه إليهم أصابع الاتهام بأنهم ممن ساهم في صنع الواقع العربي المتخلف أو المزري بل معظم هؤلاء من أسباب التخلف والأزمات في عالم العربي وبعضهم ممن يمكن أن يقال عنهم إنهم انتهت صلاحيتهم فكيف يؤتى بالرميم، فالله وحده يحيي العظام وهي رميم لا المؤتمرات.








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق