الأربعاء، 27 يونيو 2012

ملخص محاضرة "الاستغراب ومعرفة الآخر"


ملخص محاضرة

ملوحظة: كانت هذه المحاضرة صدقة على جامعة الملك سعود التي جعلت المكافأة ألف ريال فقط ولم أتسلمها، وربما كانت الألف ريال أقل من ثمن الورورد التي توضع في مكتب معاليه كل يوم تقريباً 

محاضرة في برنامج (تواصل) كلية الآداب بجامعة الملك سعود

3 ذو القعدة 1431هـ الموافق 11/10/2010م

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد فأتقدم بالشكر لصديقي العزيز الدكتور عبد العزيز الزهراني الذي عرفته منذ كان رئيساً لتحرير "رسالة الجامعة" وكانت مقالاته فيها تتناول قضايا فكرية تخرج عن نطاق الاهتمامات الأكاديمية الضيقة حتى إنني طالبت أن تنشرها الصحف المحلية. وأذكر منها على سبيل المثال مقالته بعنوان "قبيلة أدونيس".

سوف تتناول هذه المحاضرة عدة محاور منها:

·       لماذا الحديث عن الاستغراب؟

·       ما علاقة الاستغراب بالاستشراق؟ وما الفرق بينهما؟

·       ولماذا ندرس الغرب؟

الحديث عن الاستغراب ضرورة ملحة لأننا تأخرنا كثيراً في دراسة غيرنا من الشعوب والأمم ولنبدأ بالغرب لأن الغرب هو صاحب الحضارة المتفوقة في الوقت الحاضر وينبغي أن ندرسه. ودراسة الغرب إنما هي لتأكيد مشاركتنا الفعالة فيما يسمى حوار الحضارات أو الحوار بين أتباع الأديان. وامتثالاً لأمر الله عز وجل (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا).

وقد أبدع العرب والمسلمون في معرفة الشعوب الأخرى وما حولهم من الدول من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والجغرافية وغيرها، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم حين أمر بالهجرة إلى الحبشة قال (إن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد.) وكان العرب في جاهليتهم لهم رحلة الشتاء والصيف، وكانوا يفدون على كسرى وعلى قيصر ومن أبرز المشهورين الذين عرفهم الملوك خارج الجزيرة هاشم جد النبي صلى الله  عليه وسلم الذي مات بغزة وسميت باسمه (غزة هاشم)

وظهرت هذه المعرفة في الفتوحات الإسلامية حيث كانوا على علم بجغرافية المنطقة و طبغرافيتها حتى إن خالد بن الوليد رضي الله عنه استطاع قطع المسافة من العراق إلى الشام في وقت قصير مما يدل على معرفته بالمنطقة.

وجاء الإسلام وتفتحت العقول فأخذ المسلمون يطلعون على ثقافات الشعوب الأخرى وعلومها حتى أتقنوا تلك العلوم وزادوا عليها إبداعاً وتكميلاً وتصويباً. واهتموا بالأديان والفرق حتى ظهرت لدينا سلسلة من الكتابات عن الفرق من كتبا الشهرستاني إلى البغدادي إلى ابن حزم وكتاب الأشعري "مقالات الإسلاميين"

وانطلقت من العالم الإسلامي الرحلات حتى إن بعض هذه الرحلات أصبحت مصدر معلومات عن بعض الشعوب الأوروبية كرحلة ابن فضلان وابن حوقل ثم رحلات ابن جبير وابن بطوطة وغيرهم.

وجاء أسامة بن منقذ في كتابه (الاعتبار) فأبدع في وصف الصليبيين وأخلاقهم وطباعهم  ومنها شجاعتهم وصلابتهم وقوة تحملهم وضخامة أجسامهم وحياتهم وقلة حيائهم وقلة أو انعدام غيرتهم على نسائهم.

لم يتوقف المسلمون عن الاهتمام بالآخرين على الرغم  من اتهام المستشرق الأمريكي المشهور برنارد لويس لنا بأننا اكتفينا بما عندنا فضربنا الصفح عن معرفة الشعوب الأخرى في كتابه اكتشاف المسلمين لأوروبا.ولكن ضعفنا الفكري الحالي وعدم اهتمامنا بالعالم بل بأنفسنا أيضاً إنما هو ناتج عن أوضاعنا السياسية المتخلفة، فلم نفد من المعلومات التي عندنا، وقد سافر علماء مسلمون في القرن التاسع عشر وربما قبله ومنهم رفعت رفاعة الطهطاوي  وخير الدين التونسي وثمة سفراء لتركيا والمغرب وغيرها من الدول الإسلامية كتبوا عن أوروبا وتجربتهم فيها. ولا بد أن أذكر في هذا المجال الكتاب الرائد للدكتور زكي علي (هذه هي الشعوب البيضاء) ويقصد بها أوروبا التي عاش فيها ما يزيد على ستين سنة، وكتب الكتاب موجهاً للأوروبيين يوضح لهم ما هم فيه من مادية طاغية وضياع وأن الخير لهم في الإسلام. 

نموذجان من دراسة الغرب لنا حتى الآن.

الأول: بريطانيا، صحيح أن بريطانيا احتلت الهند عن طريق شركة الهند الشرقية وأنشأت معاهد ومدارس استشراقية منذ وقت مبكر ولكن اهتمامها العلمي القوي ازداد في القرن التاسع عشر والقرن العشرين ومازال قوياً حتى اليوم حتى كان من آخرها أن عُدّ الإسلام الموضوع الاستراتيجي لعام 2007 وقدم توني بليز مليون جنيه إسترليني لدراسة الإسلام وبعد ذلك بقليل اقترح على الملكة أن تمنح سلمان رشدي لقب سير.

كونت الحكومية البريطانية لجنة عام 1903 لدراسة احتياجات بريطانيا من المتخصصين في الدراسات العربية والإسلامية أو الاستشراق، وفي 1916 أقر البرلمان البريطاني إنشاء كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، وفي عام 1947 ألفت الحكومة البريطانية لجنة أخرى برئاسة الإيرل سكاربورو لمواكبة احتياجات بريطانية من الخبراء والمتخصصين بعد الحرب العالمية الثانية وخروجها من السياسة الدولية دولة وليس إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس بعد أن زالت معظم مستعمراتها. وفي عام 1961 ألفت لجنة أخرى برئاسة السير وليام هايتر فقررت صرف مبالغ كبيرة لدعم دراسات الشرق الأوسط. وفي عام 1985 تكونت لجنة برئاسة وليام باركر للغرض ذاته.

أما أمريكا فإنها بعد أن خرجت من الحرب العالمية الثانية وراثة للنفوذ البريطاني أو كان عليها أن تملأ الفراغ الذي تركته بريطانيا وجدت أنها بحاجة إلى جيش من المتخصصين في الدراسات الشرق أوسطية وفي معرفة العالم العربي والإسلامي وكانت قد بدأت الاهتمام بهذا الجزء من العالم قبل ذلك ولكن وتيرة الاهتمام زادت بسرعة هائلة حتى إن الحكومة الأمريكية أصدرت مرسوماً عام 1957لدعم عدد من مراكز الدراسات الشرق أوسطية للاهتمام بهذه المنطقة وتعليم لغاتها وبخاصة اللغة العربية. وعاد الاهتمام في أمريكا عام 1990 ثم في عام 2001 وما زال الاهتمام قائماً بل إن اهتمام أمريكا يتعدى إلى الإسلام في أوروبا وكأنها وصية على أوروبا. ولكن هذه هي أدوار الإمبراطورية أن لا تترك شاردة ولا واردة في العالم إلاّ اهتمت بها.

العالم يدرس الغرب والغرب يدرس الغرب.

زرت اليابان للاطلاع على الدراسات الأمريكية فيها وكنت من قبل قد وجدت مادة غزيرة من خلال الإنترنت فهذه جامعة دوشيشا (أسسها ياباني نصراني كان فاراً إلى أمريكا ويحمل جنسيتها) بدأت سلسلة المحاضرات الأمريكية منذ عام 1949ثم تطور  الاهتمام بالدراسات الأمريكية حتى وجد عدد من الأقسام لهذه الدراسات في جامعة دوشيشا وفي جامعة كيوتو وفي جامعة طوكيو، وقد أنشأ القوم هناك الرابطة اليابانية للدراسات الأمريكية. كما أن لديهم رابطة للدراسات اليابانية ورابطة ثالثة لدراسات الشرق الأوسط.

أما الصين فهي الأخرى تهتم بدراسة أمريكا حتى إن لديها أكثر من خمسة عشر مركزاً للدراسات الأمريكية(تقدم قائمة بها السفارة الأمريكية في بكين) وتهتم الصين أيضاً بالدراسات الأوروبية. وأضيف أن الصين كانت الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية عام 1947م كان مقرها في مبنى لا يزيد عن أربعة طوابق وفي عام 2000 أصبحت الأكاديمية تحتل مبنى تزيد طوابقه على العشرين طابقاً وهو الذي يرعى هذه الدراسات ولذلك اقترحت ذات مرة أن يتحول مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني إلى الأكاديمية السعودية للعلوم الاجتماعية ويدعم الحوارات والمؤتمرات من خلال الجامعات والمؤسسات التعليمية الأخرى من أساتذة الابتدائي إلى أساتذة العلوم الاجتماعية والرياضية إلى مختلف الكليات. أتمنى أن يشعل البلاد حوارات وليس حوارات ضمن المركز وحده. ومهما كان حجم المركز فلا يمكن أن يكون بديلاً للجامعات والمؤسسات العلمية في البلاد.

أوروبا تدرس أوروبا وتدرس أمريكا

كنت في زيارة علمية لمدينة برلين وفي إحدى مباني جامعة همبولت وجدت لوحة عليها إعلانات عن محاضرات عن كرة القدم البريطانية وبعض الشؤون البريطانية الخاصة فتعجبت وما علاقة جامعة ألمانية بكل هذا فبحثت حتى وجدت أن الداعي لهذه المحاضرات هو مركز الدراسات البريطانية، فقررت أن أزور المركز وأجري حواراً مع مدير المركز وأحد الأساتذة فأمطرتهم أسئلة وأمطروني أجوبة وكتباً ومعلومات. فهنا ألمانيا تدرس بريطانيا، وسرت في  أحد الشوارع فإذ بمعهد للدراسات الألمانية الفرنسية في العلوم الاجتماعية. وعلمت أن برلين تستضيف أكبر مركز للدراسات الأمريكية خارج أمريكا وهو مركز كيندي.

أما في بريطانيا فلديهم معهد دراسة الأمريكيتين وقد بدأ قبل سنوات بالاهتمام بالولايات المتحدة الأمريكية ثم تطور الأمر ليشمل القارة بشمالها وجنوبها. ويمنح المعهد درجتي الماجستير والدكتوراه في كل ما يخص هذه المنطقة.

وبالنسبة للدراسات الأمريكية فثمة الرابطة الأوروبية للدراسات الأمريكية وانبثق عنها شبكة الدراسات الأمريكية التي تضم ثمانية عشر مركزاً.  وتجتمع الرابطة كل سنتين وقد قررت الشبكة منح جائزة لأفضل كتاب يصدر في مجال الدراسات الأمريكية. بل إن كندا الجار القريب اللصيق بأمريكا لديهم دراسات أمريكية.

ندرس الغرب لماذا وكيف؟

ندرس الغرب لنتحول من ذات موضع الدرس إلى ذات دارسة للغرب لنقضي على مركب النقص الذي لزمنا قروناً كما نقضى على مركب الاستعلاء عند الغربيين. وهذه الدراسة من أهدافها أن نحرص على حماية مصالحنا السياسية والاقتصادية وغيرها فكفى استغلال لثرواتنا وخيرات بلادنا ولو كنّا نعرفهم من الداخل لما مكنّاهم أن ينهبوا ما يشاؤون دون رقيب ولا حسيب.

ندرس الغرب لأننا بحاجة إلى أن نتعلم من الغرب ونتعلم في كل المجالات من إدارة الجامعات إلى كنس الشوارع. ليس عيباً أن نتعلم فقد تعلموا منا والعلم مشاع بين الأمم، وهم لا يبخلون في المجال العلمي إلى حد كبير. (إلاّ في مجال التقنية المتقدمة، ولو بذلنا لذلك ما ينبغي بذله لوصلنا إليه) ندرس الغرب لنتعلم منه في الصناعة والتجارة والإدارة والنظم والشفافية والمحاسبة وغيرها. فمن الأمثلة على تلك الدراسة أن برنامج الزائر الدولي دعا عدداً من مدراء الجامعات الخليجيين لزيارة أمريكا والتعرف على كيفية إدارة الجامعات، فامتنع البعض بمشاغل (لا مبرر لها) وكم تمنيت أن لا يعتذر أحد، فلعلهم يتعلمون كيف يتعامل المدير هناك مع كل منسوبي الجامعة باحترام وتقدير ويرد على رسالة أدنى طالب كما يرد على رسائل كبار الأساتذة لا أن يهمل رسائل الجميع كما يفعل مدراء عندنا. ولما شكا طالب في إحدى جامعات المملكة من صعوبة مقابلة المدير فرد طالب سعودي مبتعث بأن مدير جامعته لا يحتاج سوى ساعات ليرد على رسالة أي طالب في الجامعة.

ندرس الغرب لنتعلم منه النقد الذاتي والمجتمع المفتوح ونحن أولى منه وعندنا التأكيد على النقد الذاتي بقسم الله سبحانه وتعالى بالنفس اللوامة. ولكن القوم ابتكروا أساليب لنقد مجتمعاتهم من خلال المجالس المنتخبة والصحافة الحرة (إلى حد ما) وغير ذلك.

ندرس الغرب لأننا أمة الشهادة (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) فكيف نستطيع أن نشهد عليهم دون أن نعرفهم. كما أننا مكلفون بتبليغ رسالة الإسلام والعالم بحاجة ماسة إلى هذا الدين فلا بد أن نبلغ دين الله عز وجل كما قال تعالى (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن) وقوله صلى الله عليه وسلم (نضّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فبلغها إلى من لم يسمعها فرب مبلَّغ أوعى من سامع أو رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)

فمتى ندرس الغرب ومتى يصدر قرار أو قرارات من أعلى مستوى حكومي في العالم العربي لنكن نحن مبادرين ندرسهم بمعاييرنا وموازيننا ونفيدهم من خلال دراساتنا.

الاستغراب ومعرفة الآخر

محاضرة في برنامج تواصل بكلية الآداب بجامعة الملك سعود

3 ذو القعدة 1431هـ الموافق 11أكتوبر 2010م

        كان مقرراً على طلاب السنة الإعدادية الأولى قراءة قصة "دعاء الكروان" لطه حسين التي لم أعد أذكر منها شيئاً سوى ما يقال إن المؤلف استخدم الاسترجاع (الفلاش باك) وهي أن يبدأ القصة من نهايتها ثم يعود إلى أحداث القصة. وفي حديثي عن المحاضرة سأبدأ من النهاية وهي الأسئلة التي وجهت إليّ وبعض التعليقات التي  أتذكرها. فإليكموها

1-     كيف نمكن أن نبعد عاطفتنا عن دراستنا ولو قليلاً كي نصل إلى مرحلة بداية دراسة الاستغراب وليس إلى التعمق لأني متشائم كثيراً من ناحية التفاعل الفعلي؟ وبحكم عاطفتنا لم نستطع أن نفعل الأشياء البسيطة بشكل صحيح، فكيف بدارسة الاستغراب والتعمق فيه دون أن نحمورها لأشياء أخرى؟

الجواب: ليس من الضروري أن تتغلب علينا العاطفة في أي أمر ونحن في دراسة الاستغراب نستنير بهدي القرآن الكريم في قوله تعالى ( ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) ونحن في تعاملنا مع أهل الكتاب والكفار عموماً نسير وفق الآية الكريمة (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) والبر كما يقول العلماء هو جماع الخير، ثم يأتي العدل.  ومن الآيات الكريمة التي تأمر بالعدل قوله تعالى ﭽ                               )، ونحن عندما ندرس الغرب نريد أن نعرف الحقيقة حقيقة وليس كلاماً. فلهذا لا تخش علينا حين ندرس الغرب أن تتغلب علينا العاطفة. ونحن حين ندرس الغرب نحرص أن نجب العداوات السابقة والصور النمطية وإنما هدفنا العلم والمعرفة

2-     لماذا جزء كبير من العرب منبهرون بالثقافة الغربية؟

هم كذلك لضعف إدراكهم للإسلام؟ والانبهار هو التقليد والحب والإعجاب والانحراف وفقدان الهوية والذاتية. وقد نشأ التغريب في بلادنا منذ البعثات الأولى من عهد رفعت رفاعة الطهطاوي إلى طه حسين إلى تركي الحمد والبليهي،وكثير من كتّاب الصحف في المملكة. والحقيقة أن الجزء الأكبر من الأمة متمسك بإسلامه ولكن ليس بالقوة التي تكفي لتغيير أحوالنا وإعادتنا إلى الجادة. فالناس في داخلهم وفي حقيقة أمرهم لا يرضون بالإسلام بديلاً.  والحديث عن الانبهار يقودني  إلى الحديث عن التغريب، وقد كتب الشيخ إبراهيم السكران (أبو عمر) مقالة ضافية أوحت لي أن أعلق عليها بمقالة طويلة إليكم رابطها


ورابط آخر خوفاً من الحجب (وما أدراك ما الحجب)


3-     متى يصبح الاستغراب تغريباً؟

الجواب: يصبح الاستغراب كذلك عندما يقود هذه الدراسات مجموعة من المتغربين أو تكون القيادة فيها والهيمنة لجهات تنطلق في هذه الدراسات من الإعجاب والانبهار بالغرب. عندما تكون هذه الدراسات مبنية على أسس إسلامية يكون المعيار والميزان فيها للإسلام فلن تصبح تغريباً، أما حينما يضع مناهجها وبرامجها جهات أجنبية إن قبلنا التمويل دون شروط فإنها بلا شك تصبح تغريباً. وأذكر مثال أحد معاهد أو مراكز الدراسات الأمريكية يقوم عليه أمريكي ويأخذ الطلاب والطالبات إلى الجامعة المسماة باسم الصهيوني براندايس (القاضي الأمريكي) الذي دعم الاعتراف بإسرائيل لدى حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وهو أول قاض يهودي صهيوني في المحكمة العليا الأمريكية. ويكون هذا البرنامج قائم على التقليد والتبعية وليس الاستقلال.

4-     أرى أن الإعلام العربي له الدور الأكبر في نشر العادات الغربية حتى لو كانت سلبية.

الجواب: الإعلام العربي هو إحدى الكوارث التي أصيبت بها أمتنا في العصر الحاضر، وهو أشد خطورة من تسونامي وغيرها من الكوارث. والمصيبة أننا ندعم هذا الإعلام بشراء المنتجات التي تعلن فيه. وكارثة الإعلام ليست قاصرة علينا وحدنا فالغرب وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية تشكو أن الإعلام سبب أساس في نشر الجريمة والدعارة والفسق والفجور والخنا عندهم حتى إن العقلاء في الغرب يصيحون منذ سنوات طويلة ضد إعلامهم (وإعلامنا صورة طبق الأصل، أو نسخة سيئة)- فإن كان في إعلامهم بعض النقد لواقعهم، فإعلامنا ليس إلاّ للتسطيح والفساد.  ألف الناقد السينمائي مايكال ميدفيد كتاباً بعنوان (هوليوود وأمريكا) وأوضح خطورة هوليود على القيم الإنسانية النبيلة وتشجيعها لكل الفواحش. وألف أستاذان جامعيان كتاباً بعنوان (مصادر غير موثوقة) أكدا فيه امتلاك كبريات الشركات التي تسير السياسة الأمريكية وسائل الإعلام فبدلاً من أن ينقل الإعلام الحدث ويعلق عليه، صار الإعلام أو من يملك الإعلام هو الذي يصنع الحدث. وتنشر الحكومة الأمريكية تقارير صحفية بحجم ضخم جداً حتى لا تدع لغيرها أن ينقل عنها إلاّ ما تريد.

5-     هل هناك جهة مسؤولة عن حفظ حقوق المستغربين؟

الجواب: وهل وجد هؤلاء حتى نبحث عن حقوقهم؟ وهل الحقوق تعطى يا بني، إن الحقوق تؤخذ وحقوق الباحثين في الاستغراب إنما هي جزء من حقوق بقية المواطنين في العالم العربي وليتهم يحصلون على أبسط حقوقهم من الحرية والكرامة.

6-     أثار استغرابي طلب الاتحاد الأوروبي في السعودية إنشاء مركز للدراسات الأوروبية، فهل ذلك يعني أن لديهم نوايا بفرض مخرجات معينة ومعلومة سلفاً؟ (متعب الحربي)

الجواب: لا يوجد أحد يقدم أمواله دون أن يكون وراء ذلك هدف معين. نعم هم يريدوننا أن ندرس أوروبا وأن نعرفهم معرفة حقيقية ولكن لا بد أن لهم أجندة خاصة بهم، وكل من يقدم تمويلاً لكرسي أو مركز بحث يسعى إلى تحقيق أهداف معينة ما عدا ما يقدمه العرب والمسلمون غالباً يرتد ضدهم ، وقد كتب هذا الدكتور عبد اللطيف طيباوي في الكتاب الذي نشرته جامعة الإمام بعنوان (النقد الثاني للمستشرقين الناطقين باللغة الإنجليزية) وترجمه الدكتور قاسم السامرائي، كما كتب عن هذا الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي في بحث نشره في مجلة المسلم المعاصر وطالب بعدم قيام المسلمين بتبني إنشاء كراس في الغرب لأن نتائجها تكون في الغالب عكسية.

7-     تجارب خجولة متفرقة (القاهرة، الشارقة- البحرين) فهل يكون من الإيجابية انتظار دعم كبير للشروع في اللبنة الأساسية أم أنه بالإمكان تبني مشروع طموح من المهتمين بالمجال؟

الجواب: نعم لا ضرورة للانتظار فقد طال وقد بدأ الدكتور السيد محمد الشاهد بتقديم مشروع مفصل لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قبل ما يقارب العشرين سنة لإنشاء كلية الدراسات الأوروبية وقد نشرت كتاباً بعنوان (الغرب من الداخل: دراسة للظواهر الاجتماعية) وتحدثت في عدة قنوات تلفزيونية من بينها الثقافية واقرأ والرسالة والمجد والأسرة، وغيرها أطالب بهذه الدراسات. وأشكرك على السؤال فلعله حان الوقت لإنشاء رابطة للدراسات الأمريكية في العالم العربي أو حتى في العالم الإسلامي على غرار الرابطة الأوروبية للدراسات الأمريكية وشبكة الدراسات الأمريكية.

8-     تباين الأهداف بين الاستشراق والاستغراب، فالاستشراق لهدمنا والاستغراب لبنائهم، لعل نبل هذا الهدف يكفي للتمييز؟

الجواب: صدقت فهدف الاستغراب يختلف عن الاستشراق والأمر كما قال الدكتور سعيد عبد الله بن سلمان (وزير التربية والتعليم في الإمارات سابقاً) ندرسهم لإنقاذنا وإنقاذهم. وهو ما حدا الدكتور زكي علي لكتابة كتابه (هذه هي الشعوب البيضاء) نحن نسعى في دراسة الغرب أن نقدم وجهة النظر في قضاياهم بما نملكه من الكتاب الخاتم والرسالة الخاتمة والمهيمنة على ما قبلها من الرسالات.

9-     هل يلزم العيش أجيال متتابعة في العالم الغربي لنعرفهم كما عرفونا؟

الجواب: لا يلزم المكوث طويلاً فوسائل المعرفة أصبحت أيسر ولكن لا بد من شيء من الاحتكاك المباشر والمعايشة. أضف إلى ذلك إلى وجود أعداد كبيرة من أبناء المسلمين الذين يعيشون في الغرب كما أن من الغربيين من أسلم فهو أعرف بقومه بالإضافة إلى معرفته بالإسلام. ومن أجمل من كتب عن الغرب من الداخل وحلل لنا الغرب مراد هوفمان السفير الألماني السابق في الجزائر والمغرب والذي أبدع  في الحديث عن بني قومه.








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق