الأحد، 17 يونيو 2012

مأساة الخادمات : مناشدة لتحريرهن


مأساة  الخادمات  : مناشدة  لتحريرهن



بقلم

أنتونيتا فليقر

Antoinette Vlieger







ترجمة وتقديم

د.مازن مطبقاني

وحدة  دراسات العالم الغربي





بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم

التحقت  قبل مدة باحثة هولندية تعد لرسالة الدكتواره في القانون الدولي في جامعة أمستردام بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية لتبحث في قضية الخادمات في كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة من النواحي القانونية.  وأمضت في المركز فترتين في كل فترة كانت تقيم شهراً أو يزيد كما زارت الإمارات العربية المتحدة. وبالإضافة إلى هذه الزيارات البحثية فقد قامت بزيارة للبلاد اللاتي تأتي منها الخادمات في الفلبين وفي إندونيسيا. وفي المملكة العربية السعودية زارت عدة مناطق بالإضافة إلى الرياض حيث زارت جدة والمنطقة الشرقية.
يركز البحث على قضايا العلاقات العمالية بين الخادمات وأرباب العمل أو المستخدِمين  من النواحي القانونية وهل ينطبق عليهن نظام العمل والعمال أو هل ستسعى الحكومات إلى إقرار نظام خاص لتنظيم شؤون العمالة المنزلية. كما سألت في أثناء وجودها بالمركز عن موقف الإسلام من التعامل مع الخادمات أو الخدم عموماً فعرفت كثيراً عن تعاليم الإسلام العظيمة في هذا الشأن. وقد أكدت أنها حين تكتب بحثها بصورته النهائية سوف تشير إلى أن ما تعانيه الخادمات أو الخدم عموماً في المملكة العربية السعودية أو الإمارات ليس له علاقة بالإسلام فالإسلام برئ من سوء المعاملة التي تتعرض لها بعض الخادمات والخدم.
وهذه المقالة التي نقدم ترجمة لها إنما هي النتائج الأولية ومعلومات أساسية عن البحث وأهدافه وبعض إجراءاته. والحقيقة إن قضية الخادمات ليست قضية خاصة بنا في العالم الإسلامي فقد عرفت المجتمعات البشرية على مدى تاريخها الطويل أنواعاً ونماذج من التعامل مع الخدم عموماً في مراحل مختلفة وما تزال حالة هذه الفئة من العمال والعاملات بحاجة إلى مزيد من الدراسة وتقديم الحلول.
وأختم تقديمي هذا بأن الإسلام وحده الذي طالب وأكد على أن يعامل الخدم كالإخوة كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم وليلبسه مما يلبس، وإن كلفتموهم بما لا يطيقون فأعينوهم) وكان لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم أكثر من خادم وقد قال أنس بن مالك رضي الله عنه (لقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنوات فلم يقل لي قط لِمَ فعلت كذا ولِم لم تفعل كذا، ولم يضرب بيده الشريفة خادماً قط).

1. ما العوامل في المجتمع التي تحدد العلاقات بالعمال؟
تلقى الخادمات في الجزيرة العربية اهتماماً كبيراً من المنظمات الدولية والعلماء والصحفيين وذلك لأن أوضاعهن مأساوية وفقاً للمعايير الدولية، فليس لديهن حماية من قانون العمل، وهنّ يعملن في المتوسط حوالي مائة ساعة في الأسبوع، ولا يتمتعن بإجازة أسبوعية أو عطلات مدة سنتين تقريباً. وكثير منهن يواجهن الحبس إذا لم يتطلب عملهن الخروج من المنزل بينما تعاني أخريات من المضايقات النفسية والبدنية أو التحرش الجنسية والعنصرية (1)
والخادمات يعملن داخل المنازل (2) حيث يقمن بأعمال منزلية مثل التنظيف والطبخ والعناية بالأطفال وكذلك العناية بالمسنين (3) في مقابل الطعام والسكن والأجرة. وبسبب الجنسية التي يحملنها والأنوثة والعرق ووضعهن الاقتصادي فهن يقبعن في معظم المجتمعات في قاع السلم الاجتماعي، وهذا ما يجعلهن عرضة للتمييز وسوء المعاملة. ففي دول مثل إيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية هناك قوانين عمل تحميهن، ولكن ثمة صعوبات غير منظورة في تطبيق هذه القوانين لأن مكان العمل داخل المنازل.(4) وفي أوروبا لا يحصلن على إجازة أسبوعية وفي حالة الحمل أو المرض فإن ذلك يعني الطرد من الوظيفة. (5)
ومع ذلك فالوضع في دول مجلس التعاون الخليجي أسوأ. وهذا ما دعانا في جامعة أمستردام إلى طرح التساؤل حول العوامل المجتمعية التي تشكل وضع الخادمات في المملكة العربية السعودية وفي الإمارات العربية المتحدة. وقد انطلقت من فرضية أن الإسلام ليس مسؤولاً عن تشكيل وضع العمال.(7) ولكن المسؤولية تقع على العناصر أو العوامل الاقتصادية والبناء السياسي-الاجتماعي. وهذه المقالة تصف جزءاً من نتائج بحث مازال تحت الإعداد. وقد قمت حتى الآن بمقابلة أكثر من مائة خادمة ورب عمل ومحام وموظف حكومي، وأكثر من خمسة وسبين خادمة أجابت على الاستبيان الذي قدمته لهن.
وقد وجدت أن أحد العوامل التي تؤدي إلى التكرار الكبير للمشكلات هو الغموض حول السلوكيات المناسبة بسبب التغيرات الاقتصادية السريعة، فوتيرة التطور في الجزيرة العربية قد خلقت حالة من (*)عدم الاستقرار والاضطراب الاجتماعي كما يصفها  دوركايام(8) لقد جادل بأن عدم الاستقرار هذا أمر شائع عندما يمر المتجتمع بتغيرات مهمة في الحظوظ الاقتصادية كما هي الحال في كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. لقد ارتفعت مستويات المعيشة بوتيرة غير مسبوقة بسبب اكتشاف النفط وارتفاع أسعار البرميل. فصورة شارع الشيخ زايد في دبي يوضح الصورة كاملة؛ فبينما كان هذا الشارع محاط بمنازل الطيل الصغيرة عام 1972 أصبح بعد خمس وثلاثين سنة شارعاً مكوناً من عشرة مسارات محاط بناطحات السحاب.
إن وتيرة التغير قد قادت إلى وضع أصبحت فيه القيم العامة أو الاجتماعية غامضة أو غائبة. وقد وصف دوركايم (في نظره) كيف أدى ذلك إلى زيادة حالات الانتحار. إن مستوى الامنحار في السعودية مرتفع حيث أوضح استطلاع بين الطلاب في جدة أن 65% من الأولاد و72% من البنات يعانون من أعراض الإكتئاب.، وقد اعترفت 7% من البنات أنهن حاولن الانتحار وهو ضعف النسبة بالنسبة للأولاد. ومع ذلك فإن عدم الاستقرار الاجتماعي يمكن مشاهدته في جوانب عديدة من المجتمع في كل من السعودية والإمارات. وبهذا الخصوص فإن الدول التي تشبه يوغسلافيا في حالة تحول كما وصفها أرليخ Erlich. لقد كان في ذلك الوقت وفي آن معاً وجود التقليدي والحديث، والرجعي والتقدمي، وكلاهما إلى درجة متطرفة.(10) وتحت النظام الأبوي فإن الحقوق والواجبات كانت واضحة ومحترمة. لقد كان هناك عناية بالضعيف، وكان العنف مرفوضاً وممجوجاً، ولكن في مرحلة فساد النظام أصبحت العلاقات غير آمنة، والتالي حارب كل طرف من أجل حقوق أكثر.(11) وكما هو الحال في يوغسلافيا فإن في كل من السعودية والسعودية انهارت الأسرة الممتدة، فالإخوة الموهوبين الأصغر سنّاً لم يعودوا يقبلوا بطريقة آلية سلطة الأخ الأكبر وانتشر الطلاق ويبدو أن العنف المنزلي ازداد.(12) إن الاضطراب في العراف يبدو أكثر وضوحاً كما حدث في حفل زفاف في الشارقة حيث قامت بعض البنات بأداء الرقص التقليدي فيما قامت أخريات باداء الرقص الشبيه بالقنوات الغربية (MTV) وغضب كل طرف من الطرف الآخر إما لكونهم رجعيين أو محرجين جداً.
وسوف تركز هذه المقالة على عدم الاضطراب الاجتماعي في علاقات العمال التي تتعلق بصفة خاصة بالخادمات، ولتوضيح ذلك سأشير بتوسع في البداية إلى ما كتبته جوديث رولينز Judith Rollinsفي كتابها بين النساء: الخادمات وأرباب العمل" Between women: Domestics and their employers حيث تلخص في الفصل الأول بصفة عامة أنواع السلوكيات التي وجدت في العالم كله خلال عدة قرون وسوف أركز هنا على هذا الفصل الوحيد على حساب الفصول الأخرى الممتازة لأظهر أن كثيراً من جوانب سلوكيات المستخدمين في السعودية وفي الإمارات ليس مختلفاً عما هو موجود في أماكن أخرى من العالم في أوقات وأماكن مختلفة. ولكن ما يبدو مختلفاً هو الاختلاف الكبير في نماذج السلوكيات: ففي بعض المنازل يشبه السلوك ما كان شائعاً في العصر الإقطاعي وما قبل عصر الصناعة في أوروبا، وفي منازل أخرى تتلقى الخادمات معاملة تشبه ما هو شائع في مناطق واسعة في العالم المتطور، والنوع الثالث هو نوع ما بعد عصر الصناعة وهو أقل شيوعاً بين المستخدمين العرب ولكنه متوقع من قبل بعض الخادمات.
وبالإضافة إلى عدم الاستقرار والاضطراب الاجتماعي فإن سوء التفاهم الثقافي الواضح بين الخادمات والمستخدمين وازدياد حالات الخلاف لم يعد أمراً غريباً، ولكن يمكن حل هذه المشلكة جزئياً بالسماح بتبادل الخادمات بين الأسر لمساعدة الخادمات والمستخدمين الذين لهم التوقعات نفسها أن يجدوا بعضهم بعضاً. ويأتي الاستنتاج أن سوق عمل الخادمات سوف يفيد كثيراً من التحرر مثل تبادل أو تدوير العمالة مما يتيح الفرصة لتشغيل العمالة ذات السلوكيات المتوافقة. وسوف أقدم في البداية وصفاً موجزاً جداً للتطر الاقتصادي العالمي وأشرح التغير العالمي في نوعيات السلوك المتعلقة بالخادمات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق